Home الصحافة المغربية مالي الدولة الممزقة بين جغرافيا الصحراء وإرث الاستعمار وصراع النفوذ الدولي

مالي الدولة الممزقة بين جغرافيا الصحراء وإرث الاستعمار وصراع النفوذ الدولي

مالي الدولة الممزقة بين جغرافيا الصحراء وإرث الاستعمار وصراع النفوذ الدولي

مالي الدولة الممزقة بين جغرافيا الصحراء وإرث الاستعمار وصراع النفوذ الدولي هوية بريس – فرج كُندي ليست أزمة مالي مجرد نزاع أمني عابر، ولا تمرداً انفصالياً محدوداً، ولا مجرد حرب ضد الجماعات المسلحة كما تحاول بعض السرديات الغربية اختزالها. إن ما يجري في مالي هو صورة مكثفة لأزمة الدولة الإفريقية الحديثة حين تُبنى فوق خرائط الاستعمار لا فوق حقائق الاجتماع، وحين تتحول الجغرافيا إلى عبء، والهوية إلى ساحة تنازع، والثروات إلى لعنة تستدعي التدخل الخارجي أكثر مما تنتج الاستقرار الداخلي. فالصراع في مالي ليس ابن اللحظة، بل هو تراكم تاريخي طويل من التهميش، والاختلال البنيوي، والانقسام الإثني، والتنافس الدولي، حتى أصبحت البلاد أقرب إلى فضاء مفتوح تتقاطع فيه حروب الداخل مع رهانات الخارج، وتتداخل فيه القبيلة مع الأيديولوجيا، والدين مع الاقتصاد، والانفصال مع الإرهاب، والسيادة مع الوصاية الأجنبية الجغرافيا بوصفها قدراً سياسياً تقع مالي في قلب الساحل الإفريقي، وهي واحدة من أكبر دول القارة مساحةً، لكن هذه المساحة الهائلة لم تتحول إلى مصدر قوة، بل إلى معضلة سيادية مزمنة. فالشمال المالي عبارة عن صحراء مترامية الأطراف، قليلة السكان، صعبة السيطرة، مفتوحة على الجزائر والنيجر وموريتانيا وليبيا. وهذه الطبيعة الجغرافية صنعت واقعاً شديد التعقيد؛ إذ لم تستطع الدولة المركزية في باماكو فرض سيطرة فعلية على المجال الصحراوي الشاسع، فتحول الشمال إلى فضاء هشّ تتداخل فيه شبكات التهريب والجماعات المسلحة، والحركات الانفصالية، الجماعات الجهادية، والمصالح الاستخباراتية الدولية. وهنا تظهر إحدى المعضلات الكبرى في إفريقيا ما بعد الاستعمار الدولة أكبر من قدرتها، وحدودها أوسع من إمكانياتها، وجغرافيتها تتجاوز قابليتها على الضبط والسيطرة. الجذور التاريخية للصراع: من إمبراطوريات الساحل إلى الدولة الاستعمارية لفهم أزمة مالي لا بد من العودة إلى التاريخ العميق للمنطقة. فقد كانت أراضي مالي جزءاً من إمبراطوريات إفريقية كبرى مثل: إمبراطورية مالي، وإمبراطورية صنغاي. وكانت المنطقة تمثل مركزاً تجارياً وحضارياً مهماً، خصوصاً مع مدن مثل تمبكتو، وغاو؛ غير أن الاستعمار الفرنسي أعاد تشكيل المجال السياسي وفق منطق مختلف تماماً. فحين فرضت سيطرتها على المنطقة، لم تبنِ دولة وطنية متماسكة، بل أنشأت حدوداً إدارية تخدم إدارة المستعمر لا توازنات المجتمع. وهنا بدأت الأزمة البنيوية: قبائل موزعة على حدود عدة دول جماعات عرقية مختلفة داخل دولة واحدة مركز جنوبي يهيمن على أطراف شمالية مهمشة وهو ما شكل الدولة المالية الحديثة وهي تحمل داخلها بذور الصراع. التركيبة الاجتماعية: فسيفساء الإثنيات والهويات تتكون مالي من تركيبة اجتماعية معقدة للغاية، أبرز مكوناتها: البامبارا؛ الفولاني؛ السنغاي؛ العرب الطوارق، وهنا يكمن أحد جذور الأزمة الأساسية؛ فالجنوب حيث الكثافة السكانية والسلطة السياسية، يختلف ثقافياً واجتماعياً عن الشمال الصحراوي ذي الطابع الطوارقي والعربي. لقد شعر الطوارق لعقود طويلة بأنهم مهمشون سياسياً مستبعدون اقتصادياً غير ممثلين داخل الدولة المركزية، ومن هنا بدأت سلسلة التمردات الطوارقية منذ ستينيات القرن الماضي، حيث تحولت العلاقة مع الدولة إلى علاقة شك متبادل وصراع دائم. الطوارق: من سؤال الهوية إلى مشروع الانفصال يشكل الطوارق أحد أهم مفاتيح فهم الأزمة المالية. فهم ليسوا مجرد جماعة إثنية، بل مجتمع صحراوي عابر للحدود، يمتد بين مالي، النيجر، الجزائر، ليبيا، وقد رأى كثير من الطوارق أن الدولة الوطنية الحديثة سلبتهم فضاءهم التقليدي، وحولتهم