Home اخبار عاجلة من يقود الآخر
اخبار عاجلة - September 2, 2026

من يقود الآخر

من يقود الآخر

لم يعد الإعلام الجديد مجرد شاشة صغيرة نحملها في أيدينا، أو منصة نفتحها لقتل دقائق الفراغ، بل أصبح قوة ناعمة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتعيد ترتيب أفكاره واهتماماته وأولوياته، وربما تحدد له ما الذي يجب أن يراه، وما الذي ينبغي أن يغضب منه، وما الذي يستحق أن يصفق له. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ فقد انتهى ذلك الزمن الذي كان فيه الجمهور ينتظر الصحيفة صباحًا، أو يجلس أمام التلفاز في موعد محدد ليستمع إلى الخبر أو يشاهد البرنامج. فاليوم الخبر يصل إلى الإنسان قبل أن يبحث عنه، والفيديو يلاحقه قبل أن يختاره، والرأي يتسلل إلى ذهنه في صورة مقطع قصير قد لا يتجاوز ثوانٍ معدودة. والأخطر من ذلك أن المتلقي لم يعد متلقياً، فقد أصبح الجميع إعلاميين بطريقة أو بأخرى: هاتف في اليد، وكاميرا جاهزة، وحساب يستطيع صاحبه من خلاله أن يصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص. وهذه واحدة من أعظم مزايا الإعلام الجديد، لكنها في الوقت ذاته واحدة من أخطر تحدياته، لأن حين يصبح كل شخص قادرًا على صناعة الخبر، يصبح السؤال أكثر أهمية: من يتحقق من الخبر؟ وحين يصبح كل شخص قادرًا على صناعة الرأي، من يحمي الحقيقة من الرأي؟ وحين تصبح الشهرة هدفًا بحد ذاتها، قد يصبح المحتوى الأكثر إثارة هو الأكثر انتشارًا حتى لو كان الأقل قيمة. المشكلة ليست في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في الإنسان الذي يستخدمها دون وعي. فالإعلام الجديد فتح أبواباً هائلة للمعرفة والتعلم والتواصل، ومنح الموهوبين فرصًا لم تكن متاحة لهم في الإعلام التقليدي. وأصبح شاب في قرية نائية قادرًا على صناعة محتوى يصل إلى العالم، وصاحب فكرة بسيطة يستطيع أن يحولها إلى مشروع، وصوت كان مغمورًا بالأمس أصبح قادرًا على الوصول إلى جمهور واسع دون أن يطرق أبواب مؤسسة إعلامية. وهذه ثورة تستحق الاحتفاء. ولكن لكل ثورة وجهًا آخر: فالسرعة التي صنعت قوة الإعلام الجديد هي نفسها التي تهدد عمق المعرفة. فنحن نعيش في زمن يختصر الفكرة في عنوان، والخبر في مقطع، والقضية في تعليق، والشخصية في صورة، والحقيقة في منشور قابل للمشاركة. ومع كثرة التدفق، أصبح الإنسان يعرف أشياء كثيرة، لكنه قد لا يعرفها بعمق. وهنا تكمن الخطورة، لأن جيلاً يعتاد على المعلومة السريعة قد يفقد صبره أمام الكتاب، ومن يعتاد على الإجابة الفورية قد يتراجع لديه شغف البحث، ومن يقضي ساعات طويلة في عالم المقارنات الافتراضية قد يبدأ في النظر إلى حياته الحقيقية بعين ناقصة، لأن ما يراه على الشاشة غالبًا ليس الحياة كما هي، بل الحياة بعد أن خضعت للانتقاء والتجميل والإخراج. وليس الخطر في سرعة المعلومة وحدها، بل في أن تتحول السرعة إلى معيار للحقيقة. فالمعلومة التي تصل أولاً ليست بالضرورة هي الصحيحة، والمقطع الأكثر مشاهدة ليس بالضرورة هو الأكثر قيمة، وصاحب العدد الأكبر من المتابعين ليس بالضرورة الأكثر