من المحيط إلى الضيعات .. تحلية مياه البحر تنقذ الإنتاج الفلاحي بسوس

في جهة سوس ماسة، وبالضبط في إقليم اشتوكة آيت باها، كان الجفاف قد بدأ يخط البؤس على وجوه فلاحي هذا الإقليم بسبب تراجع الموارد المائية التقليدية وتفاقم العجز في التساقطات، الذي وصل في السنة الفلاحية 2023-2024 إلى ناقص 42 في المائة مقارنة مع المعدل السنوي الطبيعي؛ فالآبار نضبت والسماء لم تعد تجود بما يكفي. وبينما كان الجميع على وشك الاستسلام، جاءت النجدة من منقذ لم يكن في الحسبان: المحيط الأطلسي.
ماء مالح صار، بعد خضوعه لمعالجة أولية دقيقة ثم إلى تحلية عن طريق ما يُعرف بتقنية “التناضح العكسي” (Osmose inverse) وصولا إلى الحُقول عبر شبكات توزيع ضخمة من خلال محطة تحلية مياه البحر باشتوكة، حلا مستداما لم يكن يوما في معادلة الفلاحة بالمنطقة، قبل أن يبرز كحليف للأرض والإنسان في مواجهة ضيف ثقيل وعنيد حل على المغرب اسمه “الجفاف”.

مياه البحر المحلاة تزرع الأمل
يتذكر عبد العزيز معناوي، فلاح ورئيس جمعية الفلاحين المنتجين باشتوكة آيت باها، الذي رافق طاقم جريدة هسبريس في جولة داخل ضيعته الخاصة بالطماطم بدوار “إنشادن”، بأسى وقع توالي سنوات الجفاف وتوقف الري عبر المدارات المسقية انطلاقا من السدود، على النشاط الفلاحي بالمنطقة، وكيف كان الفلاحون يُراقبون بكل حزن خيوط الشمس تحرق ما تبقى من خضرة الحقول والضيعات.
تحدث معناوي عن تلك الأيام العصيبة وعن تحديات السوق والإنتاج وعن ماء البحر الذي أعاد زراعة الأمل في قلوبهم، مُبرزا أن “محطة تحلية مياه البحر المحدثة مؤخرا بالمنطقة لعبت دورا كبيرا في الحفاظ على الاستثمارات الفلاحية، خاصة بعد الانخفاض الحاد في معدل التساقطات السنوي المُسجل بجهة سوس ماسة، من خلال تزويد آلاف الهكتارات الفلاحية بالمياه المحلاة”.

وأضاف المتحدث ذاته أن المحطة، التي أُنشئت بكلفة فاقت 4 مليارات و400 مليون درهم منها أكثر من مليار ونصف المليار درهم عبارة عن مساهمة من الدولة، جاءت حاملة معها شعار “إنقاذ منطقة اشتوكة”، مُؤكدا أن “الفلاحين استشعروا بعدها الواقع الحقيقي لهذه المحطة التي لم تنقذ اشتوكة فقط؛ بل أنقذت المغرب بشكل كامل، باعتبار أن المنطقة هي المزود الأول للأسواق الوطنية بالخضر، كما تحتل مراتب متقدمة على مستوى الصادرات إلى الخارج”.
دفعت “الأزمة المائية”، التي ضربت القطاع الفلاحي باشتوكة خاصة وجهة سوس ماسة على وجه العموم، عددا من الفلاحين إلى نقل زراعتهم إلى مناطق أخرى حيث يوجد الماء بكميات أكبر نسبيا؛ غير أن “اختلاف الطقس وكذا التربة ما بين سوس وتلك المناطق أفشل هذه الزراعات”، أكد أحمد مفلح، مدير الفيدرالية البيمهنية المغربية لإنتاج وتصدير الفواكه والخضر “FIFEL”.

وشرح المتحدث ذاته لهسبريس أن “محطة تحلية مياه البحر جاءت لتنقذ النشاط الفلاحي باشتوكة في وقت اضطر فيه بعض الفلاحين إلى الاستعانة بصهاريج المياه لسقي مزروعاتهم وإنقاذ إنتاجهم”، مُشدّدا على أن “تحلية مياه البحر وتوجيهها نحو النشاط الفلاحي هو الحل الوحيد المطروح اليوم، هذا الحل غير التقليدي الذي بعث الآمال في قلوب فلاحي المنطقة، وساعدهم على الاستمرار في الإنتاج والثقة في المستقبل، لأنه (إيلا مكان الما تترحلْ)”، في إشارة إلى الارتباط الوثيق ما بين عنصري الأرض والماء في الفلاحة.
محطة اشتوكة تنقذ الاستثمارات الفلاحية
بهدف التعرف عن قرب على هذه المنشأة التي أعادت الفلاحين لزراعة حقولهم بعزيمة أكبر، انتقلت جريدة هسبريس الإلكترونية إلى منطقة الدويرة بجماعة إنشادن بإقليم اشتوكة آيت باها، حيث محطة تحلية مياه البحر، هذا المشروع الذي أُنشئ تفعيلا لتوجيهات الملك محمد السادس المتضمنة في البرنامج الوطني للتزود بالماء الشروب ومياه السقي (2020/2027)، في إطار استراتيجية وطنية لتعزيز الحكامة المائية وتخفيف الضغط على الفرشة المائية بالموازاة مع ضمان الأمن الغذائي والمائي للمغاربة.

