Home الصحافة المغربية معركة الوعي والسيادة

معركة الوعي والسيادة

معركة الوعي والسيادة

أحب بلدي… ولا أرى لماذا ينبغي أن أعتذر عن ذلك. حب المغرب لا يعني أن أغمض عيني عن أخطائه، أو أصفق لكل قرار يصدر عن حكومة أو إدارة أو مسؤول. كتبت وانتقدت، وسأظل أفعل حين أرى أن النقد ضروري. لكن هناك فرق بين أن تنتقد بيتك لأنك تريد إصلاحه، وبين أن تساعد من يتربص به على إسقاط سقفه فوق رؤوس ساكنيه. ومع ذلك، أصبح قول شيء إيجابي عن المغرب يحتاج أحيانا إلى شجاعة أكبر من قول أسوأ الأشياء عنه. تمدح قرارا وجدته صائبا، فيخرج لك من يصنفك ضمن العياشة. تدافع عن مصلحة وطنية، فتصبح زلايجي. ترفض أن تضع قضية خارجية، مهما كان تعاطفك معها، فوق مصالح بلدك، فتجد نفسك مطالبا بتقديم شهادة حسن سلوك أيديولوجية. هناك اليوم ما يشبه استبداد الرأي السائد. وقد شرحَت نظرية دوامة الصمت منذ عقود كيف قد يتراجع الإنسان عن التعبير عن رأيه عندما يشعر أن البيئة المحيطة ستعاقبه اجتماعيا إن خرج عن الموقف المهيمن. لكن حرية التعبير لا تكون حرية إذا كانت متاحة فقط لمن يقول ما يصفق له الجمهور. وأنا لا أريد أن أكتب وأنا أنظر كل لحظة خلف كتفي لأرى من سيغضب. نحن عند ملتقى الطرق… وهذه نعمة ولعنة لا يمكن فهم ما يجري حول المغرب من دون النظر أولا إلى الخريطة. هذه البلاد تقف عند تقاطع نادر بين المتوسط والأطلسي، وبين أوروبا وإفريقيا، وعلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم. نحن عند ملتقى طرق التجارة والهجرة والأمن والطاقة والثقافات والحضارات. موقع كهذا هدية جغرافية… لكنه أيضا فاتورة ندفعها منذ قرون. فمن يقف عند مفترق الطرق يمر الجميع بالقرب من بيته. يمر التاجر… ويمر الغازي أيضا. وتاريخ هذه الأرض أعمق كثيرا من الطريقة المختصرة التي نقدم بها أحيانا تاريخ المغرب. في جبل إيغود عثر على بقايا للإنسان العاقل تعود إلى نحو 315 ألف سنة، وهي من أقدم الشواهد المعروفة على المراحل المبكرة من تاريخ الإنسان العاقل. وفي المغرب عثر أيضا على حلي صدفية تعود إلى أكثر من 140 ألف سنة، وهي من أقدم أشكال الزينة الشخصية المعروفة حتى الآن. لا أذكر هذه الأرقام لكي ندخل في مسابقة طفولية حول “مَن أقدم مِن مَن”. أذكرها لأن المغربي يحتاج أحيانا إلى أن يتذكر أن هذه الأرض لم تكن هامشا ينتظر الآخرين لكي يمنحوه التاريخ. لقد تعاقبت فوقها دول وممالك، وتشكلت فيها حضارة محلية راسخة، ثم تفاعلت عبر القرون مع روافد متوسطية وإفريقية وأندلسية وعربية وإسلامية ويهودية وغيرها. وهذه القدرة على الأخذ والعطاء وإعادة صهر الوافد حتى يكتسب نكهة مغربية هي، في رأيي، من أهم عناصر قوتنا. لكننا لا نعلم أبناءنا دائما أن ينظروا إلى هذه الهوية المركبة بهذه الثقة. وكثيرا ما عرف المغربي تاريخ الآخرين وقضايا الآخرين وأدب الآخرين أكثر مما عرف تاريخ أرضه وتنوعها وخصوصيتها. وهنا لا يعود الأمر مجرد فولكلور… بل يصبح نوعا من الأمن الهوياتي. فالطفل الذي لا يعرف