Home الصحافة المغربية مأزق «التنوير» الجديد: حيرة العقل الوضعي أمام “معجزة النبي الأمّي”

مأزق «التنوير» الجديد: حيرة العقل الوضعي أمام “معجزة النبي الأمّي”

مأزق «التنوير» الجديد: حيرة العقل الوضعي أمام “معجزة النبي الأمّي”

مأزق «التنوير» الجديد: حيرة العقل الوضعي أمام “معجزة النبي الأمّي” هوية بريس – الطاهر بكني لم تكن الدعاوى التي يروجها اليوم رموز التيار المسمّى بـ «التنويري» من أمثال السوري “فراس السواح” الذي يسعى في مشروعه إلى تصوير قصص الأنبياء وعقائد التوحيد كامتداد للأساطير السومرية والبابلية نازعا عنها صفة التنزيل الإلهي؛ والمصري “يوسف زيدان” الذي يركز على التشكيك في المقدسات والجغرافيا التاريخية كالمسجد الأقصى والطعن في كتب التراث والحديث؛ والمغربي “محمد الفايد” الذي يقدم نفسه «مجدداً» خارج المؤسسات الشرعية ليهاجم كتب السنة والفقهاء وأئمة المذاهب بدعوى انتهاء صلاحيتها التاريخية. ولا المنصات الحاضنة لهم كـ «مؤسسة تكوين» المتركز نشاطها الفعلي على زعزعة المسلمات وثوابت الشريعة ونزع القداسة عن السنة النبوية، أو «قناة مجتمع» المتخصصة في تفكيك السردية الإسلامية المجمع عليها وبث الشبهات حول أمية النبي ﷺ ومكان مكة ومصادر القرآن وتصوير التاريخ كصراع دموي مادي، إلا واجهة محلية تؤدي دورا وظيفيا مرسوما بعناية. إن هذه المنظومة بأسرها ليست سوى صدى متأخر واجترار ممسوخ لمخلفات «المدرسة التنقيحية» الاستشراقية التي انطلقت في سبعينيات القرن العشرين في كل من بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا، وتزعمها غلاة المستشرقين؛ كـ “جون وانبرو” الذي ادعى تبلور القرآن خارج الجزيرة العربية عبر قرنين من الزمان، و”باتريشيا كرون” و”مايكل كوك” في كتابهما «الهاجرية» بزعمهما نشأة الإسلام شمالا وتشكيكهما في جغرافية مكة ووثائقيتها، و”جيرالد هاوتينغ” بفرضيته حول بيئة الشرك؛ حيث عجز هؤلاء المستشرقون ومن اقتفى أثرهم عن تفسير المعجزة النبوية والزخم القرآني في قلب صحراء مكة الأمية، فلجؤوا إلى اختلاق جغرافيا وتاريخ بديلين لإسقاط الوحي الإلهي، وهو عين ما يعيد تدويره أدعياء التنوير اليوم بلباس الحداثة والتجديد. ورغم تغليف هذا الخطاب بمسوح «البحث الأكاديمي» وادعاء «حرية التفكير»، إلا أن القراءة النقدية الصارمة تكشف سريعا عن بنية معرفية هشة، واضطراب منهجي فاقع، وافتقار فاضح لأبسط قواعد التوثيق العلمي والنزاهة الفكرية. فالمنهج الذي يسلكه مروجو هذا التيار يقوم على الانتقائية الفجة؛ إذ يُسقطون التواتر التاريخي الشامل بدعوى التشكيك، ثم يعودون ليتشبثوا بروايات ساقطة أو تأويلات شاذة لبناء نظرياتهم الكبرى، مما يوقعهم في تناقضات مستمرة تفضح غياب المعيار العلمي الصارم لديهم. فما يُطرح اليوم في الفضاء الإعلامي والمنصات الرقمية العربية ليس نتاج «اجتهاد تنويري» مبتكر ولا يمثل إبداعا فكريا لأصحابه، بل هو مجرد نقل متأخر وتكرار مدروس لفرضيات المدرسة التنقيحية الغربية، بعد أن تجاوزها المجتمع الأكاديمي الغربي نفسه وتراجع عنها كثير من منظريها — وعلى رأسهم “باتريشيا كرون” و”مايكل كوك” اللذان تراجعا صراحة عن جوهر فرضيات كتاب «الهاجرية» — نظرا لافتقارها للأدلة المادية والأركيولوجية الصامدة، وثبوت تهافتها أمام معطيات النقوش والمخطوطات القرآنية المبكرة المكتشفة في الحجاز وشبه الجزيرة العربية. أولا: تفكيك المنظومة المغالطة.. من هم دعاة هذا الخطاب وما أدواتهم؟ 