معرفة. وقد أصبحنا أمام ظاهرة تستحق التوقف حين تتحول الشهرة إلى شهادة خبرة، وحين يصبح عدد المشاهدات معيارًا للنجاح، وحين تسبق الإثارة المهنية، وتصبح العناوين الصادمة أكثر قدرة على صناعة الجمهور من المحتوى الرصين. وهنا لا يخسر الإعلام وحده، بل يخسر المجتمع جزءًا من قدرته على التفكير الهادئ، لأن العقل الذي يتغذى باستمرار على الصدمة والاختصار قد يجد صعوبة في التعامل مع القضايا التي تحتاج إلى قراءة وصبر وتحليل. ولا يتوقف تأثير الإعلام الجديد عند المعرفة والسلوك، فالإعلام الجديد يعبر الحدود بلا استئذان، ويدخل المنزل ويجلس مع الأسرة، ويشارك الأبناء اهتماماتهم، ويؤثر في لغتهم وذائقتهم وأفكارهم وتطلعاتهم، وربما يعيد تشكيل مفهومهم للنجاح والجمال والشهرة والعلاقات الإنسانية. لقد أصبح الطفل والشاب يعيش بين عالمين: عالم حقيقي له أسرة ومدرسة ومجتمع وقيم، وعالم افتراضي مفتوح تعرض فيه آلاف النماذج والأفكار خلال ساعات قليلة، وقد يكون بعضها إيجابيًا ومفيدًا، وبعضها الآخر بعيدًا عن منظومة المجتمع وقيمه. وهنا لا يمكن أن نتعامل مع المسألة بمنطق الخوف وحده، لأن العالم لم يعد خلف الأبواب بل أصبح داخلها. ومن الخطأ أن نعتقد أن الحجب والمنع قادران على إيقاف المستقبل، فلن نستطيع أن نعزل أبناءنا عن العالم، ولن يكون من الحكمة أن نحاول ذلك، فالعالم أصبح في أيديهم. والسؤال الحقيقي ليس كيف نمنعهم، بل كيف نجعلهم قادرين على التمييز. نحن بحاجة إلى جيل لا يخاف من الشاشة بل يعرف كيف يستخدمها، ونحتاج إلى تعليم لا يكتفي بتلقين المعلومة، وإنما يعلم الطالب كيف يسأل وكيف يتحقق وكيف يميز بين الخبر والدعاية، وبين الرأي والحقيقة، وبين المؤثر وصاحب المعرفة. فالتربية الإعلامية لم تعد ترفًا تعليميًا، بل أصبحت ضرورة لحماية العقل في زمن يستطيع فيه أي شخص صناعة قصة ونشرها خلال دقائق. كما نحتاج إلى إعلام وطني حديث لا يخاطب الشباب بلغة الوصاية، ولا يفترض أنهم لا يفهمون، وإنما يدخل إلى عالمهم بلغتهم، ويناقش قضاياهم بجرأة، ويقدم لهم محتوى ينافس المحتوى الذي يستحوذ على وقتهم وعقولهم. فالفراغ لا يبقى فراغًا طويلاً، وإذا لم نقدم نحن المحتوى الذي يصنع الوعي، فسيتقدم غيرنا ليملأ المساحة. ومن الخطأ أن نطالب الجيل الجديد بالابتعاد عن المنصات ثم نتركها لمن يقدم لهم أفكارًا ومحتوى لا نرضى عنه. فالمساحة الإعلامية لا تنتظر أحدًا، ومن يغيب عنها طويلاً سيجد أن غيره قد احتلها وصنع جمهوره وصاغ لغته وأصبح أكثر تأثيرًا. والأسرة أيضًا أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن المدرسة والإعلام. فالحوار مع الأبناء أكثر فاعلية من المراقبة الصامتة، وبناء الثقة أكثر أمانًا من صناعة الخوف، وتعليمهم كيف يفكرون أهم بكثير من إخبارهم دائمًا ماذا يفكرون. لأن الحصانة الحقيقية لا تصنعها القيود، وإنما يصنعها الوعي، ولا تبنى بالعزلة، وإنما بالقدرة على الاختيار. وإذا أردنا حماية أبنائنا من المحتوى الضار، فعلينا أن نمنحهم القدرة على اكتشافه ورفضه، وأن نفتح معهم مساحة للحوار حتى يصبح الهاتف وسيلة