إلى أقلية داخل كيانات لا تعبر عنهم، ولهذا ظهرت حركات مثل الحركة الوطنية لتحرير أزواد التي طالبت بانفصال مالي تحت أسم ” أزواد”. لكن الأزمة تعقدت حين اختلطت الحركات القومية الطوارقية مع الجماعات الجهادية المسلحة، فتحول الشمال المالي إلى ساحة مزدوجة، نزعة انفصالية قومية، ومشروع جهادي عابر للحدود. صعود الجماعات الجهادية – انهيار الدولة وصعود الفراغ بعد سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا سنة 2011، عاد آلاف المقاتلين الطوارق المدججين بالسلاح إلى شمال مالي، فاختل ميزان القوة بشكل هائل، وهنا انفجرت الأزمة الكبرى سنة 2012. تمرد طوارقي واسع و انهيار الجيش المالي وانقلاب عسكري في باماكوا وسيطرة جماعات مسلحة على الشمال التي ابرزها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة أنصار الدين، وداعش في الصحراء الكبرى. وهنا دخلت الأزمة مرحلة جديدة؛ إذ لم تعد مجرد أزمة داخلية، بل تحولت إلى تهديد إقليمي ودولي. فرنسا – الحرب على الإرهاب أم إعادة إنتاج النفوذ؟ تدخلت فرنسا عسكرياً سنة 2013 عبر عملية سيرفال ثم لاحقاً عملية برخان، وبررت باريس تدخلها بمحاربة الإرهاب ومنع سقوط الدولة المالية لكن كثيراً من الأفارقة رأوا الأمر بصورة مختلفة. منها أن فرنسا لا تحارب الإرهاب فقط؛ بل تحافظ على مجال نفوذها التقليدي في الساحل الإفريقي؛ خصوصاً أن المنطقة غنية بـ: الموارد الطبيعية و الذهب واليورانيوم؛ بالإضافة إلى الموقع الجيوسياسي الحساس. روسيا وصعود فاغنر – انتقال النفوذ الدولي مع تصاعد السخط الشعبي ضد الوجود الفرنسي، بدأت مالي تتجه نحو شراكات جديدة، خصوصاً مع روسيا وهنا ظهر دور مجموعة فاغنر التي دخلت المشهد المالي بوصفها بديلاً أمنيا عن النفوذ الفرنسي ، وهكذا تحولت مالي إلى ساحة تنافس دولي فرنسا والغرب في مقابل روسيا والولايات المتحدة مع بعض الدول الافريقية، وأصبحت الحرب على الإرهاب غطاءً لصراع نفوذ عالمي جديد داخل الساحل الإفريقي الأزمة الحقيقية – فشل بناء الدولة رغم تعدد الفاعلين، يبقى جوهر الأزمة أعمق من الجماعات المسلحة أو التدخلات الخارجية؛ فالمعضلة الحقيقية في مالي هي غياب الدولة القادرة على دمج المجتمع داخل مشروع سياسي جامع. فالدولة هناك تعاني من ضعف المؤسسات وهشاشة الجيش وتفشي الفساد والفقر والتفاوت التنموي بين المناطق وغياب الثقة بين المركز والأطراف، ولهذا كلما ضعفت الدولة تمددت الجماعات المسلحة، وتحول التأثير الخارجي إلى جزء من معادلة الداخل. مالي كنموذج لأزمة إفريقيا الحديثة إن ما يجري في مالي ليس استثناءً، بل يكشف أزمة أوسع في إفريقيا دول بحدود استعمارية مجتمعات متعددة الهويات ثروات تجذب التدخل الخارجي نخب سياسية عاجزة عن بناء عقد وطني جامع وهنا تصبح الدولة مجرد هيكل هشّ فوق مجتمع متشظٍ، وتتحول السياسة إلى إدارة أزمات لا إلى صناعة استقرار. حين تتحول الدولة إلى ساحة صراع مفتوحة إن مأساة مالي تكمن في أنها أصبحت نقطة تقاطع لكل التناقضات من صراع الهوية وهشاشة الدولة إلى الفقر والتهميش وتفشي الإرهاب، و ازدياد التدخل الدولي والتنافس الجيوسياسي. ولذلك فإن الأزمة هناك ليست أزمة أمنية فقط؛ بل أزمة بنية كاملة؛ فحين تفشل الدولة في إنتاج معنى جامع للمجتمع يصبح السلاح بديلاً عن السياسة، والقبيلة بديلاً عن الوطن، والخارج بديلاً عن السيادة، وهكذا تتحول البلاد من دولة تبحث عن الاستقرار إلى ساحة تتصارع فوقها القوى المحلية والإقليمية والدولية، بينما يبقى المجتمع المالي نفسه هو الخاسر الأكبر في معركة لم يعد يملك السيطرة على مسارها. The post مالي الدولة الممزقة بين جغرافيا الصحراء وإرث الاستعمار وصراع النفوذ الدولي appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

8 − seven =

Check Also

المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا

زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…