Home الصحافة المغربية منَ الصَّالُون إلى الدَّوَّار

منَ الصَّالُون إلى الدَّوَّار

منَ الصَّالُون إلى الدَّوَّار

ثمة حملات انتخابية تبدأ من الشارع، تنزل إلى الناس، تصغي إلى صحبِ المدن وأسئلتها ومطالبها؛ وثمة حملات أخرى تختار لنفسها جغرافيا أكثر راحة: فيلا واسعة، صالون فسيح، أرائك مصطفّة بعناية، طاولة تلمع فوقها كؤوس الشاي، وستائر ثقيلة تحجبُ الخارج بما فيه من ازدحام وأسئلة مُحرجة. هكذا تبدأ السياسة في هدوء أنيق. يدخل المرشح من باب كبير، تستقبله وجوهٌ تعرف متى تبتسم ومتى تصفِّق، يجلس الجميع في أماكن محسوبة، تلتقط الهواتف الصّور، تتبادل العبارات الودية، ويبدو اللّقاء كأنه اجتماع عائليّ فاخرٌ أضيفَت إليه بعضُ الكلمات عن الوَطن والمواطنين. لا أحد يسأل عن الحافلة التي لا تصل، ولا عن الحي الذي يختنق كل صباح، ولا عن الشّاب الذي يحملُ شهادته منذ سنوات، ولا عن التّاجر الذي يحسبُ خسائره آخر النهار. الصَّالون مرتب أكثر مما ينبغي، والأسئلة كذلك. من مجالس الأعيان إلى ممرات القرى وحين تخرج الحملة من رحاب الفيلات، لا تتجه غالبًا إلى قلب المدينة حيث تختلط الطبقات والمصالح والغضب والتناقضات. تقفز مباشرة إلى قرية بعيدة أو مدشر هادئ، فتجدُ هناك مشهدًا آخر جاهزًا لاستقبالها. أهل الدوار كُرماء بطبعهم، يفتحون الأبواب، يفرشون ما توفَّر، يُعدّون الشّاي والطّعام، يرتدي بعضُهم أجملَ ما عنده، يقتربُ الأطفال بفُضول، يتقدّم الشّيوخ للسَّلام، وتعلو الزغاريد أحيانًا لأن الضّيف في ثقافة النّاس ضيفٌ قبل أن يكون مُرشّحًا. يصل موكب السيارات اللامعة إلى الطريق الترابي، فيتحول الغبار فجأة إلى خلفية فوتوغرافية مُمتازة. ينزل المرشح بابتسامة مدروسة، يصافح هذا، يعانق ذاك، يحمل طفلًا للحظات، ينصتُ إلى شيخ أمامَ الكاميرا، يتذوَّق لُقمة محَلِّية، يشربُ كأس شاي، ثم تنهالُ الصُّور التي تقولُ للمُشاهد: ها نحنُ في أعماقِ البلاد، ها نحنُ قريبُون منَ النّاس. ينْتهي التَّصوير، تغلق أبواب السيارات، يعودُ الغُبار إلى مهمَّته القَديمة، ويبقى أهْل القَرية مع الطَّريق نفسه، والمدرسة نفسها، والمستَوصف نفسه، والأسئلة نفسها. أما المدن، فتبدُو في هذه الخريطة الانتخابية كأنّها منطقة محْظورة. المدن الكبيرة مُزعجة؛ فيها موظّفون يسألون بالأرقام، عاطلون يسألُون عن الوُعود القديمة، طلبة يقارنون بين الخطاب والواقع، صحافيون قد يطرحون سؤالًا خارج السّيناريو، وسكان أحياء يعرفون جيدًا عدد الحفر في طرقهم وعدَد السَّنوات التي انتظرُوا فيها إصلاحها. والمدن المتوسّطة لا تقلّ خُطورة. فيها مواطنٌ يعرف المنتخبين بأسمائهم، يذكر المشاريع المؤجّلة، يتذكّر من جاء في الحملة السابقة ومن اختفى بعدها، يستطيع أن يحوّل جلسة انتخابية مرتبة إلى كشف حساب غير مرغوب فيه. لهذا تبدو الفيلا أكثر أمانًا. صاحب الدعوة معروف، الحاضرون معروفون، المقاعد محدَّدة، الضّيافة مُمتازة، والمفاجآت أقلّ. ويبدو المدشرُ أيضا مُريحًا بطريقته حيث الكرم الشعبي يوفر صورًا دافئة، الأطفال