معاش التقاعد.. منشور حكومي يُسقط كومة من الوثائق

هوية بريس- متابعات قال الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما إن منشور رئيس الحكومة عدد 8/2026 المتعلق بتبسيط مسطرة تدبير ملفات معاشات التقاعد المخولة من طرف الصندوق المغربي للتقاعد، والصادر بتاريخ 9 يوليوز 2026، يشكل خطوة جديدة في مسار تحديث الإدارة المغربية والانتقال بها من منطق كثرة الوثائق وتعدد الإجراءات إلى منطق التبسيط والرقمنة وتبادل المعطيات بين المؤسسات، بما من شأنه أن يخفف العبء الإداري عن الموظفين والمتقاعدين وذوي الحقوق. وأوضح بريهما أن هذا المنشور لا يقتصر على حذف مجموعة من الوثائق التي كانت مطلوبة في ملفات التقاعد، وإنما يعكس تحولا في فلسفة تدبير المرفق العمومي، يقوم على قاعدة أساسية مفادها أن المواطن أو الموظف لا ينبغي أن يطالب بتقديم معلومات أو وثائق توجد أصلا لدى الإدارة، وإنما يتعين على المؤسسات المعنية أن تتولى تبادلها فيما بينها بالوسائل الإلكترونية المتاحة. ويأتي المنشور الجديد، وفق المتحدث، في سياق مسار إصلاحي انخرطت فيه الإدارة المغربية منذ سنوات بهدف تبسيط المساطر وتقليص البيروقراطية، وهو المسار الذي سبق أن تعزز بمنشور رئيس الحكومة رقم 7/2019 المتعلق باعتماد التدبير الإلكتروني لملفات معاشات التقاعد. غير أن المنشور رقم 8/2026 يذهب خطوة أبعد من خلال توسيع نطاق الاستغناء عن الوثائق الورقية، وتوحيد بعض المعطيات، وتعزيز الاعتماد على التبادل الإلكتروني بين الصندوق المغربي للتقاعد والإدارات والمؤسسات المعنية. ويستهدف هذا التوجه، بحسب مضمون المنشور، تقليص آجال معالجة ملفات التقاعد وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، إذ لم يعد الهدف مجرد تقليص عدد الأوراق الموضوعة في الملف، وإنما إعادة تنظيم المسار الإداري برمته، بحيث تنتقل مسؤولية توفير عدد من المعطيات من الموظف أو المتقاعد إلى الإدارة التي تتوفر عليها أصلا. وفي ما يتعلق بالمنخرطين في نظام المعاشات المدنية، يبرز المنشور الجديد الاستغناء، في الحالات المحددة، عن قرارات التوظيف والترسيم بالنسبة لموظفي الإدارات العمومية الذين تم توظيفهم ابتداء من فاتح ماي 1980، وكذا بالنسبة لموظفي الجماعات الترابية الذين تم توظيفهم ابتداء من تاريخ شروع الخزينة العامة للمملكة في أداء أجورهم. وفي المقابل، تصبح الهيئة المشغلة مطالبة بإدراج مجموعة من البيانات الأساسية ضمن قرار الحذف من الأسلاك، من قبيل تاريخ التوظيف، والصفة التي تم التوظيف بها، وتاريخ الترسيم، بما يسمح للصندوق المغربي للتقاعد بالاعتماد على هذه المعطيات دون مطالبة المعني بالأمر بالبحث عن قرارات إدارية قديمة وإعادة تقديمها ضمن ملف تقاعده. أما مستخدمو المؤسسات العمومية، فيستمر بالنسبة إليهم العمل بالوثائق المحددة في منشور سنة 2019، في انتظار ما قد تتيحه مراحل لاحقة من تعميم التبادل الإلكتروني للمعطيات وتوحيد المساطر بين مختلف الفئات. ومن بين أبرز مظاهر التبسيط كذلك، الاستغناء عن شهادة التعريف البنكي أو الشيك الملغى في الحالات التي تكون فيها أرقام الحسابات البنكية التي كان يتلقى فيها الموظف أجره متوفرة لدى