جيدا من يكون سيجد دائما من يأتي ليخبره من يكون، ولكن وفقا لمشروع ذلك الآخر ومصالحه. والهوية الواثقة ليست هوية منغلقة. بالعكس. من يعرف جذوره يستطيع أن يفتح نوافذه كلها من دون أن يخاف أن تقتلع أول ريح شجرته. لقد قاوم المغرب عبر تاريخه احتلالات وضغوطا عسكرية وسياسية مختلفة. أما أكثر أشكال الهيمنة نعومة اليوم فلا تحتاج إلى جيوش… يكفي أحيانا أن تنجح في جعل شعب يرى نفسه بعين غيره. مِن حُكم قضائي دقيق إلى هاتف مكسور بدأت القصة القانونية بمواطن جزائري تم اعتراضه في البحر سنة 2024 أثناء محاولته الوصول سباحة إلى سبتة، ثم سُلِّم إلى السلطات المغربية من دون المرور بمسطرة الإرجاع العادية. لجأ إلى القضاء الإسباني، وصدر الحكم رقم بتاريخ 29 يونيو والذي نشره المجلس العام للسلطة القضائية الإسبانية في 8 يوليوز، حيث أكدت المحكمة العليا أن ما يسمى “الإرجاع الفوري” لا يطبق بهذه الصورة على من يعترضون في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية، وأن عليهم أن يخضعوا لمسطرة الإرجاع العادية المنصوص عليها في قانون الأجانب الإسباني. كان الحكم دقيقا في موضوعه. لم يفتح الحدود، ولم يمنح كل من يصل إلى سبتة حقا عاما في البقاء، ولم يلغ مساطر الإرجاع المنصوص عليها في قانون الهجرة. لقد ميّز فقط بين الاعتراض في البحر وبين الحالات التي ينطبق عليها نظام الرفض عند الحدود، وأوجب سلك المسطرة القانونية العادية في الحالة الأولى. لكن الأحكام القانونية المعقدة حين تدخل إلى معترك شبكات التواصل لا تخرج دائما بالشكل نفسه. لقد اختصرها أحدهم… وأساء فهمها آخر…. وأضاف إليها ثالث ما كان يتمنى سماعه… بينما اكتشف رابع أن العنوان المثير يجلب مشاهدات أكثر من الشرح القانوني. ثم انتقلت الجملة من مجموعة إلى أخرى حتى صارت عند جزء من الجمهور: إذا وصلت إلى سبتة فلن يستطيع أحد إرجاعك. إنها لعبة الهاتف المكسور… لكن ملايين الأشخاص يلعبونها في الوقت نفسه. لا شك أن الإشاعة لم تخلق من الصفر الرغبة في الهجرة. هي لم تخترع الإحباط، ولا جاذبية أوروبا، ولا حب المغامرة، ولا الرغبة في الاستقلال عن الأسرة، ولا الخوف من المستقبل. فالدعاية لا تخترع دائما الشق، لكنها تستطيع أن تراه، وتتسلل منه، ثم توسعه. في علم الاجتماع، تساعد نماذج العتبة والعدوى المعقدة على فهم ما يقع. قد لا يتحرك الفرد حين يسمع الدعوة من شخص واحد. لكنه يعيد حساب المخاطر عندما يسمعها من أكثر من جهة، ويرى آخرين يتجهون إلى المكان نفسه، ثم يرى صور من وصلوا. كل عبور يصبح دليلا اجتماعيا على إمكانية العبور، وكل متردد ينضم إلى الحشد يخفض عتبة متردد آخر. ثم جاءت الصور. ومن أكثرها تداولا صورة فتاتين وصلتا إلى سبتة، ترفع إحداهما شارة النصر… لا يدل هندامهما ولا نوع هاتفيهما على انتمائهما لطبقة فقيرة، على عكس الصورة النمطية للمهاجر غير الشرعي. بالنسبة إلى بعض الناس كانت الصورة مؤسفة. وبالنسبة إلى مترددين آخرين، قد تكون حملت رسالة مختلفة تم ترديدها في