Home الصحافة المغربية مُدُنٌ ذَكيّة بِعَقْلٍ إسْمَنْتي

مُدُنٌ ذَكيّة بِعَقْلٍ إسْمَنْتي

مُدُنٌ ذَكيّة بِعَقْلٍ إسْمَنْتي

حين تتظاهر المدن بالذكاء شاء لي القدر أن أتنقل بين عواصم عربية كثيرة في إطار مهام علمية ومهنية متفرقة، وكنت كلما حطت بي الطائرة في مدينة جديدة شعرت أنني لا أدخل مكانا جغرافيا فقط، وإنما أدخل نصا عمرانيا مفتوحا، تكتبه الشوارع والواجهات والجسور، والأبراج، والناس. كنت أراقب من نافذة السيارة الطريق من المطار إلى قلب المدينة، فأرى في المشهد أكثر مما تراه العين العابرة: أرصفة ضيقة تحاول أن تتسع للمارة، أبراج زجاجية تتباهى بالحداثة تحت شمس لا ترحم، أحياء قديمة تقاوم النسيان، ومشاريع ضخمة ترفع شعارات الاستدامة والذكاء كأنها تعتذر مقدما عن كل ما أهملته المدينة من ظل وهواء وطمأنينة. في كل عاصمة، كان السؤال نفسه يلاحقني بإلحاح: كيف يمكن لمدينة عربية أن تطمح إلى الذكاء وهي أحيانا لا تصغي إلى إيقاع ساكنها؟ وكيف يمكن لتكنولوجيا البناء أن تصنع مستقبلا حقيقيا إذا اكتفت بتلميع الواجهة وتركت الإنسان يتعب في التفاصيل اليومية؟ لذلك، تدخل المدن العربية اليوم سباقا صاخبا نحو الاستدامة والذكاء، كأنها تخشى أن تصل متأخرة إلى حفلة المستقبل. ترفع الشعارات الخضراء، وتعرض المجسمات اللامعة، وتزرع في كل إعلان كلمات مثل: الابتكار، الطاقة النظيفة، جودة الحياة. غير أن هذه الكلمات تفقد كثيرا من هيبتها عندما يخرج الإنسان من الصورة الإعلانية ويمشي في شارع حقيقي: حَرٌّ خانق، رصيف غاضب، نقل مرتبك، بنايات تبتلع الكهرباء، ومساحات خضراء تصلح أحيانا للزينة أكثر مما تصلح للحياة. هنا تظهرُ المفارقة: نريد مدينة ذكية، لكننا نصر أحيانا على بنائها بعقل قديم؛ نريد مدينة مستدامة، لكننا نعامل البيئة مثل ضيف شرف في حفل افتتاح هذا المشروع أو ذاك. مدن ذكية تبحث عن عقل حين نتحدث عن المدن المستدامة والذكية ندخل منطقة عجيبة: منطقة تجمع بين الطموح الفضائي والواقع الإسمنتي الثقيل. نسمع عن الذكاء الاصطناعي، الطاقة النظيفة، الأبراج الخضراء، التطبيقات الرقمية، البيانات، المدن التي تفكر وتتنفس وتدير نفسها. ثم ننزل إلى الشارع، فنجد رصيفا مكسورا، قمامة تتفاوض مع الريح، شجرة وحيدة تختنق بين السيارات، وبناية جديدة تلمع من الخارج كواجهة مصرفية، وتغلي من الداخل كفرن شعبي في شهر غشت. المشكلة لا تكمن في الحُلم. الحُلم مشروع وجميل. المدينة العربية تحتاج فعلا إلى ذكاء، وتحتاج أكثر إلى استدامة. تحتاج إلى نقل نظيف، وماء لا يضيع في الأنابيب، وطاقة لا تهرب من النوافذ، وعمارات لا تلتهم الشمس ثم تطلب من المكيف أن يصلح الجريمة. لكننا في كثير من الأحيان نأخذ من المدينة الذكية قشرتها اللامعة: شاشة في المدخل، بوابة إلكترونية، كاميرا مراقبة، ثم نترك جوهر المدينة كما هو: تخطيط مرتبك، كثافة عشوائية، إسمنت زائد، ظل ناقص، ومواطن يقطع نصف عمره بين الازدحام والانتظار. تعيش تكنولوجيا البناء مفارقة ساخرة. نستورد أحدث البرامج لتصميم المباني، ونشتري معدات متطورة، ونعلن عن مشاريع تحمل أسماء براقة، ثم نبني أحيانا بعقلية قديمة جدا: السرعة أهم من الجودة، الواجهة أهم من الراحة، الصورة أهم من الإنسان. نرصف المساحات بالإسمنت، ثم نتحدث عن محاربة الجزر الحرارية. نزرع نخلة في وسط ساحة قاسية، ثم نحتفل بالمساحة الخضراء كأننا أنقذنا الكوكب. لا تحتاج المدينة المستدامة إلى قصيدة علاقات عامة، تحتاج إلى قرارات دقيقة وشجاعة. تحتاج إلى عزل حراري جيد، مواد محلية ذكية، تهوية طبيعية، إدارة صارمة للماء، نقل عمومي محترم، أرصفة تمشي عليها الأمهات والأطفال والمسنون من غير معركة يومية مع السيارات. تحتاج إلى أحياء قريبة من الخدمات، لا إلى مجمّعات فاخرة تقف في أطراف المدينة مثل جزر معزولة، يدخلها الإنسان بسيارته ويخرج منها بسيارته، ثم يظن أنه يعيش في مشروع حضري مُتقدم. ذكاء الواجهة وغباء التفاصيل لا تبدأ المدينة الذكية من التطبيق، تبدأ من سؤال بسيط: هل تجعل هذه المدينة حياة الناس أسهل؟ هل تقلل الوقت الضائع؟ هل تخفض الفاتورة؟ هل تحمي الصحة؟ هل تمنح السكان هواء أفضل وظلا أكثر وحركة أقل إرهاقا؟ إن لم تفعل ذلك، فكل تلك الشاشات لا تصنع ذكاء، تصنع ديكورا رقميا باهظ الثمن. في بلادنا العربية نملك فرصة كبيرة. لدينا شمس هائلة، تقاليد معمارية عرفت الظل والفناء والتهوية منذ قرون، مدن قديمة فهمت المناخ أكثر من كثير من الأبراج الحديثة، ومواد محلية تستطيع أن تمنح البناء هوية وكفاءة. لكننا أحيانا نهرب من هذا الرصيد كأنه عيب قديم، ونركض خلف نموذج زجاجي عالمي لا يناسب أرضنا ولا حرارتنا ولا جيوب سكاننا. يا للمفارقة: أجدادنا فهموا علاقة البيت بالهواء والضوء، ونحن نحتاج اليوم إلى مؤتمر دولي كي نتذكر أن النافذة ليست ثقب زينة في الجدار. لا نحتاج إلى مدينة عربية تتظاهر بالذكاء؛ نحتاج إلى مدينة تفكر فعلا. مدينة تعترف بأن الاستدامة ليست شعارا أخضر على لوحة إشهارية، وأن التكنولوجيا ليست لعبة للترف العمراني، وأن البناء لا ينجح عندما يربح المطوّر وحده ويخسر الساكن راحته ووقته وصحته. نحتاج إلى قطاع بناء يربط بين الهندسة والبيئة والاقتصاد والعدالة الاجتماعية؛ فالمدينة التي توفر الطاقة للأغنياء وتترك الفقراء في أحياء تختنق لا تستحق لقب “مستدامة”. والمدينة التي تراقب سكانها بالكاميرات ولا تمنحهم حديقة قريبة لا تستحق لقب “ذكية”. مدينة ذكية لا تسمعُ ساكنها الذكاء العمراني الحقيقي يبدأ عندما نكفّ عن عبادة الواجهة. يبدأ عندما يختار المهندس مادة مناسبة لا مادة مبهرة، وعندما يخطط المسؤول شارعا للناس لا للسيارات فقط، وعندما يفهم المستثمر أن الجودة لا تقلل الربح على المدى الطويل، وعندما يطالب المواطن بمدينة تحترم جسده ووقته وكرامته. عندها فقط تصبح التكنولوجيا أداة تغيير، لا قناعا أنيقا فوق وجه متعب. المدن المستدامة والذكية ليست حلما مستحيلا. المستحيل الحقيقي أن نواصل بناء مدن ساخنة، مزدحمة، مرهقة، ثم نلصق عليها كلمة “ذكية” ونطلب من الناس التصفيق. المدينة لا تصير حديثة لأنها تملك تطبيقا، ولا تصير خضراء لأنها زرعت شجرة قرب مركز تجاري. المدينة تصير ذكية حين تخفف عن الإنسان، وتصير مستدامة حين تحترم الطبيعة، وتصير جميلة بحق حين تستثمر عبقرية المكان بدل أن تنسخ واجهات لا تشبهها. لا تحتاج مدننا إلى مزيد من الوعود اللامعة بقدر ما تحتاج إلى شجاعة عملية تعيد ترتيب الأولويات. لا تنقذ التكنولوجيا عمارة سيئة، والتطبيق الذكي لا يُصلح شارعا بدون ظل. عندئذ فقط يصبح الذكاء أكثر من ديكور رقمي، وتصبح الاستدامة أكثر من لون في الكتيب الدعائي، وتتحول المدينة من مسرح للتفاخر العمراني إلى مكان صالح للعيش. أما إذا واصلنا بناء مدن مرهقة ثم سميناها ذكية، فسوف نحصلُ على النتيجة نفسها: مدينة تملك أحدث التقنيات، لكنها لا تعرف كيف تمنح سكانها حياة أبسط وأهدأ وأكثر كرامة. لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر. The post مُدُنٌ ذَكيّة بِعَقْلٍ إسْمَنْتي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد الفتاح لحجمريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

eighteen − 12 =

Check Also

هل حان وقت هدم قواعد اللعبة داخل قنوات “العرايشي” بعد سنوات من تكرار الوجوه والبرامج والشركات؟

<p>لا يتعلق الأمر هنا بمهاجمة أشخاص أو التشكيك في نوايا مؤسسات بعينها، وإنما بطرح سؤ…