الخزينة العامة للمملكة. وفي هذه الحالة، يمكن للصندوق المغربي للتقاعد الاعتماد على المعطيات الموجودة لدى الإدارة بدل مطالبة الموظف أو المتقاعد بإثباتها من جديد. كما لم تعد نسخة البطاقة الوطنية للتعريف مطلوبة في الحالات التي يمكن فيها للصندوق الحصول على المعطيات المتعلقة بها من الجهة المختصة، وهو ما يندرج بدوره ضمن مبدأ عدم مطالبة المرتفق بوثيقة يمكن للإدارة الحصول على مضمونها عبر قنوات التبادل المعلوماتي. وشمل الإصلاح أيضا طريقة تجميع المعطيات المهنية، حيث تم دمج بطاقة المعلومات والقائمة المفصلة للخدمات في وثيقة واحدة تتولى الهيئة المشغلة إعدادها. ويتيح هذا الإجراء تقليص عدد الوثائق المطلوبة، إلى جانب الحد من احتمالات وجود تناقض أو نقص في المعطيات التي يتعين تضمينها في ملف التقاعد. ولا تقتصر الإجراءات الجديدة على نظام المعاشات المدنية، بل تمتد كذلك إلى المنخرطين في نظام المعاشات العسكرية، مع مراعاة الخصوصيات المرتبطة بكل فئة. وفي هذا الإطار، تم الاستغناء، في الحالات المحددة، عن قرارات التوظيف والترسيم بالنسبة لموظفي القوات المساعدة الذين تم توظيفهم ابتداء من فاتح يناير 1980. كما شمل التبسيط بعض الوثائق المرتبطة بأفراد القوات المسلحة الملكية، إذ تم الاستغناء عن قرار التسريح، في الحالات التي حددها المنشور، فضلا عن قرار المدد الاعتبارية بالنسبة للخدمات الجوية والبحرية، مع إلزام الهيئة المشغلة بتضمين قائمة الخدمات المعنية المعلومات المرتبطة بالمدد الاعتبارية المضافة إلى المعاش. وتتولى الهيئة المشغلة كذلك تضمين قرار الحذف من الأسلاك البيانات الأساسية المتعلقة بتاريخ التوظيف والصفة وتاريخ الترسيم، بما يسمح للصندوق المغربي للتقاعد بمعالجة الملف اعتمادا على المعلومات المتبادلة إلكترونيا. وبالنسبة إلى الجنود الذين يتقاضون أجرة تصاعدية، يستمر العمل بالوثائق المحددة في منشور رئيس الحكومة رقم 7/2019، مع التأكيد على ضرورة استمرار التنسيق مع إدارة الدفاع الوطني، بالنظر إلى خصوصية تدبير الملفات المرتبطة بهذه الفئة. وفي ما يتعلق بمعاشات ذوي الحقوق، حمل المنشور بدوره مجموعة من التسهيلات التي تستهدف تخفيف الوثائق المطلوبة من الأسر المستفيدة. ففي حالة تحويل المعاش، يتم اعتماد الوثائق نفسها المطلوبة في حالة الحذف من الأسلاك، مع الاستغناء عن عدد من الوثائق المرتبطة بذوي الحقوق عندما تكون المعلومات الضرورية متوفرة بوسائل أخرى. ومن بين الأمثلة على ذلك الاستغناء عن عقد الزواج في حالة وجود أولاد من الزواج نفسه، وكذلك عن عقود ازدياد الأيتام في الحالات التي يتم فيها الإدلاء بنسخ من بطائق التعريف الوطنية. ويعكس ذلك، وفق هذا التوجه، انتقال الإدارة من منطق التحقق عبر الوثائق الورقية إلى منطق التحقق من المعطيات المتاحة لديها أو القابلة للتبادل إلكترونيا. كما يولي المنشور أهمية خاصة لملفات الموظفين والأعوان الذين يتوفون أثناء مزاولة العمل، إذ أصبحت الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية مطالبة بإعداد ملفات معاشاتهم وإدراجها ضمن المنصة الإلكترونية المعتمدة. وفي هذه الحالات، لا يظل ذوو الحقوق مطالبين بتحمل كامل العبء