قلقُ مدريد

إلى أي مدى يقلق مدريدَ تناميُ النفوذ الجيوسياسي للمغرب، المدعوم بشراكته الاستراتيجية مع واشنطن؟ تُظهر دراسة حديثة صادرة عن المعهد الملكي إلكانو للدراسات الدولية والاستراتيجية، إلى جانب مقال للكاتب المغربي عبد القادر الشاوي في صحيفة “العربي الجديد”، أن تنامي الشراكة بين المغرب والولايات المتحدة يطرح على مدريد سؤالًا يتجاوز العلاقات الثنائية، ليتعلق بمكانة كلٍّ من المغرب وإسبانيا في الاستراتيجية الأمريكية. لم تعد العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة تقتصر على التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب والتبادل التجاري. فقد نسجت الرباط وواشنطن، خلال العقود الأخيرة، شراكة استراتيجية تشمل الأمن والدفاع والتجارة والاستثمار والدبلوماسية والتعاون الإقليمي. وقد جعل هذا التطور من المغرب شريكًا مهمًا للولايات المتحدة في غرب البحر الأبيض المتوسط، والمجال الأطلسي الإفريقي، ومنطقة الساحل، وشمال إفريقيا. ويؤثر هذا التحول بصورة مباشرة في إسبانيا. فالمسألة لا تتعلق بإحلال المغرب محل إسبانيا بوصفه شريكًا لواشنطن، إذ يؤدي البلدان أدوارًا مختلفة ومتكاملة. غير أن تعزيز مكانة الرباط يغيّر البيئة الاستراتيجية التي يتعين على مدريد الدفاع ضمنها عن مصالحها. ولذلك، لا تكمن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى إسبانيا في صعود المغرب فحسب، بل أيضًا في احتمال تراجع قدرتها على التأثير في الأجندة الأمريكية المتعلقة بالمغرب العربي ومنطقة الساحل. غير أن هذه المسألة تستدعي توضيحًا أساسيًا: ماذا يعني الحديث عن المغرب باعتباره «قوة إقليمية»؟ من العلاقة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية تتمتع العلاقة بين واشنطن والرباط بعمق تاريخي استثنائي. فقد كان المغرب من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال الولايات المتحدة، ويرتبط البلدان منذ عام 1786 بمعاهدة سلام وصداقة. وخلال القرن العشرين، ولا سيما بعد استقلال المغرب عام 1956، اكتسبت هذه العلاقة بُعدًا استراتيجيًا ارتبط بالحرب الباردة، وأمن البحر الأبيض المتوسط، والموقع الجغرافي للمملكة. ومع بداية القرن الحادي والعشرين، أسهمت هجمات 11 سبتمبر 2001 وتفجيرات الدار البيضاء عام 2003 في تعزيز التعاون بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب. ثم امتدت العلاقة إلى التجارة والدفاع والتعاون العسكري. وقد رسّخت اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2006، وتصنيف المغرب عام 2004 حليفًا رئيسيًا من خارج حلف شمال الأطلسي (Major Non-NATO Ally)، ركيزتين أساسيتين لهذه الشراكة: الاندماج الاقتصادي والتعاون الاستراتيجي. وشهد هذا المسار نقلة نوعية خلال إدارة دونالد ترامب. ففي ديسمبر 2020، اعترفت واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، في سياق تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل. وحافظت إدارة جو بايدن لاحقًا على هذا الاعتراف، فيما عززت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض هذا التوجه. وفي أبريل 2025، وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بأنه الحل الوحيد القابل للتطبيق، وطرح خطة الحكم الذاتي التي تقدمت بها الرباط إطارًا للمفاوضات. وخلال عام 2026، واصل هذا الموقف الأمريكي اكتساب مزيد من