مأساة التعليم على لسان وزيره
هوية بريس – عبد المولى المروري «باش التلميذ يفهم كيفاش خاصو يدير باش يفهم كيفاش يدير» هذه العبارة تكاد تصلح وحدها كنصٍّ كامل لتحليل يجمع بين المنطق، وعلم النفس، والسوسيولوجيا، والسخرية السوداء… لأنها ليست مجرد جملة مضطربة، بل نموذج مكثف لما يمكن تسميته: “اللغة التي تدور حول نفسها حتى تسقط”. فالوزير المحترم عندما يقول: «باش التلميذ يفهم كيفاش خاصو يدير باش يفهم كيفاش يدير» فإنه لا يعبر إلا على المستوى المأساوي الذي وصل إليه التعليم بالمغرب، ولو حاولنا تفكيك هذه العبارة منطقيًا، سنجد أننا أمام دائرة مغلقة تشبه المتاهة.. وهي المتاهة نفسها التي يوجد فيها التعليم.. لنحوّل الجملة إلى بنية منطقية مبسطة: الوزير يريد أن يقول: هناك طريقة اسمها “النمذجة” تساعد التلميذ على الفهم.. لكن بدل شرح “كيف” تعمل النمذجة، قال: “يفهم كيفاش يدير باش يفهم كيفاش يدير”.. أي أن: الفهم أصبح مشروطًا بالفهم نفسه!! والقيام بالفعل مشروطًا بمعرفة القيام بالفعل!! والتفسير عاد إلى النقطة نفسها دون أي إضافة معرفية، وهذا يشبه منطقيًا أن تقول لشخص: “لكي تتعلم السباحة يجب أن تعرف كيف تسبح.” أو “لكي تفهم الرياضيات يجب أن تكون فاهمًا للرياضيات.” أو “كيف نعلّم التلميذ؟ بأن نعلّمه كيف يتعلم التعليم.”!!! وهنا يحاول الوزير أن يقول: نعطي للتلميذ أدوات الفهم كي يتعلم وحده الطريقة الجيدة ليفهم كيف يجب أن يتعلم… أي إننا أمام تعريف يفسّر الشيء بنفسه…!! وفي المنطق يسمى هذا الدور المنطقي، أي إن الفكرة لا تتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. من جهة أخرى، العبارة تكاد تشبه بعض النكات الفلسفية العبثية.. فلو أخذناها بجدية مطلقة، سنصل إلى نتائج مذهلة: التلميذ: “كيف سأفهم؟” الوزارة: “يجب أن تفهم كيف ستفهم”. التلميذ: “وكيف أفهم كيف سأفهم؟” الوزارة: “عبر النمذجة”. التلميذ: “وما هي النمذجة؟” الوزارة: “هي أن تفهم كيف تدير لكي تفهم كيف تدير”. وهنا يدخل التلميذ في دوار معرفي (الدوخة)، ثم انهيار عصبي، ثم ربما يقرر الهجرة إلى التكوين المهني في سن مبكرة. والعبارة تكشف كذلك ظاهرة معروفة في علم النفس المعرفي: «وَهْمُ الفهم»، أي إن الإنسان أحيانًا يشعر بأنه يقول شيئًا عميقًا فقط لأن الجملة تحتوي على مصطلح تقني، وتكرار لغوي، وتركيب معقد.. بينما هي في الحقيقة فارغة معرفيًا. ولهذا نجد بعض الخطابات الإدارية والتربوية الحديثة مليئة بعبارات مثل “إرساء دينامية تشاركية مندمجة”.. “تنزيل المقاربات المندمجة”.. “تفعيل آليات التمكين البيداغوجي”.. “النمذجة من أجل التمثل الوظيفي”، وهي جمل تمنحك انطباعًا أنك أمام مشروع نووي أو فضائي… بينما قد لا تقول شيئًا محددًا أو ذا قيمة أصلًا. والعبارة تكشف أيضًا تحوّل التعليم إلى “بيروقراطية لغوية”.. أي إن المؤسسة لم تعد تنتج معرفة بقدر ما تنتج مصطلحات، وتقارير، وعروض بالشرائح PowerPoint، وكلمات متضخمة، وشعارات فضفاضة.. حتى أصبح بعض المسؤولين يتحدثون وكأنهم يشرحون الكون ومعادلاته المعقدة، بينما هم فقط يحاولون تفسير درس بسيط. ولهذا يشعر المواطن أحيانًا أن اللغة الرسمية للتعليم لم تعد تشبه لغة البشر، بل لغة كائنات فضائية قادمة من عالم الطلاسم الفكرية.. المفارقة أن الوزير كان يتحدث عن: “الفهم”، لكن الجملة نفسها تحتاج إلى مترجم لغوي، ومحلل منطقي، وخبير في تفكيك الخطاب، وربما طبيب نفسي تربوي، من أجل فهمها على النحو الذي يريده السيد الوزير.. وهنا تتحول العبارة إلى مفارقة عبثية ذلك أن المسؤول عن تبسيط التعليم… أنتج جملة مضطربة لغوية مختلة مفاهيميا تحتاج إلى درس لتفسيرها. ربما يمكن اختصار الأزمة كلها في المشهد التالي: التلميذ: “أستاذ، لم أفهم الدرس”. الأستاذ: “لا مشكلة… الوزارة نفسها لم تفهم كيف تشرح لك كيف تفهم”. والخلاصة أن التعليم بالمغرب انتقل من مرحلة الأزمة إلى عمق المأساة.. The post مأساة التعليم على لسان وزيره appeared first on هوية بريس.
المغرب في “إفريقيا إلى الأمام”
The post المغرب في “إفريقيا إلى الأمام” appeared first on Hespress – هسب…