الإداري المرتبط بإعداد الملف، إذ تتولى الإدارة المشغلة جانبا أساسيا من هذه العملية، بينما يظل على ذوي الحقوق الاتصال بالصندوق المغربي للتقاعد لاستكمال الإجراءات والإدلاء بالوثائق التي تظل ضرورية بحسب كل حالة. أما بالنسبة إلى المنخرطين في نظام المعاشات العسكرية، فيستمر العمل بالمسطرة المحددة في منشور رئيس الحكومة رقم 7/2019، بالنظر إلى الخصوصيات الإدارية والتنظيمية التي تحكم هذا النظام. ومن النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضا وضعية الأيتام المتمدرسين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و21 سنة، حيث يتجه الإصلاح إلى الاستغناء عن الشهادة المدرسية السنوية، وذلك عبر تمكين الصندوق المغربي للتقاعد من الحصول مباشرة على معطيات التمدرس من القطاعات الحكومية المعنية، من قبيل التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي. غير أن هذا الإجراء لم يدخل بعد حيز التنفيذ بشكل فعلي، بسبب عدم إبرام الاتفاقيات اللازمة مع القطاعات المعنية لتبادل هذه المعطيات. ولذلك، يظل الأيتام المتمدرسون، في المرحلة الحالية، مطالبين بالإدلاء بالشهادة المدرسية سنويا إلى الصندوق المغربي للتقاعد، إلى حين استكمال الربط المعلوماتي وتفعيل آلية تبادل البيانات. ويمتد مسار التبسيط كذلك إلى مسطرة استرجاع الاقتطاعات المتعلقة بالتقاعد، غير أن تنزيلها يتم بشكل تدريجي، بالنظر إلى جاهزية المنصات والأنظمة المعلوماتية. وتشمل الوثائق المشار إليها في المرحلة الحالية طلبا خطيا موجها مباشرة إلى الصندوق المغربي للتقاعد، إلى جانب شهادة التعريف البنكي أو شيك ملغى. ويأتي هذا التنزيل التدريجي في إطار انتقال منظم من المساطر الورقية إلى المعالجة الرقمية، مع مواصلة التنسيق والاجتماعات بين مختلف المتدخلين، ولا سيما إدارة الدفاع الوطني، بما يضمن ملاءمة الأنظمة المعلوماتية وتوحيد طرق معالجة الملفات. ومن أبرز المستجدات التي يعكسها المنشور الجديد اعتماد مبدأ يمكن اختزاله في عبارة «توقيع واحد يكفي»، إذ يتم الاكتفاء بالتوقيع الإلكتروني على قرار الحذف من الأسلاك باعتباره الوثيقة المركزية في ملف التقاعد، دون الحاجة إلى توقيع باقي الوثائق، وذلك في إطار المقتضيات القانونية المنظمة للتبادل الإلكتروني للمعطيات. ويعني هذا المبدأ عمليا تقليص عدد مراحل التوقيع والمصادقة، والحد من التداول الورقي للوثائق، بما يسمح بتسريع انتقال الملف بين مختلف المتدخلين، ويجعل المعالجة الإلكترونية أكثر انسجاما مع الهدف العام للمنشور. ويكشف هذا التغيير عن تحول أوسع في طريقة تصور العلاقة بين الإدارة والمرتفق، فبدلا من أن يكون الموظف أو المتقاعد مطالبا بإثبات كل معلومة عبر وثيقة مستقلة، تصبح الإدارة مطالبة باستثمار قواعد البيانات والمعطيات التي تتوفر عليها، وتبادلها مع المؤسسات المعنية وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها. ومن هذه الزاوية، فإن أهمية المنشور لا تقاس فقط بعدد الوثائق التي تم الاستغناء عنها، وإنما بمدى مساهمته في تغيير السلوك الإداري نفسه، عبر ترسيخ قاعدة مفادها أن الوثيقة التي سبق أن أودعها الموظف لدى الإدارة أو أنشأتها