الأهمية في العلاقات الثنائية. وهكذا، أصبحت قضية الصحراء بالنسبة إلى الرباط أكثر من مجرد ملف إقليمي أو نزاع على الأراضي؛ إذ تحولت إلى محور تنتظم حوله نسبة كبيرة من دبلوماسيتها الدولية. الصحراء أداةً لتعزيز الحضور الدولي نجحت الدبلوماسية المغربية تدريجيًا في ربط قضية الصحراء بأبعاد أخرى تحظى باهتمام القوى الكبرى، من قبيل الأمن والاستقرار الإقليمي والاستثمارات والبنية التحتية والطاقة والتجارة والتعاون مع إفريقيا. ومن هذا المنظور، تتجاوز استراتيجية الرباط مجرد السعي إلى حشد التأييد الدبلوماسي، لتستهدف إحداث تحول تدريجي في الطريقة التي يُنظر بها إلى النزاع؛ وذلك بالانتقال من مقاربة تتمحور حول تقرير المصير وإنهاء الاستعمار إلى مقاربة تركز على السيادة والتنمية والاستقرار والأمن الإقليمي. وتفسر هذه الاستراتيجية أيضًا الأهمية التي تُمنح للاستثمارات ومشاريع البنية التحتية في الأراضي التي يديرها المغرب، فضلًا عن واجهته الأطلسية وصلاته بدول منطقة الساحل. غير أن هذا البعد الدبلوماسي لا يمكن تحليله بمعزل عن بقية الأبعاد. وكما يشير مقال عبد القادر الشاوي، تندرج قضية الصحراء ضمن استراتيجية أوسع تتداخل فيها الدبلوماسية والاستثمارات الاقتصادية والضغوط السياسية، في إطار منطق يرمي إلى الدفاع عن المصلحة الوطنية. ومن ثم، ينبغي فهم الحضور الدولي للمغرب بوصفه سياسةً للتموقع الخارجي، وفي الوقت نفسه استراتيجيةً تهدف إلى ترسيخ أهدافه الوطنية. المغرب والسعي إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية يُعدّ تنويع العلاقات الخارجية أحد أبرز سمات السياسة الخارجية المغربية المعاصرة. فالرباط تحافظ على شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها تعمل أيضًا على تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والصين ودول الخليج وإسرائيل والبلدان الإفريقية. وتساعد هذه السياسة المغرب على تفادي الاعتماد على شريك دولي واحد. ومع ذلك، تحتل العلاقة مع واشنطن مكانة خاصة؛ إذ توفر الولايات المتحدة للمغرب دعمًا دبلوماسيًا وتعاونًا عسكريًا وإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا والمعدات، فضلًا عن المناورات المشتركة وقنوات التواصل المتميزة في مجال الأمن الإقليمي. وقد عززت مناورات “الأسد الإفريقي” (African Lion)، والتعاون في مكافحة الإرهاب، والاهتمام الأمريكي المتزايد بمنطقة الساحل، القيمة الاستراتيجية للمغرب. ويضاف إلى ذلك المشروع الأطلسي الرامي إلى تسهيل وصول الدول غير الساحلية في منطقة الساحل إلى المحيط الأطلسي. وهكذا، يسعى المغرب إلى تقديم نفسه باعتباره بلدًا قادرًا على الربط بين فضاءات جيوسياسية متعددة، تشمل أوروبا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وغرب إفريقيا ومنطقة الساحل والشرق الأوسط. ولعل هذه القدرة على الربط بين تلك المجالات تمثل أحد أهم عناصر الحضور الدولي المغربي الراهن. لكن، هل يُعدّ المغرب بالفعل «قوة إقليمية»؟ هنا تبرز مسألة تستدعي اعتماد منظور مختلف. فالحديث عن “قوة” المغرب لا يعني وجود إجماع واضح بشأن اعتباره قوة إقليمية. وكما يشير الشاوي، قد يكون هذا المفهوم تصورًا يصوغه صحفيون وسياسيون وناشطون وغيرهم من الفاعلين الذين يرون في بعض المشاريع الاقتصادية والقرارات الدبلوماسية والمواقف السياسية مؤشرات على تزايد الأهمية الإقليمية للمغرب. ومن هذا المنظور، لا ينبغي قياس القوة الإقليمية بمجرد عدد الاتفاقيات الدبلوماسية أو حجم الاستثمارات الخارجية أو مستوى الدعم الذي تقدمه واشنطن. بل إن السؤال الجوهري يتمثل في الآتي: هل يمتلك المغرب بنية اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية قادرة على ضمان استدامة الحضور الدولي الذي يسعى إلى تحقيقه على المدى الطويل؟ يسلط الشاوي الضوء تحديدًا على التوتر القائم بين صورة المغرب باعتباره «قوة إقليمية مؤثرة» وبين القيود البنيوية التي يعاني منها اقتصاده ومجتمعه. ويحدد تحليله ثلاثة أبعاد لبناء هذا التصور عن القوة في الخطاب: البعد السياسي، والبعد الاقتصادي، والبعد الأيديولوجي. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال القوة الإقليمية في مجرد القدرة على التأثير الدبلوماسي في بعض الملفات أو الساحات. فهي تتطلب أيضًا اقتصادًا قويًا بما يكفي، ومجتمعًا قادرًا على تحقيق الرفاه، ومؤسسات تستطيع ضمان التنمية على المدى الطويل. ويطرح نص الشاوي هذه المسألة بوضوح حين يربط صفة القوة الإقليمية بوجود اقتصاد متطور، ومجتمع مزدهر، ودولة تقوم على المؤسسات والحقوق والقانون. البعد الاقتصادي: عناصر القوة ومكامن الهشاشة ينطوي الحضور الجيوسياسي المغربي، بناءً على ما سبق، على مفارقة واضحة. فمن جهة، طوّر المغرب قطاعات صناعية تنافسية، واستقطب الاستثمارات الأجنبية، ووسّع بنيته التحتية، وأصبح منصة للإنتاج قريبة من السوق الأوروبية، مع إمكانية الوصول إلى عدد كبير من الأسواق الإفريقية. كما أسهم اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة في توسيع المبادلات التجارية الثنائية وتشجيع حضور الشركات الأمريكية في قطاعات مثل صناعة الطيران والسيارات والطاقة والصناعات التحويلية. ومن جهة أخرى، لا تزال هناك اختلالات بنيوية مهمة. ويؤكد نص الشاوي اعتماد القطاع الزراعي على الظروف المناخية، وعدم التوافق بين عرض فرص العمل والطلب عليها، وارتفاع بطالة الشباب، واستمرار التفاوتات الاجتماعية. ويكتسي هذا التناقض أهمية أساسية لفهم طبيعة القوة المغربية. فقد يعزز المغرب قدراته الدبلوماسية والعسكرية بوتيرة أسرع من وتيرة تحول بنيته الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، قد يتقدم حضوره الدولي بإيقاع يختلف عن إيقاع تنميته الداخلية. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين القدرة على التأثير الدولي والقوة البنيوية. فالأولى يمكن أن تتعزز من خلال التحالفات والدبلوماسية والاستثمار والتعاون العسكري والتموقع الاستراتيجي. أما الثانية، فتتطلب قاعدة اقتصادية وتكنولوجية واجتماعية ومؤسساتية أكثر صلابة. واشنطن والرباط والتوازن الجديد في المغرب العربي يسهم تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والمغرب أيضًا في تغيير التوازنات الإقليمية. فالجزائر تنظر إلى تنامي الدعم الأمريكي للرباط باعتباره عاملًا يؤثر في موازين القوى داخل المغرب العربي. وهكذا، يكتسب التنافس بين البلدين، المرتبط أصلًا بقوة بقضية الصحراء، بُعدًا دوليًا أكثر وضوحًا. ويطرح هذا التطور مشكلة خاصة بالنسبة إلى إسبانيا. إذ يتعين على مدريد الحفاظ على علاقات وثيقة مع المغرب لأسباب اقتصادية وهجرية وأمنية وجغرافية، في حين تحتاج، في الوقت نفسه، إلى علاقات مستقرة مع الجزائر، ولا سيما في مجالي الطاقة