1-الاضطراب المنهجي والتقلب البهلواني: تتسم أطروحات هؤلاء بالتناقض الحاد؛ فتجدهم في مقام يطالبون المسلمين بعدم تصديق التراث المتواتر بدعوى «غياب الوثيقة المعاصرة للحدث»، وفي المقام ذاته يبنون أعتى فرضياتهم التشكيكية (كنفي مكان مكة أو التشكيك في أمية النبي ﷺ) على نصوص شاذة، أو تخمينات استشراقية، أو حتى روايات مبتورة لا سند لها. وحين يُحاصر أحدهم بالأدلة يراوغ مدعيا: «أنا مجرد ناقل أطرح تساؤلات»، ليتحول في برنامجه التالي إلى جازم بالباطل وداعٍ لنسف الثوابت ! وهذا الاضطراب المستمر تصديق لقوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [ سورة النساء: 82]. 2-التبعية الاستشراقية المبتذلة (الاستنساخ الأعمى): لم يقدم هذا التيار إضافة علمية واحدة، بل سرقوا أطروحات جون وانبرو وباتريشيا كرون وسبرنجر التي تزعم أن «الإسلام نتاج بيئة شمال الجزيرة (البتراء أو الشام)» وأن «النبي اقتبس من التوراة والإنجيل»، وترجموها إلى العربية بأسلوب إعلامي استعراضي سطحي لجذب المتابعين وإثارة الجدل. 3-ازدواجية المعايير والتدليس في التراث: يعمد رموز هذا التيار إلى إسقاط التراث الإسلامي جملة وتفصيلا بحجة «الرواية الشفهية»، ولكنهم يقتطعون من كتب التاريخ التراثية نفسها روايات ضعيفة وشاذة ويعاملونها كـ «حقائق مطلقة» إذا كانت تخدم أجندتهم في التشكيك والتشويه. ثانيا: الفضيحة العقلية في التشكيك بجغرافية مكة وأمية الرسول ﷺ إن جوهر طروحات هؤلاء المروجين يدور حول نفي أمية النبي ﷺ والتشكيك في بيئة مكة المكرمة، وهو ما يسقط تلقائيا أمام الحجة العقلية والتاريخية: -بيئة مكة الوثنية وانعدام مصادر التعلم: تجمع الأدلة التاريخية والأركيولوجية على أن مكة كانت واحة صحراوية معزولة، لا وجود فيها لأي مدرسة لاهوتية سريانية، ولا أحبار تلموديين، ولم تكن كتب اليهود والنصارى مترجمة إلى العربية آنذاك. فلو كان النبي ﷺ قد تعلم من غيره بمكة — كما يدعي المستشرقون وتلاميذهم كذبا بشأن صهيب أو بحيرا الراهب — لكان مشركو قريش الذين حاربوه بأقصى ما يملكون أول الفاضحين له. وقد كشف القرآن بهتانهم قديما حين قالوا إن غلاما يعلمه: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [ سورة النحل: 103]. -الأمية: الدليل القاطع على ربانية الوحي: إن نفي القراءة والكتابة عن رسول الله ﷺ قبل البعثة حقيقة قاطعة أثبتها القرآن صراحة: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [ سورة العنكبوت: 48]، وهنا يظهر مأزق هؤلاء المشككين: 1-إذا أقروا بأمية الرسول ووجوده في مكة الوثنية، استحال عليهم عقليا تفسير تدفق هذه العلوم التشريعية والتاريخية والغيوب الكبرى إلا بأنها وحي من السماء. 