Home الصحافة المغربية قصة تبييض كلمة…

قصة تبييض كلمة…

قصة تبييض كلمة…

قصة تبييض كلمة… هوية بريس – عبد المجيد النحكامي يبدو أن تلك الكلمة لم تكن في أصلها سوى وصف لغوي عادي كأي وصف بريء، ثم تطوّرَ الوصف مع الزمن إلى تصنيف عرقي تراتبي قيمي، إلى أن جاء نشطاء متحمسون تلقفوه فجعلوا منه عنوانا مُجَمَّلا لهُوية شعب بعدما أخرجوه من سياقه، وزَيّنوه بجميل الأوصاف في عيون من يجهلونه ويجهلون سياقه. ذلك الوصف بقناعِه الجميل تمكن بفعل الدعاية القوية لحملة لوائه من التسلل على مدى خمسين سنة الماضية إلى الخطاب الرسمي والأكاديمي.. فبلغ من سعة التداول ما جعله يتملص من حمولته التاريخية “المُخجلة” و يكتسب “نقاء” و”شرعية”، كأننا هنا أمام عملية “تبييض كلمة” تشبه في آلياتها ما يعرف بجريمة “تبييض الأموال”… و كما يغسل المال القذر ليصبح “نظيفا”، غُسلت الكلمة لكي يصبح لها “نقاء” و”طهر”، بل و “قداسة” في نفوس دعاتها… (1) ـ الحقيقة المُرة المَخْفية: سبق أن بيّنا في ورقة بحثية سابقة أن كلمة “أمزيغ” في سياق جنوب المغرب وجنوبه الشرقي على الأقل (على امتداد أحواض سوس و درعة و تافيلالت)، تحمل معنى “العرق الأبيض” في مقابل كلمة “حرطاني” (أحرضان) وما يماثلها التي تحمل معنى “العرق الأسود”. وإذا قلنا جنوب المغرب وجنوبه الشرقي، فإننا نقصد بذلك المنطقة التي تضم أكبر كتلة سكانية تتحدث البربرية، وهذه الكتلة بأعرافها وذاكرتها الموغلة في القدم هي مرجعنا في ما نسطره هنا. كلمة “أمزيغ” إذن هي من قبيل الوصف الذي لا يُستدعى إلا في مقابل ضده: فلا نقول “أمزيغ” إلا في مقابل “أحرضان”؛ تماما كمن يقول طويل في مقابل قصير، و غليظ في مقابل رفيع، إلخ. هذه الثنائية العرقية نجد لها صدًى في كتب التاريخ القديم التي تتحدث عن ثنائية “الليبيين” و”الإثيوبيين” قبل أكثر من 2500 سنة، فنراه شاهدا قويا على عراقتها. غير أن تطور التاريخ الاجتماعي للمنطقة جعل ذلك الوصف العادي البريء ينزاح في دلالته إلى تصنيف “عرقي تراتبي قيمي” يُعلي من شأن العرق الأبيض، وينزل بشأن العرق الأسود إلى أدنى الدركات. حقيقة مُرة لا يمكن إنكارها، كما لا يمكن فصلها عن تاريخ البشرية جمعاء التي سارت قدما نحو التطبيع مع الاستعباد و خاصة مع “مركزية العرق الأبيض”. وهكذا، فالخطاب التراتبي السائد ربط المزايا بالعرق الأبيض والرزايا بالعرق الأسود، حتى اعتقد الناس أن هذا الأخير لا يليق بانحطاطه المزعوم إلا أن يكون في رتبة أدنى تحت أقدام الأول، وفي خدمته على كل حال… من رَحِم هذا الواقع العنصري المجحف تبلور معنى “الرجل الحر النبيل”: هو “حر” في مقابل “العبد” الأسود، و”نبيل” في مقابل “الحقير” الأسود. هذا النُّبل المزعوم ليس “خُلقا” محمودا كما توحي لنا بذلك أدبيات الحركة الأمازيغية وهي تتحدث بأسلوب عاطفي مغرق في الرومانسية عن معنى كلمة “أمزيغ” منزوعا من سياقه الاجتماعي..؛ بل هو مجرد “نُبْل خِلقي” مزعوم يستمد معناه من نُبل اللون الأبيض، ونُبل الملامح الدقيقة الرقيقة..