الكثير من التعاليق: “هي وصلات ونتا باقي هنا؟!” لا تثبت الصورة دوافع كل من تحرك، لكنها قد تخفض تقدير الخطر في ذهن من كان يقف على الحافة النفسية للقرار. هنا تعمل الصورة كدليل اجتماعي، ويعمل الحشد كبرهان على نفسه. الشبكة الرقمية… من +213 إلى سوق للهجرة لا يمكننا إسقاط شبكات تهريب البشر من التحليل، وكأن عشرات الآلاف عرفوا اللحظة والمسار ونقط التجمع بالطريقة نفسها ومن باب المصادفة وحدها. المعطيات المنشورة حتى هذه الساعة تشير إلى بنية أوسع من مجرد وسم عابر. بعد الاطلاع على تحليل أنجزته شركة ناشئة مرتبطة بالمنتزه العلمي لجامعة أليكانتي، وشمل خمسة وعشرين أصلا رقميا على فيسبوك ونشاطا امتد خصوصا بين 24 و30 يوليوز، يتبين أنه كانت هناك ثلاث طبقات مترابطة: نواة تنسيق في تطبيقات المراسلة المغلقة، وواجهة نشر واسعة في المجموعات والصفحات العامة، وطبقة من مجندي الخلايا يتولى كل واحد منهم تجميع مجموعته الصغيرة وتوجيهها. ووفق التحليل نفسه، استعملت الشبكة كلمات مفتاحية متغيرة، وروابط توضع في التعليقات بدل المنشورات، وحسابات مجزأة وخطوط اتصال عابرة للحدود. كما ظهرت أيضا عروض نقل من مدن بعيدة، وإعلانات مدفوعة، ومسار ربحي يجمع بين توسيع الجمهور وتقديم خدمات بمقابل. أي أننا قد لا نكون أمام قيادة هرمية واحدة، بل أمام علامة وسوق وشبكة موزعة تستطيع العمل حتى بعد اختفاء بعض صفحاتها. وهنا يعود الخيط الجزائري الذي لا يمكننا التغاضي عنه. حيث ظهرت في المراحل المبكرة مجموعة مرتبطة برقم يحمل مفتاح الاتصال الجزائري +213. والتحليل المنشور في 8 غشت تحدث أيضا عن مجموعة من العلامات ذات الأصل الجزائري. بالنسبة إلي، هذا يعزز احتمال وجود بنية عابرة للحدود تستحق التحقيق الجدي. أما تحديد هوية من كان خلف الرقم، وطبيعة العلاقة بين مختلف العقد، وما إذا كان الأمر يصل إلى جهة مؤسساتية، فذلك يحتاج أدلة إضافية لا توفرها المعلومات المتاحة لحد الساعة وحدها. هنا تظهر قيمة استخبارات المصادر المفتوحة “OSINT”، أي أن البحث في تاريخ إنشاء الصفحات، وتغير أسماء المجموعات، والروابط بين الحسابات، وتسلسل نشر الصور، وأرقام الاتصال، والكلمات المفتاحية، والإعلانات، وأنماط التزامن، والبيانات الوصفية المتاحة قانونيا. حيث لا نكتفي بالتساؤل هل المنشور صحيح أم كاذب؟ ولكن نسأل أيضا: من نشره أولا؟ من ضاعف انتشاره؟ أي سلوك تكرر؟ ما حجم الوصول؟ وما الأثر الذي أحدثه؟ كما لا يجب أن نغفل أن الفوضى نفسها قد تصبح فرصة اقتصادية لبعض الشبكات. فحين تنشغل أجهزة الأمن المغربية والإسبانية بالتعامل مع حشود هائلة تضم القاصرين، وبالإنقاذ وحماية الأرواح، يمكن لتلك الشبكات أن تستعمل الكتلة كغطاء لتمرير عملاء دفعوا المال وتلقوا تعليمات أدق. كما أعتقد أن اختيار يوم الاحتفال بعيد العرش كموعد للعبور الجماعي لم يكن اعتباطيا ولا وليد الصدفة… ربما لاستغلال انشغال عدد كبير من أجهزة الأمن بتأمين الاحتفالات بهذا العيد الوطني… ومن يدري ربما يكون