تصل السعة الإنتاجية الحالية لمحطة تحلية مياه البحر باشتوكة آيت باها، التي جاءت في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص وتستفيد منها مئات الضيعات الفلاحية بالمنطقة، إلى 275 ألف متر مكعب في اليوم؛ 150 ألفا منها موجهة للماء الصالح للشرب، و125 ألفا المتبقية موجهة للري، تسقي أكثر من 15 ألف هكتار، إضافة إلى 10 آلاف أخرى في شكل طلبات للاستفادة من خدمات المحطة.
ومن المتوقع أن يساهم مشروع توسعة المحطة في إضافة 125 ألف متر مكعب إلى سعتها الإنتاجية الحالية؛ منها 75 ألفا موجهة للسقي الفلاحي، والمتبقي للاستهلاك المنزلي، وبالتالي الوصول إلى السعة الكاملة، متمثلة في 400 ألف متر مكعب يوميا، موزعة بالتساوي بين الفلاحة والماء الشروب.

ويأتي هذا المشروع استجابة للطلب المتزايد على المياه المحلاة من طرف فلاحي ومنتجي المنطقة، فسّر نور الدين كسا، المدير الجهوي للفلاحة بجهة سوس ماسة، الذي أشار في بداية حديثه مع هسبريس حول سياق إنشاء هذه المحطة بجهة سوس ماسة إلى أن “هذه الأخيرة معروفة بديناميتها الفلاحية وفلاحيها، حيث إن نجاح المنطقة كان نتاج التقاء عوامل متعددة؛ أهمها الطقس واليد العاملة المؤهلة، وتوفر بنية تحتية للإنتاج والتثمين، ثم مواكبة الدولة لهذه الدينامية عبر مختلف استراتيجياتها على غرار الجيل الأخير فضلا عن دعم الفلاحين الصغار والمتوسطين والكبار”.
في المقابل، أفاد المسؤول الجهوي ذاته بأن “تراجع معدل التساقطات السنوي وتأثير ذلك على حقينة السدود وعلى مياه الري دفع الدولة إلى التفكير في حلول ناجعة للحفاظ على القطاع الفلاحي، الذي يخلق 9 مليارات درهم كقيمة مضافة ويحتضن استثمارات بقيمة تناهز 3 مليارات درهما إلى جانب تشغيل يد عاملة مهمة”.

وزاد شارحا: “من هنا، جاءت فكرة تعبئة مياه غير اعتيادية. ونتحدث هنا عن تحلية مياه البحر، حيث كان للمنطقة شرف احتضان أول محطة موجهة للسقي وللماء الشروب على الصعيد الوطني، والتي مكنت اليوم بعد نحو ثلاث سنوات من الاستغلال من تنمية القطاع الفلاحي بالمنطقة خاصة فيما يتعلق بإنتاج البواكر”.
الأمن الغذائي والمائي.. سياسة ملكية
أن تروي مياه الشواطئ المالحة الحقول كان في بدايته أشبه بفكرة خرافية قبل أن تتحول إلى “نموذج في تدبير أزمة المياه الفلاحية”، أوضح أحمد بونعمة، رئيس جمعية الفلاحين المتحدين بسوس ماسة، الذي أقر بأن “إنشاء محطات تحلية تصفية الماء كان حلا ضروريا ساهم على الأقل في ضمان استمرارية النشاط الفلاحي بالجهة والحفاظ على المساحات الحالية المغروسة؛ وبالتالي ضمان تزويد الأسواق الداخلية والخارجية بمختلف المنتجات الفلاحية”.

واعتبر بونعمة، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “السياسة الحالية للدولة بإنشاء محطات للتحلية في مختلف ربوع المملكة هي فكرة تبلورت أكثر بعد تجربة محطة تحلية اشتوكة التي كانت نموذجا جعل الجميع يقتنع بأن إنشاء محطات لتحلية مياه البحر أضحى حلا استراتيجيا لضمان استدامة الفلاحة والحفاظ على الفرشة المائية”.
وفي ظل الإشكالات التي واجهتها لتحقيق الأمن المائي والغذائي لمواطنيها، أرسى المغرب، تحت قيادة الملك محمد السادس، دعائم سياسة وطنية جديدة في إطار كل من استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030، والبرنامج الوطني للتزود بمياه الشرب والري 2020-2027، التي ركزت على تعزيز البنية التحتية المائية من خلال تشييد السدود الكبرى والصغرى، وإنشاء محطات لتحلية مياه البحر، فضلا عن إنجاز برامج التحويل إلى الري الموضعي، وإشراك المواطنين في معركة مواجهة التحديات المناخية من خلال إشاعة الثقافة المائية السليمة.