معرفة لا بابًا للفوضى. الإعلام الجديد ليس عدواً كما يحاول البعض تصويره، وليس ملاكًا بريئًا كما يعتقد آخرون، بل هو أداة ضخمة تتوقف نتائجها على طريقة استخدامها، وقدرتها على أن تكون جسرًا للمعرفة أو نافذة للفوضى. ومن هنا فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الهاتف ولا مع المنصات ولا مع التقنية، وإنما مع الجهل بكيفية التعامل معها. فالتقنية لن تتراجع، والمنصات لن تختفي، والشاشة ستبقى حاضرة في حياة الإنسان. ولذلك فإن الخيار الأكثر واقعية ليس الهروب من العصر، وإنما امتلاك أدواته وتوجيهها لخدمة الإنسان والمجتمع. إننا أمام جيل لن يعيش كما عشنا، ولن يتعلم كما تعلمنا، ولن يتلقى الأخبار بالطريقة التي عرفناها. وهذه ليست مأساة، بل حقيقة يجب أن نفهمها قبل أن نحكم عليها. فالمستقبل لن ينتظرنا حتى نعتاد عليه. وإذا كنا نريد إعلامًا جديدًا يخدم المجتمع، فعلينا أن نشارك في صناعته لا أن نكتفي بمراقبته، وأن نرفع مستوى المحتوى لا أن نكتفي بالشكوى من انخفاضه، وأن ندعم المهنية والصحافة المسؤولة حتى لا تصبح الساحة لمن يملك الجرأة على النشر فقط دون المعرفة أو المسؤولية. والرهان الحقيقي في النهاية ليس على عدد المنصات، ولا على سرعة انتشار الخبر، ولا على حجم الجمهور، وإنما على الإنسان الذي يقف خلف الشاشة، وعلى قدرته على أن يكون واعيًا ومسؤولاً وناقدًا. فحين يصبح كل هاتف نافذة إعلامية، يصبح كل مستخدم مسؤولاً عن أثر ما ينشره. وحين تصبح الكلمة قادرة على الوصول إلى الملايين، يصبح الخطأ أكثر تكلفة، وتصبح المهنية أكثر ضرورة، وتصبح الأخلاق الإعلامية ليست ترفًا بل مسؤولية. لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل سيؤثر الإعلام الجديد في أجيالنا؟ فقد حسم الواقع الإجابة. وإنما السؤال الأصعب: هل سنترك الإعلام الجديد يصنع وعينا بالنيابة عنا، أم سنصنع جيلاً يعرف كيف يستخدم أدوات العصر دون أن يسمح لها بأن تستخدمه؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية الإعلام وحده، ولا المدرسة وحدها، ولا الأسرة وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل يدرك أن صناعة الوعي أصبحت أهم من أي وقت مضى، لأن من يملك القدرة على تشكيل الوعي يملك مفاتيح المستقبل. وفي زمن تتسابق فيه المنصات على عقول الناس، لن يكون المنتصر هو من يملك الشاشة الأكبر، بل من يملك الفكرة الأصدق، واللغة الأقرب، والقدرة الأكبر على صناعة إنسان يعرف ماذا يشاهد وماذا يصدق وماذا يرفض. وهنا تحديدًا يبدأ الرهان، وهنا أيضًا يتحدد السؤال: من يقود من في هذا العالم المتسارع الذي يسيطر عليه الإعلام الجديد؟ The post من يقود الآخر appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

محمد الدغريريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

9 − one =

Check Also

صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن يترأس افتتاح الدورة الـ 17 لمعرض الفرس للجديدة

ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، اليوم الاثنين، بمركز المعارض محمد الس…