لهذا الاختيار أبعاد أخرى رمزية تحيل إلى مؤامرة أكبر… الفخ… كل حركة لها ثمن كما في رقعة الشطرنج، وجدت السلطات المغربية نفسها أمام وضع كل تحرُّك فيه يحمل عواقب. خلافا لكثير من الاتهامات، فقد أقامت السلطات المغربية بالفعل حواجز واعترضت مرشحين للهجرة قبل وصولهم إلى الفنيدق، وعززت المراقبة، واعترضت محاولات سباحة، وشاركت في عمليات الإنقاذ. لكن حين صارت الكتلة البشرية هائلة، لم يعد منع كل عبور ممكنا من دون استعمال قدر أكبر بكثير من القوة. ففي اللحظة التي كانت ستظهر فيها صورة مراهق يُضرب مثلا، أو فتاة تجر على الأرض، أو شخص يغرق أثناء المطاردة، يكون العنوان جاهزا قبل أن ينتهي الحدث: المغرب يسجن مواطنيه. المغرب يمنع شعبه من الهرب بالقوة من سجن كبير. المغرب يضرب شبابه لأنهم يريدون مغادرة بلد الجوع… ستختفي من الصورة كل الحواجز التي أقيمت قبل الوصول، وكل محاولات الإنقاذ، وكل التعقيد الأمني… وستبقى لقطة واحدة تتكرر ملايين المرات. أما إذا تجنبت السلطات استعمال القوة على نطاق واسع، فالرواية المقابلة جاهزة أيضا: المغرب فتح الحدود عمدا. هذا هو الفخ. وضع على رقعة تتغير فيها الكلفة الأمنية إلى كلفة سردية ودبلوماسية في ثوان. والسلطات الإسبانية نفسها فوجئت بالحجم، وأقرت لاحقا بأن مؤشرات مبكرة لم تتحول إلى إنذار مناسب. مدينة لا يتجاوز سكانها نحو أربعة وثمانين ألف نسمة وجدت نفسها أمام تدفق يوازي جزءا كبيرا من سكانها في زمن قصير. لم يكن أمام أي من الطرفين زر بسيط كتب عليه أوقفوا الهجرة، ورفض الضغط عليه. أما الأرقام، فيجب التعامل معها بحسب ما تقيسه كل جهة، لا بوصفها مباراة حسابية بين روايتين. المغرب أعلن نحو أربعين ألف دخول عاينه أو قدره في محيط الحدث، وإحدى عشرة وفاة وقعت في مياهه أو ترابه. إسبانيا أحصت أعدادا أكبر من عمليات العودة عبر معبرها، كما أعلنت وفيات وجثامين عاينتها سلطاتها في سبتة. اختلاف المجال واللحظة وطريقة العد يعني أن الأرقام لا تصف بالضرورة المتغير نفسه. وقد قالت السلطات المغربية إنها تواصل التحقق عبر قنوات التعاون الرسمية من الأعداد والهويات والجنسيات التي أعلنها الجانب الإسباني. لذلك لا يصح عرض الفرق تلقائيا بوصفه تناقضا، كما لا يصح جمع الأرقام المختلفة أو المقارنة بينها من دون تعريف ما الذي يعده كل رقم. خلف الحسابات توجد حياة بشرية. بعض من حاولوا العبور عرفوا الخوف والجوع والإرهاق والعنف والإذلال، وبعضهم مات. التعاطف واجب، لكن التعاطف لا يفرض علينا اختراع سيرة واحدة لعشرات الآلاف. كل رواية تختار أين تضع الكاميرا حين نبحث عن أزمة سبتة بالإسبانية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو حتى العربية، نجد الرواية الإسبانية والأوروبية في المقدمة، لأن أصحابها يملكون وكالات أكبر، وصحفا أكثر انتشارا، ومراسلين ومراكز بحث وآلة قادرة على توزيع الخبر بلغات العالم. حتى المصادر الناطقة بالعربية تحكي رواية منحازة أو محرفة ومكيفة حسب توجهات أصحابها… حيث