مؤسسة عمومية في إطار ممارسة اختصاصاتها لا ينبغي أن تتحول في كل مرحلة جديدة إلى عبء يعاد تحميله للمرتفق. ويطرح هذا التحول في المقابل مسؤوليات جديدة على الإدارات والمؤسسات، لأن نجاح الرقمنة لا يرتبط فقط بتوفير المنصات الإلكترونية، وإنما أيضا بجودة المعطيات الموجودة داخل الأنظمة المعلوماتية، وتحيينها، ودقتها، وقدرة مختلف المتدخلين على تبادلها في الوقت المناسب. كما أن الانتقال من الوثيقة الورقية إلى المعطى الإلكتروني يفرض على الإدارات احترام النماذج الموحدة، وضمان انسجام البيانات، وتعزيز التنسيق بينها وبين الصندوق المغربي للتقاعد، حتى لا يؤدي حذف الوثائق إلى ظهور صعوبات جديدة مرتبطة بنقص المعلومات أو عدم تطابقها. ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة في ملفات التقاعد التي تتعلق بمسارات مهنية تمتد في كثير من الأحيان لعقود، إذ قد تكون بعض الوثائق المطلوبة سابقا قديمة أو يصعب على الموظف الحصول عليها، بينما تكون المعلومات نفسها متوفرة لدى الإدارة أو لدى إحدى المؤسسات العمومية. ومن ثم، فإن تبسيط هذه المساطر يمكن أن يشكل مكسبا فعليا للموظفين المقبلين على التقاعد وللمتقاعدين وذوي الحقوق، خصوصا عندما يقترن بالتنفيذ الفعلي للتبادل الإلكتروني للمعطيات وعدم إعادة إنتاج الوثائق القديمة في صيغ رقمية فقط. ويؤكد مضمون المنشور، في نهاية المطاف، أن إصلاح الإدارة لا يرتبط فقط بتقليص عدد الإجراءات، وإنما بإعادة توزيع المسؤوليات بين الإدارة والمرتفق، بحيث تتحمل المؤسسات مسؤولية أكبر في توفير المعلومات التي توجد بحوزتها، بينما يقتصر دور المواطن أو الموظف على تقديم المعطيات التي لا يمكن للإدارة الحصول عليها من مصادرها الرسمية. وبذلك، يشكل منشور رئيس الحكومة عدد 8/2026 حلقة جديدة في مسار تبسيط تدبير ملفات معاشات التقاعد، من خلال تقليص الوثائق، وتوحيد بعض المعطيات، واعتماد التبادل الإلكتروني، وتوسيع مسؤولية الإدارات في إعداد الملفات، وصولا إلى اعتماد التوقيع الإلكتروني وتقليص عدد مراحل المصادقة. ويظل الرهان الأساسي، وفق هذه المقاربة، في الانتقال من النص إلى التطبيق، إذ إن إسقاط مجموعة من الوثائق على الورق لن تكون له القيمة نفسها إذا ظلت الإجراءات الفعلية داخل الإدارات تقوم على طلب المعلومات ذاتها بطرق أخرى. ولذلك، فإن نجاح الإصلاح سيقاس بمدى شعور الموظف والمتقاعد وذوي الحقوق فعليا بانخفاض عدد التنقلات والوثائق والانتظارات. وهكذا، لا يبدو المنشور الجديد مجرد قرار تقني لتقليص حجم ملفات التقاعد، بل خطوة ضمن تصور أوسع لإدارة مغربية أكثر رقمنة وفعالية، يكون فيها تبادل المعلومات بين المؤسسات بديلا عن تحميل المرتفق مسؤولية جمعها، ويصبح حصول الموظف والمتقاعد وذوي الحقوق على مستحقاتهم مرتبطا بمسار إداري أبسط وأسرع وأكثر انسجاما مع التحول الرقمي الذي تعرفه الإدارة العمومية. The post معاش التقاعد.. منشور حكومي يُسقط كومة من الوثائق appeared first on هوية بريس.
تستيقظ صباحاً بحثاً عن الماء؟.. علامة قد ترتبط بسكر الدم
هوية بريس – وكالات قد تبدأ يومك بمدّ يدك إلى كوب الماء قبل مغادرة السرير، بحثاً عن الراحة …











