Home الصحافة المغربية كلمات في تصحيح القراءة المبتورة للسيرة والتاريخ

كلمات في تصحيح القراءة المبتورة للسيرة والتاريخ

كلمات في تصحيح القراءة المبتورة للسيرة والتاريخ

هوية بريس – عادل خزرون د.عادل خرزون الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وجعل العلم أمانة، والبيان مسؤولية، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فإن من حق الأمة على أهل العلم والبيان أن تُصان السيرة من الاختزال، وأن يُحفظ التاريخ من الوهم والتحريف؛ لأن الأمة إذا اضطرب وعيها بسيرة نبيها وتاريخها، اضطرب فهمها لدينها وهويتها. وقد وردت في كلمةٍ لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عبارتان تحتاجان إلى تصويب علمي وتاريخي، بعيدًا عن التشنج، وقريبًا من ميزان الإنصاف. أولًا: قوله إن «النبي بُعث هاديًا لا غازيًا» وهذه العبارة -وإن أُريد بها إبراز جانب الرحمة والهداية في سيرته ﷺ- فإنها من جهة المعنى ناقصة؛ لأنها تُوهم نفي جانبٍ ثابتٍ من رسالته، دلّ عليه القرآن والسنة والسيرة العملية. فالنبي ﷺ هادٍ بلا ريب، بل هو أعظم من هدى البشرية إلى ربها، لكن الله تعالى شرع له كذلك جهادَ من حارب الدعوة وصدَّ عن سبيل الله، فقال سبحانه: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}. وكان ﷺ يقود الغزوات بنفسه، ويبعث السرايا، ويقيم دولةً تحمي الدين والناس معًا. ولم يكن القتال في الإسلام غايةً مستقلة، وإنما كان وسيلةً لدفع العدوان، وحماية الدعوة، وكسر شوكة من يمنع الناس من سماع الحق. ولذلك جمع النبي ﷺ بين الرحمة والحزم، وبين الدعوة والجهاد، فلم يكن داعيةً منزوع القوة، ولا قائدًا منزوع الرحمة. ومن الخطأ أن تُقدَّم السيرة النبوية مبتورةً، فيُذكر منها جانب اللين وحده، أو جانب القتال وحده؛ لأن كمالها في اجتماع الأمرين. وقد قال أهل العلم إن الجهاد من شعائر الإسلام العظمى، به تُحمى الأمة وتُصان حريتها في إقامة الدين. إن اختزال السيرة في صورةٍ توافق الحساسية المعاصرة لا يخدم الحقيقة التاريخية، بل يورث أجيالًا تجهل طبيعة الرسالة التي جمعت بين البلاغ والتمكين، وبين الدعوة والدفاع. ثانيًا: قوله إن محبة المغاربة للنبي ﷺ بدأت بوفد رجراجة الأمازيغي وهذا القول لا يستند إلى ما تثبته المصادر التاريخية المعتمدة، بل إن قصة رجراجة من الروايات الشفوية المتأخرة التي لا وجود لها في كتب السيرة والتاريخ المؤسسة، كابن إسحاق وابن هشام والطبري وغيرهم. وفي تفاصيل الرواية اضطرابٌ ظاهر من جهة الزمن والأحداث، فضلًا عن غياب الإسناد التاريخي الذي تقوم به الحجة في مثل هذه الأخبار. أما الثابت تاريخيًا، فهو أن الإسلام دخل المغرب مع الفتوحات الإسلامية في القرن الأول الهجري، على يد عقبة بن نافع، ثم موسى بن نصير وطارق بن زياد، فدخلت قبائل المغرب في الإسلام، وتعاقبت الأجيال بعد ذلك على خدمة القرآن والعلم وبناء المساجد ونشر المذهب المالكي والارتباط العميق بسنة النبي ﷺ. ومن ثم فإن محبة المغاربة للنبي ﷺ ليست مرتبطة بقصة مخصوصة مختلفٍ في أصلها، وإنما هي جزءٌ من الهوية الدينية والحضارية التي تشكلت عبر قرون طويلة من العلم والعبادة والجهاد والعمران. ولا يصح تاريخيًا أن يُقدَّم الخبر الشفهي غير الموثق على الوقائع التي نقلها المؤرخون ودونتها المصادر المتعددة شرقًا وغربًا. ختاما نقول لكم: إن السيرة النبوية أمانة، والتاريخ أمانة، ومن حق الأمة أن يُقدَّم لها دينها كما هو، بلا بترٍ ولا تزييف، وبلا قراءة انتقائية تُخضع الثوابت لضغط اللحظة المعاصرة. فالنبي ﷺ هادٍ إلى الحق، ومجاهدٌ في سبيله، وقد جمع الله له بين كمال الرحمة وكمال القوة، ليقوم الدين وتُحمى الأمة. كما أن محبة المغاربة له ﷺ حقيقةٌ راسخة في تاريخ المغرب كله، لا تختزل في روايةٍ مختلفٍ في ثبوتها. وإن تجديد الخطاب لا يكون بحذف الحقائق، وإنما بحسن عرضها، وربط الناس بها ربطًا يقوم على العلم والصدق والإنصاف. فاللهم لطفك الخفي. The post كلمات في تصحيح القراءة المبتورة للسيرة والتاريخ appeared first on هوية بريس.

هوية بريسمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

12 − seven =

Check Also

مسخوط الوالدين يسرق ذهب والدته بقيمة 8 ملايين وهكذا سقط داخل فندق شعبي بمراكش

<p data-start=”31″ data-end=”279″>علمت “أخبارنا المغرب…