يمنحون المشهد براءة مجانية، النساء يجهزن الاستقبال، الرِّجال يتبادلون التحايا بفرح يشبه فرحة العيد. سياسَةٌ تخافُ الأرْصفةَ هكذا تصنع بعض الحملات مواطنًا مثاليًا يناسبُ الصُّورة يستقبلُ ولا يحاسب، يبتسمُ ولا يقاطع، يقدِّم الشَّاي ولا يفتح الملفات، يقف قرب المرشح للحظات ثم يترك للصُّورة مهمة الحديث باسمه. من هنا، تصنع هذه الحملاتُ مكانًا مثاليًا للسياسة أيضًا: فِيلا لا يسمعُ فيها المرشَّح صخبَ الشَّارع، وقرية تمنحُه كرَمَها قبل أن تسأله ماذا سيمنَحُها. أما المدينة، تلك الكتلة البشرية الصاخبة التي لا تتزين لقُدوم أحَدٍ، ولا تُرتِّبُ أسئلتها، ولا تضعُ البطالة خلف السِّتار، ولا تُخْفي الازدحامَ تحت السَّجاد. يسمع الناس كلامًا عن القُرب والإنْصات والميدان والعُمق التّرابي، تتكرَّر الكلماتُ حتّى تفقِدَ معناها وتكتسبَ لمعانًا انتخابيًا صالحًا للنَّشر. يزور المرشح مكانًا لساعتين فيتحدَّث كأنه عاش فيه عُمرًا، يصافح عشرة أشخاص فيعلن أنه “استمع إلى نبض السَّاكنة”، يشربُ كأسَ شايّ فيُطَمِئنُ الجَميع إلى أنَّ العَلاقة مع الأرض ما زالَت بخير. الحملة التي تفضّل الضيوف على المواطنين لذلك تُفضّل بعض الحملات مواطنًا يصلحُ خلفية للمشهد لا شريكًا فيه. لا تكشف هذه الحملات فقط أين يذهبُ المرشحون، إنها تكشف أيضًا الأماكن التي يحرصون على تجنُّبها. فالسياسة التي تختار دائمًا الأبواب الواسعة، والصالونات المريحة، والاستقبالات المضمونة، والوجوه المستعدة للابتسام، تقولُ عن نفسها أكثر مما تقوله في خطبها. وحين لا يعرف المرشّح طريقه إلى الناخب إلاّ إذا اسْتقبلَه سَجّاد الفِيلا، واحتضَنه ترحابُ الدوّار، ثم يضيعُ منه العُنوان عند أوَّل رصيفٍ مُكتظّ في المدينة، نَفهمُ أن بعض الحَملات لا تبحثُ عن مواطنين؛ تبحثُ عن “ناخِبٍ للوَاجهة”، مُهذّب، مُبتسم، قليلِ الأسْئلة، صَالح للصُّورة أكثرَ ممَّا هو صالحٌ للنِّقاش. أمّا المواطنُ الحقيقي، ذلك الذي لا يصفّقُ عند الإشارة، ولا يبتسمُ لأن المصوّر رفع الكَاميرا، ولا يسكبُ الشّاي قبل أن يسمعَ جوابًا، فتتعاملُ معه الحَمْلة مثلَ عَطبٍ تقني مُفاجئ: يُربكُ البرنامج، يُفسد اللّقْطة، ويُذكِّرُ الجميع بأن الانتخابات ليست جلسَة تصوير. لهذا، حين تُفتح صناديقُ الاقتراع، تُصيب بعض الحملات دهْشة لا تخلُو من الطَّرافة؛ فقد أحسنَت اختيارَ الزَّوايا، رتّبت المُصافحات، جمَعت الابتسامات، وَوزّعت الحُضور بعِنَاية، ثم اكتشفَت في النهاية أن الصُّورة لا تَنتخِبُ، وأنَّ “ناخبَ الوَاجهة” قد يبتسمُ للكاميرا ثم يُصوّتُ في مكانٍ آخرَ. لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر. The post منَ الصَّالُون إلى الدَّوَّار appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد الفتاح لحجمريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

4 × 5 =

Check Also

الخيمة الصحراوية تتألق بكوبنهاغن

فرضت الخيمة الصحراوية، رمز الثقافة الحسانية، التي أقيمت في قلب معرض الصناعة التقليدية المغ…