من خطاب “تحرير المدن المحتلة” إلى خطاب “الاسترداد”.. أزمة سبتة تنقل الخلاف المغربي الإسباني إلى المجال الديني

لم يعد الخلاف المغربي الإسباني حول سبتة ومليلية محصوراً في التصريحات الحكومية والمواقف الحزبية والجدل المرتبط بالهجرة وأمن الحدود، بل بدأ يستحضر بصورة متزايدة الرموز والخطابات الدينية والتاريخية، في تطور أعاد إلى الواجهة البعد الهوياتي للنزاع حول المدينتين الواقعتين على الساحل الشمالي للمغرب. وبعد أن استحضر وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربي أحمد التوفيق قضية سبتة ومليلية في خطاب ديني ألقاه أمام الملك محمد السادس خلال مناسبة رسمية بالقصر الملكي في الرباط، جاء الدور على شخصية دينية بارزة في الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية، هي رئيس أساقفة أوفييدو خيسوس سانز مونتيس، الذي ربط أزمة سبتة بمفهوم “الاسترداد” المسيحي، متحدثاً عن ضرورة “استعادة ما يستحق أن يُستعاد” في مواجهة ما وصفه بـ”المطامع المغربية”ـ وفق ما جاء موقع “لاراثون”. وكان التوفيق قد استحضر في كلمته، في 25 غشت، ما وصفته وسائل إعلام إسبانية بـ”المدن المحتلة” في إشارة إلى سبتة ومليلية، متحدثاً عن “الجهاد” أو “الكفاح المقدس” من أجل تحرير المدن الواقعة تحت الاحتلال، في خطاب أُلقي خلال حفل ديني ترأسه الملك محمد السادس. واعتبرت وسائل إعلام إسبانية أن توقيت الإشارة ومكانها، بعد أسابيع من أزمة سبتة، منحاها دلالة سياسية تتجاوز البعد الديني والتاريخي للكلمة. وفي المقابل، اختار سانز مونتيس، أحد أبرز الأساقفة المعروفين بمواقفه المحافظة وتدخله المتكرر في القضايا السياسية والاجتماعية، موقعاً دينياً لا يقل رمزية في الذاكرة الإسبانية؛ “كوفادونغا” في أستورياس. وفي رسالة نشرها على منصة “إكس” في الثالث من سبتمبر، وأوردها موقع “لاراثون”، قال رئيس أساقفة أوفييدو إن إسبانيا “أظهرت تضامنها مع سبتة ومليلية”، مضيفاً أن كوفادونغا، حيث كانت تقام تساعية “سانتينا”، هي “مكان الاسترداد” الذي يذكّر، بحسب تعبيره، بضرورة “استعادة ما يستحق أن يُستعاد، وما يدعمنا ويعرّفنا”، في مواجهة “المطامع المغربية” و”تقاعس حكومة فاشلة”. وبذلك لم يكتف رجل الدين الإسباني بتأييد التحركات التي شهدتها مدن إسبانية دعماً لسبتة، بل وضعها في إطار رمزي تاريخي مرتبط بـ”الاسترداد”، وهو المصطلح المستخدم في السردية الإسبانية للإشارة إلى سلسلة الحروب والمراحل التي انتهت بسقوط غرناطة عام 1492 وانتهاء الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية. “كوفادونغا”.. المكان الذي اكتسب رمزيته من “الاسترداد” وتكتسب تصريحات سانز مونتيس أهمية إضافية من المكان الذي صدرت منه. فكوفادونغا، الواقعة في أستورياس شمال إسبانيا، ليست مجرد مزار ديني كاثوليكي، بل ترتبط في الذاكرة التاريخية الإسبانية ببداية مرحلة “الاسترداد”، إذ تنسب الرواية التقليدية إلى معركة كوفادونغا في القرن الثامن بداية مقاومة الممالك المسيحية للحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية. ويحظى مزار