، ونبل العرق الأبيض عموما. وهنا تبرز مفارقة عجيبة تكشف زيف هذه التراتبية؛ فهذا “البياض” الذي يُتخذ معياراً للسيادة ليس في واقع الأمر سوى وهم فسيولوجي وتصنيف نسبي. فالطوارقي مثلا من فئة “تماشق” صاحبة “النبل” قد يحسب نفسه منتمياً لـ”العرق النبيل”، مستنداً في ذلك إلى مقارنة نفسه بجاره الزنجي الذي يبدو له أشد سواداً و أقل “نبلا” في صورته، فيضعه في أسفل الهرم الاجتماعي. غير أن الحقيقة أن ألوان البشر ليست في مجملها سوى درجات متصلة من الدُّكنة؛ بحيث إن هذا الطوارقي الذي يرى نفسه “أبيض” في بيئته الطوارقية، لو قابلناه بشيوخ جنوبنا الشرقي ممن يُصنفون ضمن “الأمازيغ” لما ترددوا لحظة في تصنيفه ضمن “الحراطين”، ولاستنكروا قول من يصنفه “أمازيغيا”. أما لو قابلنا “بياض” هؤلاء جميعا ببياض سكان شمال أوربا لصُنفوا جميعا ضمن “السود” عموما. إنها إذن خدعة بصرية أنتجتها نفسية الاستعلاء، ليتمسك البعض بوهم الانتماء لـ”العرق النبيل” لمجرد تقابله مع من هو أشد منه سواداً. و لعل استعراض مثال شخصية الباشا التهامي الكلاوي في المغرب يساعدنا على فهم وضعية “نبلاء” الطوارق: فالباشا التهامي الكلاوي يتربع على رأس قبيلة “أمازيغية”. غير أن المفارقة أن هذا الذي يصنف “أمازيغيا” و في خدمته حَشْدُ من عبيد “إحرضانن”، يصفه الفرنسيون بـ”الزنجي” (بحسب “كوستاف بابان” في كتابه عن “الباشا الكلاوي”)!.. فهؤلاء الأوربيون يصفون صورته كما تراها أعينهم، في حين أن تصنيفه “أمازيغيا” لم يكتسبه إلا بالنّسَب لوالده، أما عن والدته فقد كانت زنجية و منها اكتسب ما تسرب إلى صورته من ملامح “زنجية”. و لعل هذه الوضعية هي الأقرب لواقع “نبلاء” الطوارق الذين اختلطت دماؤهم بالزنوج و أخذوا من ملامحهم، غير أن احتفاظهم بانتسابهم إلى آبائهم الأوائل جعلهم يحتفظون بامتياز الانتماء إلى فئة “التماشق” صاحبة “النبل” المزعوم. مثال آخر يعزز هذا التفسير نكتشفه في عهد السعديين: فقد بادر السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي إلى غزو بلاد السودان بجيش يتركب من عناصر أوربية. استقر من بقي على قيد الحياة من هؤلاء الرجال البيض هناك، وسيطروا على بلاد السودان. «وتزوج الإسبان السودانيات، و اختلطوا شيئا فشيئا بالسكان، غير أن أحفادهم الرماة كونوا أرستقراطية تظاهرت بالتفوق إزاء الزنوج الصرحاء»… والحال الذي انتهى إليه أحفاد الإسبان هؤلاء يبدو لنا كحال أحفاد فئة “التماشق”. (2) ـ سكان المغرب الأقدمون: تكاد أدبيات الحركة الأمازيغية في تطرقها لتاريخ المغرب تُجمِع على أن “الأمازيغ” هم أحفاد “الليبيين” الذين تحدثت عنهم كتب التاريخ القديم (انظر على سبيل المثال كتاب “أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ)” وكتاب “صورة الأمازيغ في الكتابات الوطنية والأجنبية” الذين أصدرهما المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية). وبذلك فإن “الأمازيغ” دون سواهم هم سكان المغرب الأقدمين، وهم أصحاب “صك الملكية” الشرعيون دون منازع. غير أن المصادر التي تنهل منها تلك الحركة، نجدها هي نفسها تتحدث إلى جانب الليبيين بوصفهم عناصر “بيضاء”، عن “الإثيوبيين” بوصفهم عناصر “سوداء”. على هذا تشهد مختلف الأدبيات الكلاسيكية اليونانية والقرطاجية واللاتينية: هيرودوت وحانون وسيلاكس وغيرهم… و لكن الخطاب المهيمن داخل الحركة الأمازيغية يغطي على هذه الحقيقة