وشدد الملك محمد السادس، في خطاب وجهه إلى الأمة بمناسبة عيد العرش الذي صادف الذكرى الـ25 لتربعه على العرش، على أهمية “التحيين المستمر لآليات السياسة الوطنية للماء، وتحديد هدف استراتيجي، في كل الظروف والأحوال، وهو: ضمان الماء الشروب لجميع المواطنين، وتوفير 80 في المائة على الأقل، من احتياجات السقي، على مستوى التراب الوطني”.
لم يكن فلاحو سوس، الذين ألفوا العيش على إيقاع الفصول، مقتنعين بحل تحلية مياه البحر واستعمالها لأغراض فلاحية؛ لكنه اليوم أضحى حلا مستداما “يعطي ارتياحا ورؤية مستقبلية للمنتجين الذين يتأكدون بأن لديهم الماء الكافي لسقي مزروعاتهم، وكذلك ارتياحا بالنسبة للمصدرين إلى الخارج في إطار التزامهم مع زبنائهم”، أورد يوسف الجبهة، رئيس الغرفة الفلاحية لجهة سوس ماسة.

سعر المياه.. تكلفة أم استثمار؟
ارتياح يقابله هاجس يؤرق بال الفلاحين، وهو ذاك المتعلق بتعريفة بيع المياه المحلاة التي يرونها مرتفعة تزيد من تكاليف الإنتاج المثقلة بارتفاع أسعار المدخلات الفلاحية في السوق العالمية، خاصة بعد جائحة كورونا؛ وهو ما يفرض ضغوطا على هوامش الربح المرتبط بدوره بالاستمرارية.. ومع ذلك فإن حل تحلية مياه البحر يبقى، حسبهم، الحل الوحيد الذي تمليه الضرورة أكثر من الرفاهية”.
“مُكره أخاك لا بطل”، هكذا عاد عبد العزيز معناوي، رئيس جمعية الفلاحين المنتجين باشتوكة آيت باها، ليُعلق على سؤال تكلفة مياه البحر المحلاة، شارحا أن “سعر المتر المكعب الواحد من المياه المحلاة يناهز خمسة دراهم؛ في حين كان سعر مياه السدود قبل انقطاع التزود لا يتجاوز درهما واحدا للمتر المكعب، مع ما يعنيه ذلك من تأثير على كلفة الإنتاج التي تأثرت أيضا بارتفاع أسعار المدخلات الفلاحية منذ أزمة كورونا”.

في السياق نفسه، تساءل نور الدين كسا، المدير الجهوي للفلاحة بجهة سوس ماسة، قائلا: “أية كلفة أغلى من التكلفة الحقيقية التي تتحملها الفرشة المائية؟”، مُنوها إلى أن “تكاليف إنتاج متر مكعب واحد من الماء المحلاة، بما في ذلك تكاليف التجهيز والتشغيل والضخ والصيانة، أكبر بكثير من السعر الذي يباع به إلى الفلاحين، بفضل استثمارات الدولة في هذه المشاريع”.
وأكد المسؤول الجهوي الفلاحي ذاته أن “توفير المياه المحلاة للفلاحين تحت الطلب وبسعر خمسة دراهم خارج الرسوم بالنسبة للمتر المكعب الواحد هو خدمة ممتازة؛ غير أن عنصر التثمين هنا يلعب دورا مهما في خفض هذه التكلفة”.

قد تبدو تكلفة المياه المحلاة مرتفعة قياسا بالمياه الاعتيادية؛ لكن عندما نضع في الحسبان استمرارية الإنتاج الفلاحي وتخفيف الضغط على الموارد المائية، فإن الأمر ينظر إليه على أنه استثمار في المستقبل وليس مجرد عبء على التكلفة، أبرز أحمد بونعمة، رئيس جمعية الفلاحين المتحدين بسوس ماسة، موضحا أن “العديد من الفلاحين تحدثوا في بداية تشغيل محطة اشتوكة عن ارتفاع سعر المياه المحلاة؛ غير أنه مع اشتداد الحاجة إلى الماء بشكل عام أصبح ينظر إلى هذه المحطة كنموذج”.
تثمين الماء.. مفتاح تغطية التكاليف
وفي وقت تتوقع فيه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “FAO” زيادة في الطلب والإنتاج العالميين من المياه المحلاة في العقود المقبلة، تؤكد مسودة نقاش طرحت ضمن أشغال الاجتماع السادس للجنة الفنية المشتركة رفيعة المستوى للمياه والزراعة بجامعة الدول العربية، في أواسط أكتوبر الماضي، أن “استخدام موارد البحر يسمح بإنتاج مياه مستقلة عن الظروف المناخية وداخل جودة عالية وعُرضة أقل للتلوث والمخاوف المتعلقة بالصحة العمومية”.
المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا
زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…