إن الآلة الإعلامية لقنوات عابرة للقارات مثل الجزيرة أو العربية لا تحتاج إلى اختلاق واقعة لكي تؤثر. يكفي أن تختار أي واقعة تتصدر الشاشة، وأي خبير يشرحها، وأي سؤال يطرح عشر مرات، وأي سؤال لا يطرح إطلاقا. قد لا يعني هذا أن جُل المصادر الأوروبية والعربية كاذبة. لكن يعني أنها متموضعة وغير محايدة. فالإعلام الإسباني، مثلا، ينظر إلى سبتة باعتبارها مدينة إسبانية تعرضت لأزمة. والمؤسسة الأوروبية تراها حدودا خارجية للاتحاد. واليمين الإسباني له حساباته، واليسار له أخرى، والحكومة والمعارضة تتنازعان المسؤولية والصورة. وبعض الدول العربية لها أجنداتها… فلماذا نتصرف نحن وكأن الخبر الذي يصل من مدريد أو باريس أو الدوحة نزل من السماء بلا زاوية نظر؟ كل رواية تختار أين تضع الكاميرا. ومن يملك الميكروفون لا ينقل القصة فقط… بل قد يقرر أي قصة ستصبح مهمة أصلا. وهذا بالضبط ما تعنيه نظريات “وضع الأجندة” في الإعلام. لذلك، فإن كثرة النقد العلني لبلد ما ليست دليلا رياضيا على أنه أسوأ من بلد لا نسمع عنه شيئا. قد تعني أيضا أن الكلام فيه أوسع، وأن المجتمع المدني والصحافة أكثر حضورا، أو أنه أكثر تعرضا للضوء. وقد يدفع المغرب أحيانا كلفة سردية لانفتاحه النسبي، لأن الأصوات والصور تتدفق منه وحوله أسرع مما تتدفق من فضاءات أشد انغلاقا. هذا لا يمنح مصادرنا الوطنية حصانة من النقد، ولا يمنح المصدر الأجنبي ختم الحياد. هل كان كل من ذهب إلى سبتة يهرب من الفقر والجوع؟ لا. وهل يعني ذلك أن الفقر والبطالة وانسداد الأفق لا دور لها؟ لا أيضا. الملفات الاجتماعية الحقيقية لا تحتاج إلى مبالغة. لكن الحشد لم يكن كتلة متجانسة. كان فيه قاصرون وعاطلون وعمال وموظفون والكثير من الأجانب وأشخاص قدموا من مدن بعيدة. بعضهم حمل هواتف حديثة وباهظة الثمن، والكثير منهم يتمتع بجسم رياضي وعضلات بارزة، وتمكنوا من السفر والحصول على المعلومة والانضمام إلى شبكة، وهذا يكفي لنقض صورة الجماعة الواحدة التي لا تملك ثمن الخبز. لقد زرت مناطق جبلية وقروية نائية في المغرب ورأيت أحيانا هشاشة لا تظهر كثيرا في الصور الفيروسية. هناك أشخاص لا يملكون أصلا ثمن رحلة مئات الكيلومترات إلى الشمال، ولا شبكة تخبرهم أين يذهبون، ولا حركية تسمح لهم بالمغامرة. هؤلاء أيضا هم المغرب، لكن لا أحد يصنع لهم كل يوم فيديو بمليون مشاهدة… وهؤلاء لم نرهم ضمن “الحراكة”… لا شك أن الفقر عامل… لكنه ليس التفسير الأول. وأنا لا أبني هذا الرأي على بضعة منشورات. فأنا أتابع منذ سنوات خطابات المثقفين والجامعيين والصحافيين والمؤثرين، وأقرأ ما يقوله المراهقون والشباب والآباء والموظفون وأشخاص من أوساط مختلفة. التعليقات ليست عينة علمية ممثلة، لكنها مقياس لحرارة الشارع الرقمي، وهو شارع لا يعكس المجتمع فقط، بل يؤثر فيه أيضا. كما أتيح لي السفر إلى عشرات البلدان، الغنية والفقيرة، في معظم القارات باستثناء أوقيانوسيا، سواء في إطار شخصي أو مهني، وتحدثت إلى مسؤولين ومواطنين