التاريخية الموثقة، ويركنها جانبا بعيدا عن الأضواء الكاشفة، تماما مثلما نراه يركن جانبا عنصر “إحرضانن” فلا نرى في واجهة المشهد إلا عنصر “إيمازيغن”. و مما يؤسف له أن الخطابات الرسمية والأكاديمية انساقت وراء تيار هذه الدعاية المهيمنة محليا ودوليا؛ فأصبح العالم كله لا يتحدث إلا عن “الأمازيغ” بوصفهم ضحايا التهميش والإقصاء، جاهلين بالمهمشين الحقيقيين على مدى قرون من التاريخ والأحق بالمظلومية، وبأن ذلك الاسم نفسه هو “صك إدانة” في حد ذاته لعنصر أبيض يميز نفسه باسم “أمزيغ” في مقابل العنصر الأسود… (3) ـ شهادات من الميدان: ـ منع التزاوج: قضى العُرف المحلي منذ القديم أنه من غير اللائق أن تكون هناك مصاهرة ما بين “إيحرضانن” و “إيمازيغن”. الأمازيغ في هذا الوضع يستنكفون عن ذلك، ويرونه رغبة لدم فاسد في التسلل إلى دمائهم “الطاهرة النقية النبيلة”. مشهد يذكرنا بمن يحرص على “النقاء العرقي”. ـ فصل في المقابر: بلغ الاستعلاء في بعض الحالات الخاصة إلى الفصل ما بين مقابر “إيمازيغن” ومقابر “إحرضانن”. ـ تصفية جسدية: فالذاكرة المحلية لقرى إحدى الواحات ما تزال تردد صدى حادثة مفادها أن عناصر من “إيمازيغن” اتفقوا قديما على قتل جيرانهم من “إحرضانن”، فكان ما كان، وتشهد على ذلك، بحسب الرواية الشفوية، مقبرة يقال أنها خاصة بالسود من أبناء قريةٍ لا نجد فيها حاليا إلا عناصر بيضاء. فإذا صحت هذه الرواية، فهل نتعامل معها بوصفها مجرد حادثة عابرة، أم أننا أمام صورة من صور “الاستئصال العرقي”؟ ـ الخطاب اليومي: في حالات الغضب الشديد تتفلت عبر بعض الأفواه عبارات تنطلق مما رَسَبَ في النفوس عبر أجيال، كأنها تحن إلى الماضي، وتتحسّر على واقع معاصر يتساوى فيه “أمزيغ” مع “أحرضان”، أو يجد الأولُ الثانيَ في موقع أرقى منه وملزما بخدمته. ـ شهادة من العُرف المحلي: في سؤال لشيوخٍ في أماكن مختلفة في بوادي جنوب شرق المغرب (ممن يُصنفون ضمن “إيمازيغن”) عن جيرانهم السود الذين يشاركونهم نفس الأرض ونفس اللغة ونفس الثقافة: هل يمكن أن نصنفهم ضمن الأمازيغ؟ فاتفقت إجاباتهم على موقف “الرفض” مع نبرة من الاستنكار أو ما يقارب الاشمئزاز. هذا ردا على من يدعي أن كلمة “الأمازيغية” مظلة هوياتية تسع الجميع. و لعل مما يعزز هذا الجواب في المنطقة، وجود مجموعتين بشريتين متجاورتين: الأولى تضم عناصر من “إحرضانن” لا يتكلمون إلا البربرية، و الثانية تضم عناصر بيضاء لا تتكلم إلا العربية، غير أن جيرانهم من الحراطين يحرصون على وصفهم بـ”إيمازيغن”. ـ الوصاية الأكاديمية: طالب جامعي في إحدى حصص التاريخ القديم، يشدد في كلمة له على أصالة “الحراطين” ببلاد المغرب بوصفهم أحفاد “الإثيوبيين”. غير أن أستاذه الذي كان من ذوي النزعة الأمازيغية سارع إلى السخرية من الفكرة والتقليل من شأنها، محاولا من خلال إحراج الطالب أمام زملائه إقناعه بسخفها للتخلي عنها ما دام أن الدعاية المتداولة تدعو الناس إلى التسليم بأن “الليبيين” وأحفادهم “الأمازيغ” هم وحدهم أصحاب الأصالة على أرض شمال إفريقيا، و أن غيرهم مجرد وافدين دخلاء… ـ تكريس المؤسسة التعليمية للتهميش: تلاميذ مغاربة في بوادي الجنوب الشرقي، من العرق الأسود، تعَوَّدوا