لغة الفقهاء بين فهمها والتجني عليها
لغة الفقهاء بين فهمها والتجني عليها هوية بريس – د. صلاح الدين المراكشي إنَّ من أدقِّ أبوابِ العلم الشرعي، وأعظمِها أثرًا في فهم كلام الأئمة، بابَ معرفة اصطلاحات الفقهاء، وما يُعرف عند أهل العلم بـ: “لغة الفقهاء”. فهذه اللغة ليست ألفاظًا عابرة تُفهم بمجرد ظاهرها اللغوي، بل هي مصطلحاتٌ علميةٌ لها دلالاتها الخاصة، وسياقاتها المعروفة عند أهل كل فن، كما أن للأطباء لغةً يفهمها أهل الطب، وللقانونيين اصطلاحاتٍ لا يُحسن فهمَها إلا المتخصصون في القانون، فكذلك الفقهاء والأصوليون والمحدثون والمفسرون. ومن هنا وقع الخلل عند كثيرٍ ممن يتصدَّر للكلام في مسائل العلم، وهو لم يُحسن بعدُ فهمَ عبارات العلماء، ولا فقهَ مناهجهم، ولا معرفةَ اصطلاحاتهم. فصار يقرأ كلام الأئمة قراءةً حرفيةً جامدة، ثم يبني عليها أحكامًا عظيمة : فينقل الإجماع حيث لا إجماع، ويخطِّئ العلماء حيث لا خطأ، ويظن الترجيح قطعًا وهو لا يفهم مراتب الألفاظ عند أهل المذهب. ومن أشهر الأمثلة على ذلك: عباراتُ نفي الخلاف، كقول الفقيه العالِم مثلاً : “لا أعلم خلافًا”، أو “لا نعلم فيه خلافًا”، فهذه العبارات ليست دائمًا في قوة قولهم: “أجمعوا”، أو “انعقد الإجماع”. لأن بين التعبيرين فرقًا ظاهرًا عند أهل العلم. فقد يكون مراد الفقيه العالِم بقوله: “لا أعلم خلافًا” مجردَ الإخبار عن حدود علمه واطلاعه، لا حكايةَ الإجماع الاصطلاحي المحتجِّ به! وقد يريد به نفيَ الخلاف داخل مذهبه فقط! أو بين طائفة مخصوصة من العلماء! أو بين المتقدمين دون المتأخرين! أو الاقتصار على الأقوال المشهورة التي اعتنى بها كتابه! أما نقل الإجماع الاصطلاحي فهو أمرٌ أعظم وأدق؛ لأنه إخبارٌ باتفاق مجتهدي الأمة، ولهذا كان الأئمة يتحرزون فيه غاية التحرز. ومن الخطأ البيِّن أن يجد بعضهم من عامة الناس أو المبتدئين في طلب العلم على المواقع من أصحاب الفتاوى الوعظية عبارةً للإمام النووي الشافعي، أو لابن عبد البر المالكي، أو لابن قدامة الحنبلي، أو غيرهم من أئمة الإسلام، فيها : “لا أعلم خلافًا”، ثم يحوِّلها هؤلاء إلى دعوى بقولهم: “وقد نقل فلانٌ الإجماع”! فإن هذا تحميلٌ لكلام العلماء ما لا يحتمله، وجهلٌ بطريقة أهل العلم في التعبير. ولهذا كان السلف وأهل التحقيق يعتنون عنايةً عظيمة بفهم اصطلاحات العلماء، لأن الكلمة الواحدة قد تختلف دلالتها من مذهب إلى آخر، بل ربما اختلف استعمال العالِم نفسه لها من كتابٍ إلى كتاب بحسب المقام والسياق. فمصطلحاتٌ مثل: “الأصح”، و“الصحيح”، و“الأظهر”، و“الراجح”، و“المعتمد”، و“المختار”، و“ما جرى به العمل”، و“الأحوط”، و“خلاف الأولى”، الخ ليست ألفاظًا مترادفة عند الفقهاء، بل لكل لفظ مرتبته ودلالته الخاصة في كل مذهب. وكذلك مصطلح “الكراهة” مثلًا؛ فإن جمهور الفقهاء يطلقونه ويريدون به التنزيه غالبًا، بينما فقهاء الحنفية يقسمونه إلى: كراهة تنزيه، وكراهة تحريم، وقد يريدون بالكراهة أحيانًا معنى التحريم نفسه. فمن جهل اصطلاح القوم أخطأ في فهم مرادهم، ثم أخطأ في نقل مذهبهم. ولهذا قيل بحق : “من لا يحسن لغة الفقهاء لا يحسن نقل كلام العلماء”. والمؤسف أنَّ بعض الناس اليوم يتجرأ على مناقشة الأئمة والاعتراض على الفقهاء، وهو لم يدرس اصطلاحاتهم، ولم يتأهل لفهم كلامهم، بل ربما لا يحسن قراءة آيةٍ من القرآن على وجهها، ويقع في اللحن الظاهر في كلامه وللآيات، فينصب الفاعل ويرفع المفعول، ثم يريد بعد ذلك أن يخوض في دقائق الإجماع والخلاف والترجيح والاستدراك على أهل العلم! وهذا من أعجب العجب؛ فإن العلوم لا تُنال بالدعاوى، ولا تُؤخذ بالجرأة وقلة الأدب، وإنما تُؤخذ بالتلقي، وطول المدارسة والممارسة، وفهم مناهج أهل الفن، ومعرفة اصطلاحاتهم. فكما لا يحق لمن جهل لغة الأطباء أن يتصدر لنقض تقاريرهم الطبية، ولا لمن جهل مصطلحات القانونيين أن يعترض على دقائق الأحكام القضائية؛ فكذلك لا يجوز لمن جهل لغة الفقهاء أن يقتحم أبواب الاجتهاد والترجيح، ثم يتهم العلماء بالتناقض أو الخطأ وهو لم يفهم أصل كلامهم. ومن أراد أن يناقش العلماء، أو ينقل مذاهبهم، أو يستدرك عليهم، فعليه أولًا أن يتعلم لغة القوم، ويفهم اصطلاحاتهم، ويدرك طرائقهم في التصنيف والاستدلال؛ فإنَّ فهم كلام العلماء فرعٌ عن فهم اصطلاحهم، ومن جهل الاصطلاح حُرمَ الفهم، ومن حُرم الفهم كثر خطؤه واضطرابه، وربما تجرأ على ما ليس له بأهل. ولهذا كان من تمام الأدب مع العلم وأهله: أن يعرف المرء قدر نفسه، وألا يخوض في مسائل الكبار قبل إحكام الأصول وفهم لسان أهل الفن؛ فإن العلم مراتب، ولكل علمٍ أهله ورجاله. نسأل الله الفقه في الدين، وحسن فهم كلام العلماء، والسلامة من الزلل والتجني. The post لغة الفقهاء بين فهمها والتجني عليها appeared first on هوية بريس.
المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا
زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…











