مصاحبة القرآن: المحفزات والمثبطات
مصاحبة القرآن: المحفزات والمثبطات
هوية بريس – أحمد الشقيري الديني
ونحن على أبواب شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، يجدر بنا أن نقف وقفة تأمل في علاقتنا بالقرآن الذي نقبل عليه في هذا الشهر المبارك طلبا للأجر والقربى؛
وخير جليس في الأنام كتاب الله: اقتباس من بيت شعري للشاعر الكبير المتنبي يقول فيه:
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ *** وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ
لاشك أن كل مسلم تربطه بالقرآن علاقة حفظ، وتلاوة، وتدبر، وتبرك، واستهداء، فهو يتلو ما تيسر منه على الأقل سبع عشرة مرة في اليوم والليلة عند أداء فريضة الصلاة خمس مرات في اليوم.
لكن الناس متفاوتون في صحبة القرآن، فمنهم ظالم لنفسه وهو من يقتصر على الحد الأدنى في التعامل مع القرآن: وهو تلاوته وتدبره في الصلوات الخمس المفروضة؛ ومنهم مقتصد، وهو الذي يزيد على تلاوته في الصلوات، وردا يوميا من يتلوه ويتدبره آناء الليل وأطراف النهار؛ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، وهو الذي اتخذ القرآن صاحبا لا يفارقه في حله وترحاله، يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، يجتهد في حفظه، وتدبره، والعمل به، والوقوف عند حدوده، والدعوة إلى قيمه وشرائعه وأحكامه، يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعمل بمحكمه، ولا يخوض في متشابهه.
قال تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير، جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير، وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب).
والذي يهمنا في هذه المدارسة ذكر كيفية التحقق بمرتبة السابقين بالخيرات في التعامل مع الكتاب، لأنهم هم من صحبوه بحق، ولم يفارقوه، فأخذ بأيديهم حتى أدخلهم أعلى مراتب الجنة ( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا).
كما أن هجر القرآن ضياع وإهدار لفرصة النجاة من كيد الشيطان، وقد شكى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لربه من هجران قومه للكتاب كما حكى ربنا سبحانه في سورة الفرقان قولهُ -تعالى-: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)؛ فمن مظاهر هجران القرآن: عدم تلاوته وحفظ أجزاء منه أو تلاوته دون تدبره، أو تدبره دون العمل به ولا التحاكم إلى شريعته ولا الوقوف عند حدوده، فهذا هجران جماعي للقرآن عاقبته وخيمة، فالقرآن ليس كتابا للتبرك والرقية أو التلاوة فحسب، بل هو (كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم لينذر به من كان حيا ويحق القول على الكافرين..
نحن إذن إزاء قضية كبيرة وخطيرة لأنها تحدد مسارنا في الدنيا، ومصيرنا في الآخرة.
فكيف نصحب القرآن؟ وما الطريق لحسن التعامل معه؟ وما هي العراقيل أو المثبطات التي تحول دون تحقيق حسن مصاحبة القرآن؟
نفهم أولا مما سبق أن حسن مصاحبة القرآن تتمثل في تلاوته آناء الليل وأطراف النهار مع حضور وتدبر، ثم العمل بمقتضى أحكامه وقوفا عند حدوده، نحل حلاله ونحرم حرامه، وندعو لتمثل قيمه في مناحي حياتنا كلها: على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع ثم على مستوى الدولة، فالقرآن دستور جامع لتنظيم شؤون الفرد والأسرة والمجتمع والعلاقات الدولية، وصحبته تكون على مستوى الأفراد والجماعات ومؤسسات الدولة.
ولابد أن نؤكد بهذه المناسبة ألا صحبة جماعية للقرآن ما لم نحسن صحبته على مستوى الفرد والأسرة أولا.
فأما على مستوى الفرد فصحبة القرآن تكون على ثلاث مراتب: مرتبة الأدب، وأعلى منها مرتبة الحضور، وأعلى منها مرتبة التخلق.
1) مرتبة الأدب مع القرآن:
ونعني بمرتبة الأدب، التأدب بآداب القرآن الكريم تلاوة وحفظا مع استحضار قداسته، فالذين يتلونه حق تلاوته أولئك يومنون به، فإتقان مخارج الحروف وصفاتها وتجويد الصوت بذلك، مطلوب مع حفظ أجزاء منه فقد روى الترمذي وأبو داود واللفظ له، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ، كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا.)
فهذه مرتبة الأدب وأعلى منها:
2) مرتبة الحضور:
وهي التي يكون فيها القلب حاضرا عند التلاوة متدبرا للمعاني خاشعا عند مواعظه، قال تعالى 🙁 كتاب أنـزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب) فهذه المرتبة واجبة لأن القرآن نزل من أجل فهمه وتدبره والعمل به، لا مجرد القراءة مع غفلة القلب.
وأعلى مراتب صحبة القرآن:
3) مرتبة التخلق بأخلاق القرآن:
وذلك تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما في حديث أم المومنين عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلق القرآن فأجابت (كان خلقه القرآن)..
فمن تخلق بأخلاق القرآن فهو الفائز بصحبته في الدنيا والآخرة، وهي الصحبة التي تورثه في الدنيا نورا في القلب وجلاء الحزن وذهاب الغم والهم،كما في الحديث الصحيح ( ما قال عبدٌ قطُّ إذا أصابه هَمٌّ أو حُزْنٌ : اللَّهمَّ إنِّي عبدُكَ ابنُ عبدِكَ ابنُ أَمَتِكَ ناصِيَتي بيدِكَ ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فيَّ قضاؤُكَ أسأَلُكَ بكلِّ اسمٍ هو لكَ سمَّيْتَ به نفسَكَ أو أنزَلْتَه في كتابِكَ أو علَّمْتَه أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوِ استأثَرْتَ به في عِلمِ الغيبِ عندَكَ أنْ تجعَلَ القُرآنَ ربيعَ قلبي ونورَ بصَري وجِلاءَ حُزْني وذَهابَ همِّي إلَّا أذهَب اللهُ همَّه وأبدَله مكانَ حُزْنِه فرَحًا ) قالوا : يا رسولَ اللهِ ينبغي لنا أنْ نتعلَّمَ هذه الكلماتِ ؟! قال : ( أجَلْ، ينبغي لِمَن سمِعهنَّ أنْ يتعلَّمَهنَّ ) هذا في الدنيا؛ وتورثه في الآخرة شفاعة القرآن كما ثبت في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرؤوا البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف، تُحاجَّان عن صاحبهما يوم القيامة).
فهذه صحبة القرآن ومحفزاتها لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
أما المثبطات عن صحبة القرآن فكثيرة جدا خصوصاً في عصر هذه الوسائط الرقمية المتعددة الشاغلة عن ذكر الله، فتجد المسلم معتكفا على هذه المواقع بالساعات الطوال من غير فائدة تذكر، إنما هي تتبع العورات والصداقات الفارغة وتقاسم الفيديوهات؛ فهذا من أعظم ما يثبط ويشغل ويصرف عن مصاحبة القرآن.
وهذه آفة عصرنا لا ينجو منها إلا من أخذ الله بيده وشغله بما ينفعه في دنياه وآخرته فجعل لهاتفه وقتا مخصصا لا يتجاوزه، من أجل صلة رحم أو لقاء علمي أو قراءة منشور ذي أهمية..!
The post مصاحبة القرآن: المحفزات والمثبطات appeared first on هوية بريس.
المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا
زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…