2-فلما استكبروا عن الإيمان بالوحي، لجؤوا إلى الشطط والخيال المفضوح بالقول: «لم يكن أمياً»، أو «كان مسيحياً»، أو «مكة مكان آخر»، ضاربين بعرض الحائط مئات الآلاف من الأسانيد والوقائع المتواترة جيلاً بعد جيل. -استحالة النقل عبر الرحلات التجارية: من التهافت العقلي الزعم بأن النبي ﷺ استقى كل هذا الزخم العقائدي والتاريخي المفصل من رحلات تجارة عابرة لبضعة أيام في الشام وهو تاجر يافع بين الجموع؛ فالقرآن لم ينقل أساطير كتب النصارى واليهود المحرفة، بل جاء مصححاً ومفنّداً لعقائدهم كالتثليث، وتأليه المسيح، وصلبه، وبنوة العزير، وافتراءات أسفارهم على الأنبياء. وكما بين المحققون (كالدكتور عبد الرحمن بدوي)، فإن افتراض معرفة النبي بهذه النصوص يقتضي امتلاكه لمكتبة لاهوتية هائلة وإتقانه للغات العبرية واليونانية والسريانية، وهو تخرص خيالي لا يقبله عاقل ولا يسنده التاريخ. ثالثا: تفكيك أبعاد المعركة وأساليب الهدم ومسارات الوقاية إن ما تضطلع به المنصات والمؤسسات المحسوبة على هذا التيار ليس مجرد اجتهادات عابرة، بل هو تحرك منظم يستهدف تفريغ الإسلام من محتواه العقائدي والتشريعي والتاريخي عبر ثلاثة محاور رئيسية، تستلزم فهما عميقا لآليات عملها وسبل مواجهتها: 1-التشكيك في القرآن الكريم ونزع صفة القداسة والوحي عنه يسعى هذا الخطاب إلى «أنسنة» القرآن الكريم عبر نزع صفة الوحي الإلهي المباشر عنه، وتحويله من كلام الله المنزل بلفظه ومعناه إلى «منتج ثقافي» أو «تجربة روحية ذاتية» خاضعة لظروف البيئة والزمان. ويزعمون أنه تأثر بالثقافات السريانية واليهودية والمسيحية المحيطة، محاولين إخضاع النص القرآني لمناهج النقد التاريخي التي طُبقت على الكتب المحرفة في الغرب. وذلك بهدف إسقاط حجية القرآن التشريعية، وجعل أحكامه القطعية في العقائد والأخلاق والمعاملات مجرد تقاليد بشرية تاريخية لا تلزم الأجيال اللاحقة. -كيفية الوقاية والمواجهة: ترسيخ دلائل النبوة والإعجاز: إبراز أوجه الإعجاز البياني، والتشريعي، والغيبي، والتاريخي؛ كاشفين استحالة صدور هذه الحقائق المعجزة عن رجل أمّي في قلب صحراء وثنية لا وجود فيها لمدارس كتابية أو لاهوتية. بيان تواتر النص القرآني: تدريس تاريخ جمع القرآن الكريم وحفظه الاستثنائي عبر التواتر الشفهي والمخطوطات القطعية جيلاً بعد جيل، مما يميزه عن سائر كتب الأرض. تفكيك المقارنات المغلوطة: توضيح الفارق الجوهري بين القرآن وكتب أهل الكتاب؛ فالقرآن جاء مهيمناً ومصححاً لعقائدهم ومفنّداً لانحرافاتهم، وليس نقلاً أو استنساخاً عنها. 2-الطعن الممنهج في السنة النبوية ورواتها لعزل الأمة عن التطبيق العملي يستهدف هذا المسار إسقاط حجية السنة النبوية الشريفة عبر مسلكين متكاملين: 1-الطعن في النقلة وحملة الوحي: والتركيز على مكثري الرواية كأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وابن شهاب الزهري، ومحاولة الطعن في عدالة الصحابة والتابعين. 2-الترويج لدعوى “تأخر التدوين”: وافتراء أن الأحاديث صناعة سياسية واجتماعية ظهرت في القرنين الثاني والثالث الهجريين لخدمة صراعات السلطة، وهي الشبهة التي قادها المستشرقان “إيغناتس غولد تسيهر” و”جوزيف شاخت” ورددها أتباعهم دون وعي. والغاية من ذلك هو عزل القرآن عن بيانه وتفصيله؛ فإذا أُسقطت السنة تعطلت الصلاة والزكاة والصيام وسائر أحكام الشريعة ومقاصدها، وتحول الدين إلى نصوص فضفاضة يفسرها كل ملحد ومبتدع بهواه. -كيفية الوقاية والمواجهة: 1-نشر علوم مصطلح الحديث والجرح والتعديل: إبراز عبقرية المنهج النقدي عند المحدثين، والذي يعد أدق نظام توثيقي عرفته البشرية لتمحيص الأسانيد والمتون وكشف الوضاعين والمصحفين. 