Home الصحافة المغربية ما الذي جعل سبتة تبدو في أعينهم طوق نجاة؟!

ما الذي جعل سبتة تبدو في أعينهم طوق نجاة؟!

ما الذي جعل سبتة تبدو في أعينهم طوق نجاة؟!

ما الذي جعل سبتة تبدو في أعينهم طوق نجاة؟! هوية بريس – نبيل غزال لم تكن المشاهد القادمة من سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة مجرد خبر عن موجة جديدة من الهجرة غير النظامية، ولا مجرد أرقام تتحدث عن حوالي 60 ألف شخص خاطروا بحياتهم للوصول إلى الضفة الأخرى. الصور كانت أقسى من ذلك بكثير، شباب ونساء وأطفال وأسر وحتى كبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة، يركضون نحو المدينة المحتلة، وبعضهم يسبح في البحر، وسط حالة من الفرح والانفعال تطرح كثيرا من التساؤلات. عدد من المتابعين للمشهد تساءلوا بعفوية: ما الذي جعل سبتة تبدو في أعين هؤلاء طوق نجاة؟ ليجيب بعضهم بشكل تلقائي: “بغاو يضبّروا على راسهم راه مكايْن ميْدار”.. المفارقة أن هذا يقال ويحدث في بلد قطع خلال السنوات الأخيرة أشواطا كبيرة في البنية التحتية، والطرق والموانئ والمطارات، والصناعة والفلاحة والطاقة، والاستثمار والسياحة، والتحول الرقمي، ونجح في استقطاب مشاريع صناعية كبرى. لكن يبدو أن التنمية لا تُقاس بالأوراش المفتوحة، والمشاريع الكبرى لا تكون ذات جدوى إذا لم يصل نفعها إلى المواطن البسيط والمسحوق تحت رحَى التضخم والغلاء. لقد جاءت مشاهد سبتة لتكشف أن هناك أزمة كبيرة على مستوى القيم، وأن جزء من الشباب لم يعد يرى مستقبله داخل وطنه، مهما كانت حقيقة المؤشرات الاقتصادية والتنموية، ولا يقتصر الأمر على من وثقتهم عدسات الكاميرات فعدد من حاملي الشهادات وفي مختلف التخصصات لديهم ذات الفكرة. ولعل تصريحات الحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، حول وجود فرص شغل في تارودانت بأجر يصل إلى 400 درهم لنصف يوم، وتصريحات فاطمة المنصوري وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بأن أغلب الشباب أقل من 30 سنة يملكون منزلا بفضل دعم الحكومة.. تكشف بشكل جلي وواضح جانبا من الأزمة. فحين يسمع الشاب العاطل خطابا يتحدث عن السَّكن وفرص الشغل بأرقام بعيدة تماما عن الواقع، يتأكد لديه أن الفاعل السياسي يكذب بكل وقاحة أو يعيش في جزر معزولة عن المجتمع تماما. والمشكلة الأعمق ليست في تصريح مسؤول سياسي واحد أو اثنين، وإنما في فجوة تتسع دائرتها بين الخطاب الحكومي والواقع الذي يعيشه جزء كبير من المغاربة. وإذا كانت المندوبية السامية للتخطيط قد سبق أن دقت ناقوس الخطر بشأن 1.5 مليون شاب مغربي (بين 15 و24 سنة) لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون تكوينا، والذين يشار إليهم اختصارا بـ”NEET”، فإن القضية تتجاوز البطالة بمعناها التقليدي لما هو أخطر من ذلك بكثير. وإزاء وضع كهذا تتحمل عدد من المؤسسات مسؤوليات جسيمة، فالسياسة التعليمية والمقررات الدراسية التي يفترض أن تبني الإنسان هوية وفكرا وسلوكا، تبدو عاجزة عن أداء هذا الدور بالفاعلية المطلوبة.. كما أن الإعلام، الرسمي وغير الرسمي، تحول جزء كبير منه إلى إعلام مأجور، يبالغ في التطبيل كما يبالغ آخرون في السوداوية، فيفقد بذلك المواطن القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية. وهناك أيضا الخطاب السياسي المقزز والمستفز، الذي لا يساعد على بناء جسور الثقة، فيشعر المواطن أن مشاكله يتم اختزالها في كونه هو من يتحمل كل المسؤولية، ويرفض الاعتراف بالإنجازات وفرص الشغل المتاحة. ثم هناك ظاهرة أخطر تتمثل في تراجع التأطير الديني والثقافي والاجتماعي. فقد تراجع بشكل كبير دور المساجد التي كان تؤدي فيها وظيفة تربوية وتأطيرية، بينما انتقل جزء كبير من تشكيل وعي الشباب إلى شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يجد الشاب مؤثرين يتحدثون خارج التاريخ وخارج السياق، كما يجد في المقابل نماذج حياة مصطنعة تعرض له أوروبا باعتبارها جنة مفتوحة. وبين هذا وذاك، أصبحت سياسة الإلهاء بالتفاهة والمهرجانات والاستهلاك عاجزة عن تقديم جواب عن سؤال المستقبل والحاجات البشرية الأساسية. فالشاب لا يحتاج فقط إلى حفلة موسيقية أو سهرة ماجنة أو محتوى ترفيهي ليلبي حاجاته؛ إنه يحتاج إلى فرص عمل ومشروع ينخرط فيه، وشعور بالانتماء إلى أرضه ووطنه. ولا يمكن في هذا السياق تجاهل ظواهر اقتصادية واجتماعية أخرى، من بينها شبكات “الفراقشية” والاقتصاد غير المهيكل، وما تخلقه من إحساس بأن النجاح أصبح مرتبطا بالتحايل والوساطة والريع، بينما يشعر المجتهد بأنه سينتظر طويلا أمام أبواب مغلقة. ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال المغرب كله في صورة قاتمة. فهذا البلد تغير فعلا، وحقق إنجازات لا يمكن إنكارها. لكن المشكلة أن سرعة بناء المدن والموانئ والطرق والمصانع لم تواكب دائما سرعة بناء الثقة والعدالة الاجتماعية والأمل، وهذا بالضبط ما تكشفه أحداث سبتة. فحين ترى أسرة كاملة تغامر بحياتها، وترى امرأة أو طفلا أو شيخا يركض نحو الضفة الأخرى، فإن القضية لم تعد مجرد هجرة غير نظامية، إنها رسالة اجتماعية وسياسية صارخة شديدة الخطورة. من أجل كل ما سبق، فالمعركة الحقيقية اليوم ليست على ضبط الحدود ومنع التنقل إلى الفنيدق ومدن الشمال، وإنما على صورة المغرب في عيون أبنائه، فحين يصبح البحر في نظر بعض الشباب والأسر أقرب إلى الخلاص من الوطن، فإن المطلوب ليس وقف محاولات العبور فقط، بل معالجة الأسباب التي صنعت اليأس، وإعادة بناء الأمل، حتى يشعر المغربي أن مستقبله وكرامته وحياته يمكن أن تُصنع هنا، لا في الضفة الأخرى. The post ما الذي جعل سبتة تبدو في أعينهم طوق نجاة؟! appeared first on هوية بريس.

نبيل غزالمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

6 − one =

Check Also

اتفاق يقرب بوعدي من ارتداء قميص مانشستر سيتي

ذكر الصحفي الإيطالي المتخصص في أخبار الانتقالات فابريزيو رومانو، الإثنين، أن نادي مانشستر …