Home الصحافة المغربية نعم للكرامة .. لا للذل

نعم للكرامة .. لا للذل

نعم للكرامة .. لا للذل

ما يحدث اليوم من فوضى، ومن تفشّي آفة الذل حتى أصبحت أشد فتكًا بالنفوس من كثير من الأمراض، ليس أزمة فقر أو نقص في الطعام فحسب، بل هو قبل ذلك أزمة كرامة وتربية وانتماء ومسؤولية. إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا ليس أن تقل موارده، بل أن يفقد أبناؤه الإيمان بأن لهم دورًا في إصلاحه، وأن تتحول فكرة الوطن في أذهانهم من بيت يحتاج إلى البناء إلى عدو يجب الفرار منه. وضياع الأبناء لا يبدأ دائمًا في الشارع، بل قد يبدأ داخل البيت، حين يغيب الأبوان عن دورهما الحقيقي في التربية والتوجيه، وحين تصبح الأسرة مكانًا للطعام والنوم فقط، بدل أن تكون المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الضمير والأخلاق والكرامة والمسؤولية. بعض الآباء، بقصد أو من دون قصد، يلقّنون أبناءهم يومًا بعد يوم خطابًا قاتمًا: الوطن يكرهكم، الوطن حرمكم حقوقكم، الوطن عدوكم، الوطن لا يستحقكم، ومستقبلكم الحقيقي يوجد دائمًا في الضفة الأخرى. ثم يكبر الطفل وهو يعتقد أن الخلاص لا يكون إلا بالمغادرة، وأن النجاح لا يمكن أن يتحقق إلا بعيدًا عن أرضه. صوّروا لهم الخارج وكأنه أرض الأمن والأمان والدفء والسلام، وأخفوا عنهم أن كل المجتمعات لها أزماتها، وأن الغربة لها أثمانها، وأن الإنسان قد يجد في الخارج فرصًا أفضل، لكنه قد يجد أيضًا الوحدة والعنصرية والاستغلال والبطالة والقسوة. الهجرة حق واختيار مشروع، لكنها ليست عقيدة، وليست الدليل الوحيد على النجاح، كما أن البقاء ليس دليلًا على الفشل. علّموهم الهروب ولم يعلموهم الصمود، علّموهم الشكوى ولم يعلموهم المبادرة، علّموهم الكراهية ولم يعلموهم العطاء، حدثوهم طويلًا عما لم يمنحهم الوطن ولم يسألوهم يومًا: ماذا ستمنحون أنتم وطنكم؟ لكن تحميل الآباء وحدهم المسؤولية «الأولى والأخيرة» فيه مبالغة؛ فالدولة والمدرسة والإعلام والمؤسسات والمجتمع تتحمل نصيبها أيضًا. لا يجوز أن نطالب الأسرة بصناعة مواطن واثق بينما تحاصره البطالة والفساد والمحسوبية وسوء التعليم وانسداد الأفق، كما لا يجوز أن نجعل هذه المشكلات ذريعة لتربية جيل على اليأس والاستسلام. الحقوق مسؤولية الدولة، والتربية مسؤولية الأسرة، والإصلاح مسؤولية الجميع. والأخطر أن يتحول غضب الآباء من واقعهم إلى ميراث نفسي يتركونه لأبنائهم. فالطفل لا يولد كارهًا لوطنه ولا محتقرًا لمجتمعه؛ إنه يتعلم ذلك من الكلمات التي يسمعها، ومن النظرات التي يراها، ومن المقارنات المتكررة التي تجعل كل ما هو بعيد جميلًا وكل ما هو قريب قبيحًا. الأب والأم هما أول لسان يسمع الطفل من خلاله معنى الوطن، وأول مرآة يرى فيها المجتمع. فإذا كان ذلك اللسان لا ينطق إلا بالاحتقار واليأس، فلا ينبغي أن نستغرب حين يكبر جيل لا يرى في أرضه إلا بابًا يريد الخروج منه. لكن الوطنية الحقيقية ليست أن نكذب على أبنائنا ونخبرهم أن الوطن كامل، وليست أن نطلب منهم الصمت عن الظلم والفساد. بل أن نقول لهم الحقيقة كاملة: هذا وطنكم بما فيه من جمال ونقص، لكم فيه حقوق وعليكم تجاهه واجبات؛ قاوموا الظلم، طالبوا بحقوقكم، تعلموا، اعملوا، انتقدوا، أصلحوا، وابنوا. وإذا اخترتم يومًا الهجرة، فاخرجوا مرفوعي الرأس بحثًا عن علم أو تجربة أو فرصة، لا هاربين من أنفسكم ولا محتقرين لأصلكم. نحن بحاجة إلى آباء يربّون أبناءهم على أن الكرامة لا يمنحها جواز سفر، وأن النجاح لا تحدده ضفة من البحر، وأن الإنسان يستطيع أن يسافر إلى آخر الدنيا من دون أن يتبرأ من جذوره. نحتاج إلى جيل يعرف أن حب الوطن لا يعني تقديس الحكومات، وأن نقد الدولة لا يعني كراهية الأرض، وأن المطالبة بالحقوق لا تعفي الإنسان من واجباته. فلا تورثوا أبناءكم اليأس الذي أصابكم، ولا تجعلوا إحباطاتكم الشخصية خريطة لمستقبلهم. علّموهم أن الوطن يمكن أن يُنتقد دون أن يُهان، وأن الخطأ يُقاوَم بدل أن يصبح حجة للاستسلام، وأن المجتمع الذي نلعنه كل صباح لن يتغير إذا كان كل واحد منا ينتظر غيره ليصلحه. ازرعوا في أبنائكم القدرة على الوقوف لا ثقافة الفرار، وعلى الإصلاح لا الاكتفاء بالشكوى، وعلى السؤال والعمل والمحاسبة والعطاء. فالأوطان لا تنهض بأناس يصفقون لكل شيء، ولا بأناس يكرهون كل شيء؛ بل تنهض بأناس يرون عيوبها بوضوح، ويتمسكون بحقهم في إصلاحها، ويملكون من الكرامة ما يجعلهم يرفضون الذل أينما كانوا. The post نعم للكرامة .. لا للذل appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

الغرظاف سلوىمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

thirteen − five =

Check Also

“الوطني لا تهمه قضايا الأمة”.. د.بنكيران: مغالطة لن تنطلي على الوطنيين المغاربة

هوية بريس – متابعة كتب الدكتور رشيد بنكيران “يروّج بعض الناس مغالطة مكشوفة، تقوم على فرض م…