2-إثبات التدوين المبكر للحديث: دحض أسطورة “تأخر التدوين” بالأدلة والبراهين على وجود الصحف المكتوبة في عصر الصحابة وكبار التابعين (مثل صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص وصحيفة همام بن منبه). 3-بيان التلازم العقلي والشرعي بين القرآن والسنة: التأكيد على أن الطاعن في السنة طاعن بالضرورة في القرآن؛ إذ إن الطريق والرجال الذين نقلوا إلينا القرآن هم ذاتهم الذين نقلوا إلينا السنن والآثار. 3.تفكيك التاريخ الإسلامي وتصويره كسلسلة من المؤامرات والمادية المجردة يقوم هؤلاء بتطبيق القراءة «المادية الجدلية» و«النفسية المشوهة» على التاريخ الإسلامي؛ فيصورون الفتوحات الإسلامية كحملات استعمارية طلباً للغنائم، ومعارك الصدر الأول وتأسيس الدولة كصراعات قبلية على السلطة والملك، ويضخمون الفتن والأحداث الخلافية معتمدين على الروايات الساقطة والمتروكة في كتب الأدب والتواريخ المجمعة دون تمحيص نقدي. وذلك بغاية قطع الجذور النفسية والحضارية للأمة، وخلق شعور بالخزي والانسلاخ من الهوية التاريخية، وتدمير القدوات الكبرى في نفوس الأجيال (كالصحابة، والفاتحين، والعلماء) لتسهيل استلابها الفكري والتغريبي. -كيفية الوقاية والمواجهة: -اعتماد منهج النقد الإسنادي في قراءة التاريخ: التمييز بين كتب التاريخ التي جمعت الغث والسمين وكتب الرواية الصحيحة، وعدم قبول الروايات التاريخية الشاذة التي تخالف العدالة والوقائع الثابتة. -إبراز الطابع الحضاري والقيمي للفتوحات: تسليط الضوء على الأثر الإنساني والعدلي للفتوح الإسلامية التي حررت الشعوب من استبداد الإمبراطوريات الرومانية والفارسية ونشرت التوحيد والعلم. فضح الانتقائية والازدواجية: تبيان كيف يعتمد المشككون على الإشاعات والخرافات لتشويه التاريخ الإسلامي، بينما يتعاملون بتقديس غير نقدي مع نصوص وتاريخ الحضارات الأخرى. خلاصة إن التحصين الفكري الفعّال ضد موجات التشكيك يتطلب عملاً مؤسسياً ومعرفياً مستمراً يقوم على: 1-بناء المناعة العقدية والفكرية: عبر تعزيز مقررات العقيدة، وأصول الفقه، ودلائل النبوة بأسلوب عصري يخاطب تساؤلات الشباب ويزيل الشبهات الرائجة. 2-المبادرة الإعلامية والرقمية: صناعة محتوى إعلامي وفكري جذاب يفضح أصول هذه الأطروحات التغريبية واستنساخها عن المستشرقين، واستخدام المنصات الرقمية لتقديم الردود الموثقة بأسلوب علمي رشيق. 3-تجريد الخطاب التنويري المزعوم من دعوى “العلمية”: وإظهاره على حقيقته كخطاب أيديولوجي سطحي مجرد من أدوات التحقيق الرصين، تحركه التبعية وشهوة إثارة الجدل. The post مأزق «التنوير» الجديد: حيرة العقل الوضعي أمام “معجزة النبي الأمّي” appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

4 × two =

Check Also

عميد “إيركام” يترقب تفعيل الحكومة الجديدة للطابع الرسمي للأمازيغية

قال أحمد بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إن “تخليد الذكرى الفضية لخطاب صاحب …