عاديين بهذه البلدان، ولمست بنفسي مكامن ضعفها وقوتها… كما أتاح لي عملي أن أرى من الداخل بعض الملفات المؤسساتية، وأن أفهم أن القرار العمومي يخضع لقيود قانونية ودبلوماسية ومالية واستراتيجية لا تظهر كلها للجمهور. لذلك، أرفض المقارنات السريعة التي تصنعها الشاشة. فالمغرب ليس جنة. لكنه ليس تلك الخرابة التي تبنيها بعض الروايات أيضا. أوروبا المتخيلة أوروبا التي تظهر على تيك توك وإنستغرام ليست أوروبا التي يعيشها المهاجر في نهاية الشهر. الشاشة تعرض السيارة، ولا تعرض القرض. تعرض الرحلة، ولا تعرض ساعات العمل الطويلة. تعرض الراتب باليورو، ولا تعرض الإيجار والضرائب والوثائق. تعرض الحرية، ولا تعرض الوحدة والفشل والانتظار. نرى أفضل خمس عشرة ثانية من حياة الآخر، ثم نقارنها بأسوأ أربع وعشرين ساعة من حياتنا. فكيف سنربح المقارنة؟ ولهذا أتعامل بشيء من السخرية مع خطابات تصدر من بلدان بعيدة جغرافيا عن أوروبا وتسأل بخبث لماذا يحاول مغاربة العبور. الجواب لا يحتاج إلى أطروحة كاملة: لأن أوروبا عند عتبة بيتنا. للمغرب حدود مباشرة مع المجال الأوروبي في الشمال، وضفة أخرى يمكن رؤيتها بالعين. ولو نقلنا حدود الاتحاد الأوروبي إلى أبواب بعض العواصم العربية التي تسخر منا اليوم، لهرب معظم سكانها، بما فيهم الشوفينيون منهم وحتى كبار مسؤوليهم. القرب لا يفسر كل شيء، لكنه يجعل الحلم قابلا للتصور والتنفيذ بطريقة لا تتوفر لسكان بلدان تفصلهم عن أوروبا صحارى وبحار ودول كاملة وسنوات ضوئية من التنمية. المغرب الذي يرفع الإيقاع حين أنظر إلى المغرب خلال السنوات الأخيرة، تتبادر إلى ذهني صورة عداء في سباقات المسافات المتوسطة والطويلة، من قبيل سعيد عويطة أو هشام الكروج.. عداء لا يظهر في البداية وسط الكوكبة أو خلفها، حتى نظن أنه لن يتقدم السباق أبدا، لكنه يراقب ويوزع جهده وينتظر اللحظة المناسبة ليرفع الإيقاع… لا يحتاج إلى الصراخ منذ الأمتار الأولى، ولا إلى الالتفات في كل لحظة نحو المدرجات ليتأكد أن الآخرين رأوه. يثبت خطوته، يراكم المسافة، حتى يبدأ الفارق في الظهور… ثم يأتي المنعطف الأخير، فيغير سرعته فجأة، ويتقدم تاركا باقي العدائين خلفه في ذهول… في حالة المغرب، السباق لم ولن ينتهي، والتنمية أصلا لا تعرف خط نهاية. كل مرحلة تفتح أمام البلد مرحلة أخرى وتحديا جديدا. لكن من يتابع ما ينشر عن المغرب من خلال بعض الحسابات على شبكات التواصل قد يظن أنه أمام بلد لا ينتج شيئا ولا يبني شيئا ولا يتقدم خطوة. مثل هذه المنشورات قد تصدر من ذباب إلكتروني مجيش من بعض الأعداء الخارجيين المفلسين فكريا وأخلاقيا واقتصاديا، وقد تصدر أحيانا من مواطنين جالسين بمقهى مكيف، بواسطة هاتف من الجيل الأخير، وعبر شبكة ألياف بصرية أنشأها البلد الذي يعلنون وفاته كل صباح. الأرقام، لحسن الحظ، أكثر إنصافا. فحسب تقرير البنك الدولي، الصادر في يوليوز 2026، حقق الاقتصاد المغربي نموا بنسبة تقارب 4.9 في المائة سنة 2025، وهي أقوى وتيرة خلال 10 