سيدة كوفادونغا، أو “سانتينا”، بمكانة دينية ورمزية خاصة في أستورياس، فيما أصبحت كوفادونغا على مر العقود جزءاً من السردية الوطنية الإسبانية المرتبطة بالدين والتاريخ والهوية. وتقام في المزار خلال هذه الفترة تساعية دينية تنتهي في 8 سبتمبر، وهو اليوم الذي يحتفل فيه الأستوريون بعيد “سانتينا”، شفيعة أستورياس. ومن هنا، فإن استخدام رئيس الأساقفة تعبير “مكان الاسترداد” في سياق الحديث عن سبتة والمغرب لم يكن مجرد إشارة دينية عابرة، بل حمل، بحسب وسائل إعلام إسبانية، حمولة تاريخية وهوياتية واضحة. وقالت صحيفة “إل باييس” إن سانز مونتيس ربط مظاهرات سبتة بما سمته الصحيفة “الاسترداد المسيحي للأندلس”، بينما أشارت “لا راثون” إلى أنه استغل مناسبة التساعية الدينية في كوفادونغا لربط رمز المكان بالتطورات السياسية الأكثر سخونة في إسبانيا. من هو خيسوس سانز مونتيس؟ خيسوس سانز مونتيس، وهو راهب فرنسيسكاني، يتولى منصب رئيس أساقفة أوفييدو منذ عام 2009، وفق الموقع الرسمي لمؤتمر الأساقفة الإسبان. وسبق له أن تولى أسقفية جاكا وهويسكا قبل انتقاله إلى أبرشية أوفييدو. كما يحمل تكويناً أكاديمياً في اللاهوت، بينها دكتوراه في اللاهوت المقدس من المعهد البابوي الأنطوني في روما. ولا يشغل سانز مونتيس منصباً حكومياً أو حزبياً، ولا يمثل تلقائياً الموقف الرسمي للكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا. لكن موقعه كرئيس أساقفة لإحدى أهم أبرشيات البلاد، إضافة إلى حضوره الإعلامي وتصريحاته المتكررة في قضايا الهجرة والسياسة والمجتمع، يجعل مواقفه موضع متابعة واسعة. وتشير وسائل إعلام إسبانية إلى أن سانز مونتيس سبق أن اتخذ مواقف مخالفة أو أكثر تشدداً من الخطاب العام لمؤتمر الأساقفة الإسبان في قضايا الهجرة والإسلام، ما يجعل تصريحاته بشأن سبتة مرتبطة أيضاً بمساره الشخصي داخل النقاش العام الإسباني. خطابان دينيان في ضفتين وتكشف المقارنة بين خطاب التوفيق وتصريحات سانز مونتيس عن مفارقة لافتة؛ ففي المغرب، جاء استحضار سبتة ومليلية من وزير مكلف بالشؤون الدينية في الحكومة، وفي مناسبة دينية رسمية بحضور الملك؛ وفي إسبانيا جاء استحضار القضية من رئيس أساقفة، وفي مزار ديني شديد الارتباط بالسردية التاريخية الإسبانية. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تنسيق أو “مواجهة دينية” مباشرة بين الطرفين، إذ لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، تصريحات من أي منهما تقول إن خطابه جاء رداً على الآخر. لكن التسلسل الزمني يجعل من الصعب تجاهل انتقال قضية سبتة من المجال السياسي والأمني إلى مجال الرموز الدينية والتاريخية. ففي الحالة المغربية، أُعيد إدراج سبتة ومليلية ضمن سردية تاريخية مرتبطة بتحرير الأراضي التي يعتبرها الخطاب الرسمي المغربي واقعة تحت الاحتلال الإسباني. وفي الحالة الإسبانية، أعيد استحضار كوفادونغا و”الاسترداد” باعتبارهما رمزين لتاريخ إسبانيا المسيحية، في سياق الحديث عن “المطامع المغربية”. هل يمثل سانز مونتيس موقف الحكومة الإسبانية؟ حتى الآن، لا يظهر في التغطيات المنشورة تعليق رسمي من الحكومة الإسبانية على تصريحات رئيس أساقفة أوفييدو تحديداً، كما لم يعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أو وزارة الداخلية أو الخارجية تبني هذا الخطاب الديني. وتبرز هذه النقطة لأن تصريحات سانز مونتيس لم تقتصر على المغرب، بل تضمنت أيضاً انتقاداً مباشراً للحكومة الإسبانية، إذ وصف طريقة إدارتها لأزمة سبتة بأنها “حكومة فاشلة” أو “حكم فاشل”. وقد تناولت وسائل إعلام إسبانية التصريح باعتباره موقفاً شخصياً لرئيس الأساقفة وليس بياناً صادراً عن الحكومة أو عن المؤسسات الرسمية للدولة. كما لم يظهر، أي موقف رسمي من مؤتمر الأساقفة الإسبان يتبنى عبارات “الاسترداد” أو “المطامع المغربية” التي استخدمها سانز مونتيس. وهذه مسألة مهمة في قراءة الخبر، لأن رئيس أساقفة أوفييدو، رغم مكانته الكنسية، لا يتحدث باسم الحكومة الإسبانية ، كما لا يمكن اعتبار كلامه موقفاً رسمياً للكنيسة الإسبانية بأكملها. أما على المستوى الحزبي، فقد جاءت تصريحات سانز مونتيس في مناخ سياسي شهد تعبئة واسعة حول سبتة وانتقادات من أحزاب المعارضة للحكومة بسبب طريقة إدارتها للأزمة. لكن، حتى الآن لم تصدر أية ردود فعل من الحزب الشعبي أو حزب “فوكس” لعبارات رئيس الأساقفة نفسها. وفي المقابل، كان الجدل السياسي حول سبتة قائماً أصلاً بين الحكومة والمعارضة، بما في ذلك داخل البرلمان الإسباني. حين تدخل الرموز الدينية إلى نزاع سياسي ويشير هذا التطور إلى أن أزمة سبتة بدأت تنتج خطاباً يتجاوز الأسئلة المتعلقة بالهجرة وحراسة الحدود، ليمس قضايا التاريخ والهوية والدين. ففي الجانب المغربي، جاء استحضار التوفيق لسبتة ومليلية داخل خطاب ديني أمام الملك، وفي الجانب الإسباني جاء رد سانز مونتيس من كوفادونغا، أحد أكثر المواقع ارتباطاً في المخيال الإسباني ببداية “الاسترداد”. وبين خطاب “تحرير المدن المحتلة” في الضفة الجنوبية وخطاب “الاسترداد” في الضفة الشمالية، تبدو سبتة وقد انتقلت مرة أخرى من كونها ملفاً حدودياً وسياسياً إلى أن تصبح رمزاً في سرديتين تاريخيتين متعارضتين. وقد يكون هذا هو الجانب الأكثر حساسية في التطور الأخير؛ فحين تدخل الرموز الدينية والتاريخية إلى خلاف جيوسياسي قائم أصلاً، لا يعود النقاش متعلقاً فقط بمن يملك السيادة أو كيف تُدار الحدود، وإنما يصبح أيضاً نقاشاً حول الهوية والذاكرة التاريخية والدين، وهي مجالات يصعب فصلها عن المشاعر الجماعية في البلدين. وبذلك، فإن تصريحات رئيس أساقفة أوفييدو لا تبدو مجرد تعليق صادر عن رجل دين بشأن أزمة الهجرة في سبتة، كما أن استحضار أحمد التوفيق للمدينتين أمام الملك لم يكن مجرد إشارة تاريخية في كلمة مرتجلة. كلا الخطابين يكشفان، وإن من موقعين مختلفين، أن أزمة سبتة بدأت تستدعي لغة أوسع من اللغة الدبلوماسية التقليدية، لغة تستحضر التاريخ والدين لتفسير الحاضر وتحديد معنى الصراع حول المدينتين.
نحن وإسبانيا..لامجال للإبتزاز.. !
مدريد : عبد العلي جدوبي : اهتمت مختلف وسائل الاعلام الاسبانيه بخطاب جلاله الملك محمد الساد…