على مضض على وصفهم من قبل جيرانهم الأمازيغ بـ”إسوقوين”، وهم يعلمون علم اليقين أنهم لا يصنفون ضمن عنصر “إيمازيغن” ولا يصح ذلك على الإطلاق في منطق العرف الموروث. هؤلاء التلاميذ، وهم يمثلون نصف عدد من في الفصل الدراسي على الأقل، يُعلمونهم في مادة الاجتماعيات أن سكان المغرب الأقدمين هم “الأمازيغ” بوصفهم أحفاد “الليبيين”، ثم يحدثونهم عن الممالك “الأمازيغية” وثورات “الأمازيغ”، وجمال “الأمازيغ” الشقر… هم هنا لا يجدون ذواتهم نهائيا، وتتكرس في نفوسهم فكرة أنهم ليسوا من نبات هذه الأرض، وأنهم دخلاء عليها، بل وأنهم حصرا من أحفاد عبيد السودان. فماذا عساهم يفعلون أمام نظرة الاحتقار هذه التي تنمو بذرتها معهم في القرية ثم يتعزز نموها و تكتسب “شرعية” في دروس المدرسة؟!!.. و في علاقة بموضوع العبودية هذا، فإنه لمن المفارقة أن يركز الجميع على أحفاد عبيد السودان ويتغاضون عن أحفاد عبيد البيضان. و العدل يقتضي أن تسليمنا بأن جزءا من سود المغرب ينحدرون من عبيد السودان الذين استقدموا من إفريقيا جنوب الصحراء، يجب أن يوازيه تسليم مماثل بأن جزءا من بيض المغرب ينحدرون من عبيد البيضان الذين استقدموا من أوربا. فوصم “العبودية” إذن يمكن أن يشمل الجميع، و لا يصح حصره في السود فقط. (4) ـ استدراك الانحراف: لعل الجميع سيستنكر الشهادات المشار إليها، وسيعتبرها من موروثات الماضي التي يجب الخلاص منها، وأن الخطاب الوطني المعاصر يسعى جاهدا منذ الاستقلال لتجاوزها. غير أن الواقع أننا ما نزال نسبيا رهينة عقلية “مركزية العرق الأبيض”. كيف ذلك؟ قد ينبري البعض للقول بأن الكلمات الموروثة عن حقبة سابقة من قبيل: “الحرطاني” و”أسوقي” و”إسمك” (أو “إسمخ”)، إلخ، بما تحمله من معاني التحقير، هي كلمات مُدانة جملة وتفصيلا، ويجب هجرها في أقرب الأجيال. غير أننا نغفل أن كلمة “أمزيغ” نفسها هي من ذات المعجم الموروث، وأن الاستمرار في الترويج لمصطلح قائم بنيويا على الثنائية الاستعلائية “أمزيغ/أحرضان” هو استمرار في إنتاج التمييز والتحقير. وعليه فإن أي مشروع حقيقي للإنصاف يبدأ بنقد هذا المصطلح نفسه وتجاوزه كما نريد تجاوز المصطلحات العنصرية الأخرى من معجمنا: ذلك أن كلمة “أمزيغ” لم تنبت إلا لمقابلتها بكلمة “أحرضان”، وأن إدانة وهجر هذه الأخيرة يفترض إدانة وهجر الأولى. وبالعودة إلى حالة المجتمع الطوارقي على سبيل المثال، كان علينا أن ننتبه أصلا إلى أن كلمة “تماشق” التي تربطها بعض القراءات بكلمة “أمزيغ”، لم تكن أبدا عنوانا هوياتيا جامعا محايدا، بل اسما تمييزيا خاصا بالفئة التي تحتكر لنفسها صفة “النبل” وتتربع قمة هرم مجتمع الطوارق. فأي منطق حقوقي هذا الذي يقبل تكريس التراتبية الاستعلائية من خلال فرض اسم هوية فئة محدودة على باقي الفئات الأخرى؟ مسألة أخرى غاية في الأهمية عن عقلية “مركزية العرق الأبيض”: إنها الاستحواذ الرمزي على بلاد المغرب و احتكار مقوماته الثقافية القديمة من خلال نسبها جميعا لعنصر “إيمازيغن”. بما يعني أنهم أصحاب الفضل الوحيدون في إنتاج رصيده الثقافي القديم: فاللغة نسبت إليهم، وكذلك الشعب والأرض ومجموع الإرث الثقافي المادي واللامادي!!.. في ظل هذا الاستحواذ الرمزي، كيف يستقيم بناء هوية وطنية جامعة ومتوازنة يتمثل فيها الجميع ذاته بكل أريحية و فخر؟ إن نسبة الأرض واللغة والتاريخ بشكل أحادي لعنصر “إيمازيغن” يُسقط من المعادلة مكوناً أصيلاً من سكان هذه الأرض، ويُعيد إنتاج نفس التراتبية الاستعلائية القديمة وإنْ بلباس حقوقي وأكاديمي حديث. ليبقى السؤال المركزي هنا: ماذا كان دور السكان السود الذين يصنفون “إحرضانن” في هذا المشهد؟ هل كانوا مجرد خلفية تؤثث المشهد الذي يسيطر عليه “إيمازيغن”؟ هل كانوا مجرد عناصر هامشية (كومبارس) تؤثث خلفية البطل الذي لن يكون إلا “أمازيغيا”؟ هل يمكن تصور وجود إرث الواحات بدون عقول و سواعد الحراطين، و تحملهم الممتد لمضايقات البدو الرحل من “الأمازيغ”؟ لماذا يتم إغفال الدور التأسيسي لهؤلاء الحراطين في بناء نظام الواحات و هندسة المياه و العمران حتى أن شارل دوفوكو عَبَّر عن انبهاره بأناقة المنشآت السكنية بحوض درعة على خلاف المناطق الأخرى التي زارها من قبل في إطار اكتشافه للمغرب؟ هذا الإغفال أو التهميش ليس بالجديد، بل هو أسلوب رمزي قديم يتجدد حاليا مع “الحركة الأمازيغية”. فبحسب غابرييل كامبس، كوَّن الليبيون الخيليون أصحاب العربات طائفة محاربة فرضت هيمنتها على السود الذين سبقوهم إلى الظهور في الصحراء الكبرى. فصار السود (رغم وجودهم الفعلي والعددي الكبير) لا يظهرون في الرسوم و النقائش الصخرية، و هذا بحسب كامبس ليس فيه ما يدعو إلى الاستغراب ما دام أن القاعدة العامة تقوم على أن العرق الحاكم هو وحده الذي يظهر في الفن الرسمي. لهذا لا نزال إلى اليوم نرى النقائش في الصحراء تصور جمالين من أحفاد الليبيين قد تسلحوا بالحراب و البنادق، و لا يظهر عليها مزارعو الواحات السود رغم أنهم يمثلون 80 % من سكان الصحراء!.. إن استدراك هذا الانحراف لا يعني بالضرورة إنكار المكون اللغوي أو الثقافي القديم عموما للمغرب (الذي تشارك في إنتاجه “أمازيغه” و “حراطينه”، و الذي بسبب ذلك نصر على تسميته بكلمة “البربري” الأقرب للحياد منذ تاريخنا الوسيط، مع ضرورة الاحتفاظ بالأسماء المحلية من قبيل “تشلحيت” مثلا)، بل يتطلب شجاعة نقدية لمراجعة المفاهيم وكشف حمولاتها العرقية، ومن ثم تجاوزها إلى مفاهيم جامعة. يجب إذن الانتقال من خطاب “الأحادية العرقية” إلى مفهوم “المواطنة الجامعة”، حيث تكون الأرض ملكاً لكل من يعْمُرها ويبنيها، وحيث تُصان الكرامة الإنسانية بعيداً عن أوهام الاصطفاء والنقاء العرقيين أو المظلوميات المنتقاة. إن الإنصاف الحقيقي لا يكون بتغيير مواقع الضحية والجاني، كما لن يكون باستبدال سردية عرقية بأخرى أو المطالبة بقلب الهرم، بل بتفكيك البنية الفكرية التي أنتجت التمييز أصلاً؛ فتاريخ بلاد المغرب كان دوماً ثمرة تفاعل خَلّاق بين مختلف الأعراق والألوان، والتنكر لهذه الحقيقة هو استمرار في نفس جناية “التمييز العنصري” التي ندعي جميعاً محاربتها. The post قصة تبييض كلمة… appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

14 − ten =

Check Also

نقابة صحية بأزيلال تندد بـ”مؤامرة” لطرد ممرض من سكنه الوظيفي

كشفت الجامعة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل بأزيلال العمق المغربيمص…