سنوات، وتراجع التضخم إلى 0.8 في المائة، واستعاد المغرب تصنيفه السيادي ضمن درجة الاستثمار. وهذا التصنيف لا تمنحه وكالة دولية اعتباطا، بل يلخص تقديرها لقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وصلابة مؤسساتها وتوازناتها المالية وآفاق اقتصادها. وأبرز ما يفسر هذا التحول أن المغرب لم يبن منشآت متفرقة، بل منظومة اقتصادية وصناعية ولوجستيكية تتصل عناصرها ببعضها. فطنجة المتوسط، مثلا، لم يضف رصيفا كبيرا إلى الساحل فحسب، وإنما غيّر وظيفة المغرب داخل التجارة الدولية. لم يعد البلد واقفا على ضفة المتوسط يراقب السفن تعبر أمامه، بل صار يستقبلها ويوجهها ويربط حمولتها بالمصانع والمناطق الصناعية والأسواق، عبر شبكة من الطرق والطرق السيارة والسكك والمطارات والموانئ يجري توسيعها باستمرار. ومن المنطق نفسه خرج القطار فائق السرعة، وتوسعت شبكات النقل الحضري، وتأتي مشاريع 2030 لتسرع تجهيزات كان البلد يحتاج إليها أصلا، على أن تقاس قيمتها بما سيبقى للمواطن بعد انتهاء المباريات، لا بما سيلتقطه الزائر من صور خلالها. ومن حولِ هذه البنية نشأت صناعة سيارات تضم مصانع كبرى ومئات الموردين وشبكات للتكوين، وتنتقل تدريجيا نحو السيارة الكهربائية والبطاريات ومكوناتها. وصناعة الطيران أكثر حساسية في هذا الباب، فحين تختار شركات عالمية تصنيع جزء من منظومتها في المغرب، فهي تضع جزءا من سمعتها وسلامة منتجها وجدول تسليمها في يد المنظومة المغربية. ويكتمل هذا النظام بقطب مالي في الدار البيضاء حافظ على صدارته الإفريقية، وببنوك وشركات اتصالات وتأمين وأسمدة وبناء وخدمات راكمت حضورا داخل القارة. لكن القوة لا توجد في الموانئ والمصانع وحدها. ففي عالم تتقلب فيه سلاسل الإمداد وتهدد الحروب والجفاف أسعار الغذاء، يصبح الفوسفاط أحد مفاتيح الأمن الغذائي العالمي. والمغرب، الذي يملك أكبر احتياطات الفوسفاط المعروفة عالميا، بنى حوله صناعة للأسمدة ومراكز للبحث وخبرة في تكييف التركيبات مع التربة والمحاصيل وحضورا إفريقيا متزايدا. وبما أن المغرب لا يملك احتياطات كبيرة من النفط والغاز، اضطر إلى البحث عن قوة من نوع آخر: الشمس والرياح والربط الكهربائي ومشاريع الهيدروجين الأخضر. كما تحولت تحلية المياه وربط الأحواض وبناء السدود وإعادة استعمال المياه العادمة وتقليص ضياع الشبكات إلى عناصر من الأمن القومي، لا سيم أن المغرب يمتلك قطاعا فلاحيا مهما. كما أصبح المغرب يتصدر الوجهات الإفريقية فيما يخص السياحة، متقدما على منافسيه التاريخيين، فالمغرب يقدم داخل بلد واحد تنوعا جغرافيا وثقافيا ولغويا وعمرانيا قل نظيره، فضلا عن شبكة المطارات والطرق والقطارات، والاستقرار والأمن، والقرب من أوروبا، وثقافة الاستقبال، ثم ملايين المغاربة الذين يحملون صورة بلدهم إلى الخارج. ثم جاءت كرة القدم لتوسع القوة الناعمة نفسها: بلوغ مراتب متقدمة وتقديم صورة مشرفة في منافسات قارية وعالمية، وحضور متزايد للأندية والمنتخبات واللاعبين