والأمن. وقد يؤدي تصاعد الاستقطاب بين الرباط والجزائر إلى تقليص هامش المناورة المتاح لإسبانيا. وبناءً على ذلك، تجد السياسة الإسبانية تجاه المغرب العربي نفسها أمام بيئة أكثر تعقيدًا: فالمغرب يعزز تعاونه مع واشنطن، والجزائر تحافظ على أهميتها في مجالي الطاقة والاستراتيجية، والولايات المتحدة توسع حضورها في القارة الإفريقية، بينما يظل الاتحاد الأوروبي الفضاء الاقتصادي الرئيسي للمغرب. سبتة ومليلية: الحد الإسباني في المعادلة الجديدة تضفي قضية سبتة ومليلية بُعدًا بالغ الحساسية على هذه المعادلة. فدعم الولايات المتحدة للمغرب بشأن الصحراء الغربية لا يعني أن واشنطن تؤيد المطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية. ومع ذلك، فإن تنامي الوزن الاستراتيجي للرباط لدى واشنطن يجعل العلاقة الثلاثية بين إسبانيا والمغرب والولايات المتحدة أكثر أهمية بالنسبة إلى مدريد. ومع ذلك، تمتلك إسبانيا أوراقًا استراتيجية تحافظ على أهميتها بالنسبة إلى واشنطن، وفي مقدمتها عضويتها في كلٍّ من حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وموقعها الجغرافي، وقدرتها على التواصل مع بلدان المغرب العربي، فضلًا عن المنشآت العسكرية في روتا ومورون. لذلك، لا ينبغي طرح المسألة من منظور افتراض إحلال المغرب محل إسبانيا. بل إن السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع إسبانيا الحفاظ على مركزيتها الاستراتيجية في غرب البحر الأبيض المتوسط، في الوقت الذي يعزز فيه المغرب قدرته على التواصل المباشر مع واشنطن؟ العلاقة الثلاثية بين الولايات المتحدة والمغرب وإسرائيل يضيف التعاون بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل بُعدًا جديدًا إلى هذه المعادلة. فقد أتاح تطبيع العلاقات بين الرباط وتل أبيب تطوير الروابط في مجالات الدفاع والاستخبارات والتكنولوجيا والأمن. وبالنسبة إلى المغرب، يمثل هذا التعاون مصدرًا إضافيًا لتعزيز قدراته التكنولوجية والعسكرية. أما بالنسبة إلى واشنطن، فيسهم هذا التقارب في إدماج المغرب ضمن بنية إقليمية أوسع. وبالنسبة إلى إسبانيا، لا تتمثل النتيجة بالضرورة في وجود تهديد مباشر، بل في حدوث تحول في البيئة الاستراتيجية لغرب البحر الأبيض المتوسط. وتتمثل المسألة الأساسية في تحديد مدى تأثير هذا التعاون، على المدى المتوسط، في القدرات العسكرية المغربية وفي موازين القوى الاستراتيجية بمنطقة المغرب العربي. مكمن القلق الحقيقي لدى مدريد من هذا المنظور، يُعدّ القول إن» مدريد تخشى تنامي الوزن الإقليمي للمغرب« تبسيطًا مفرطًا للمسألة. فالمشكلة بالنسبة إلى إسبانيا لا تكمن بالضرورة في تحول المغرب إلى شريك مهم لواشنطن. كما لا يوجد تعارض حتمي بين المصالح الأمريكية في إسبانيا والمصالح الأمريكية في المغرب. فالبلدان يقدمان مقومات استراتيجية مختلفة. توفر إسبانيا للولايات المتحدة عضويتها في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وموقعها في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وبنيتها التحتية العسكرية، وقدرتها على التواصل والتنسيق مع أوروبا. أما المغرب، فيوفر موقعه في المغرب العربي، وانفتاحه على المحيط الأطلسي الإفريقي، وحضوره المتنامي في إفريقيا، وتعاونه في مكافحة الإرهاب، وقدرته على التواصل مع عدد من الفاعلين العرب والأفارقة. ومن منظور واشنطن، يمكن النظر إلى