المغاربة. ومن القوة الناعمة نصل طبيعيا إلى الدبلوماسية. فالمغرب راكم، خصوصا في ملف الصحراء، تحولات في مواقف دول وافتتاح قنصليات ودعما متزايدا لمبادرة الحكم الذاتي، وربط حضوره في إفريقيا بالاستثمار والتكوين والتعاون الديني والأمني، لا بالخطب وحدها. وقد يختلف تقييم كل خطوة، لكن ميزة السياسة الخارجية المغربية أنها لا تبدأ من الصفر كلما تغيرت الحكومة. ففي القضايا السيادية توجد ذاكرة للدولة واستمرارية في الاتجاه، وقدرة على التعامل مع شركاء متعارضين من دون تبني مواقفهم كاملة. غير أن هذا لا يعفي المغرب من النظر إلى ما لم ينجح فيه بعد. فالتعليم والصحة يظلان، رغم محاولات الإصلاح، المجالين اللذين يشعر فيهما المواطن بوضوح بالفجوة بين الإنجازات والأعطاب. كما يمتلك المغرب رصيدا أمنيا لا يستهان به. فقد راكمت أجهزته خبرة في تفكيك الخلايا الإرهابية وتتبع المقاتلين والشبكات العابرة للحدود، وساهمت في إحباط مخططات داخل دول شريكة. ولقد طور المغرب قدراته الدفاعية الجوية والبرية والبحرية، ويواصل تحديث المراقبة والدفاع والصيانة ومحاولة بناء قاعدة صناعية محلية. والقوة لا تظهر فقط في سلاح يوجه إلى عدو، ولكنها تظهر أيضا حين تستعمل الطائرة لحماية قرية وغابة من النار. ويمنح أسطول طائرات كانادير ووسائل التدخل الجوي الأخرى البلد قدرة على اختصار الساعات الحاسمة بين اندلاع الحريق وتحوله إلى كارثة. وخارج الحدود، يشارك أكثر من 1300 عنصر مغربي في بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام، أي أن المغرب لا يتحدث عن الاستقرار فقط، بل يدفع جزءا من كلفته. والمنطق نفسه يفسر مقاربته في فلسطين. فبصفته رئيسا للجنة القدس، لطالما وجه مساعدات غذائية وطبية إلى غزة والضفة، وواصل عبر وكالة بيت مال القدس عملا يوميا داخل المدينة. والأهم أن علاقاته مع إسرائيل، مهما أثارت من اعتراضات، منحته قنوات أتاحت مرور مساعدات عبر مسار بري استثنائي، بدل الاكتفاء بإسقاطها من الجو أو تكرار الشعارات. فالعلاقة الدبلوماسية قد تكمن قيمتها تحديدا في إبقاء باب يمكن أن تمر منه مساعدة أو وساطة أو رسالة حين تغلق الأبواب الأخرى. ففي السياق ذاته، يمكن لإسبانيا أن تعلن دعمها الشفوي لفلسطين وحتى أن تقدم مساعدات… هذه هي السياسة التي اختارها اليوم الحزب الحاكم… لكن هذا لا يمنع من أن نكشف التناقض بين خطاب إسباني مناهض للاحتلال والتمسك بسبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة ورفض فتح ملف هذا الإرث على الضفة الجنوبية للمتوسط. كما يحق للمغاربة أن يتعاطفوا مع الفلسطينيين ومع ضحايا الحروب في اليمن وإفريقيا وأوكرانيا وغيرها، من دون أن تتحول أي قضية خارجية إلى ا

مريم أحوجيلمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

two + ten =

Check Also

نقابة صحية بأزيلال تندد بـ”مؤامرة” لطرد ممرض من سكنه الوظيفي

كشفت الجامعة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل بأزيلال العمق المغربيمص…