البلدين باعتبارهما شريكين متكاملين. لذلك، يكمن الخطر بالنسبة إلى مدريد في مكان آخر، وتحديدًا في احتمال فقدانها جزءًا من مركزيتها النسبية في بعض الملفات المتعلقة بشمال إفريقيا. فكلما ازدادت قدرة الرباط على تقديم نفسها مباشرة أمام واشنطن باعتبارها شريكًا لا غنى عنه في منطقة الساحل وغرب إفريقيا والأمن الأطلسي وسلاسل الإمداد الاستراتيجية، ازدادت قدرتها على التأثير في الإطار الجيوسياسي الذي يتعين على إسبانيا الدفاع ضمنه عن مصالحها. بين الحضور الخارجي والقيود الداخلية تقود هذه المسألة، في نهاية المطاف، إلى مفارقة أساسية. فالمغرب يوسع هامش تحركه الدولي، في الوقت الذي يواجه فيه تحديات داخلية مهمة. وقد نوّع دبلوماسيته، وعمّق علاقاته مع واشنطن، وعزز حضوره في إفريقيا، وطوّر تعاونه مع إسرائيل، وحصل موقفه بشأن الصحراء على دعم دولي متزايد. لكن الحضور الخارجي لا يؤدي تلقائيًا إلى إزالة مواطن الضعف الداخلية. وكما يحذر الشاوي، فإن بناء صورة المغرب باعتباره قوة إقليمية قد يتزامن مع استمرار مشكلات بنيوية في الاقتصاد والتشغيل والتفاوتات الاجتماعية والتنمية البشرية. ولذلك، ينبغي للنقاش حول صعود المغرب أن يتجنب موقفين متطرفين: أولهما اعتباره قوة إقليمية مكتملة الأركان، وثانيهما اختزال نفوذه الدولي في مجرد دعاية. فالواقع يبدو أكثر تعقيدًا. لقد عزز المغرب، بلا شك، قدرته على التأثير الدبلوماسي والاستراتيجي، غير أن هذا النفوذ يتعايش مع قيود بنيوية تؤثر في مسار تحوله إلى قوة إقليمية راسخة ومتكاملة. الخاتمة: هل نحن أمام قوة إقليمية قيد التشكل؟ يمر المغرب المعاصر، بناءً على ما سبق، بمرحلة تحول في موقعه الدولي. وتشكل علاقته بالولايات المتحدة إحدى الأدوات الرئيسية لهذا التحول. فقد أدى دعم واشنطن لخطة الحكم الذاتي المغربية بشأن الصحراء، والتعاون العسكري، والعلاقات مع إسرائيل، وتنامي الحضور في إفريقيا، وتوسع الروابط الاقتصادية، إلى تعزيز هامش المناورة المتاح للرباط بصورة ملموسة. لكن القوة الإقليمية لا تعتمد على دعم قوة كبرى وحده. إنها ترتبط أيضًا بالقدرة على تحويل النفوذ الدبلوماسي إلى تنمية اقتصادية مستدامة، ورفاه اجتماعي، وقدرات تكنولوجية، ومؤسسات راسخة. ومن المنظور الإسباني، يتمثل التحدي في الإقرار بأن البيئة الاستراتيجية للمغرب العربي تشهد تحولات متسارعة. ولا تستطيع إسبانيا منع تنامي الحضور الدولي للمغرب، لكنها تستطيع العمل على الحفاظ على مقوماتها الاستراتيجية وتعزيزها. وبناءً على ذلك، لا ينبغي أن يتمحور السؤال الأساسي بالنسبة إلى مدريد حول كيفية احتواء صعود المغرب، بل حول كيفية الحيلولة دون أن يؤدي تعزيز مكانة الرباط إلى تراجع نسبي للنفوذ الإسباني في واشنطن وأوروبا وغرب البحر الأبيض المتوسط. وفي الوقت نفسه، يتعين على المغرب مواجهة سؤال لا يقل أهمية: هل يمكن للنفوذ الدولي المتنامي أن يتحول إلى قوة إقليمية حقيقية، إذا لم يصاحبه تحول اقتصادي واجتماعي ومؤسساتي بالعمق نفسه؟ هنا يكمن الفارق بين القوة الإقليمية من حيث النفوذ الدبلوماسي والقوة الإقليمية بمعناها البنيوي. The post قلقُ مدريد appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مباحثات عسكرية مغربية أمريكية بمراكش لتعزيز التعاون الدفاعي
احتضنت فعاليات المعرض الدولي للطيران بمراكش 2026 مباحثات بين مسؤولين عسكريين مغاربة وأمريك…





