Home الصحافة المغربية هل ألقت آمنة بوعياش خطاب الوداع؟

هل ألقت آمنة بوعياش خطاب الوداع؟

هل ألقت آمنة بوعياش خطاب الوداع؟

هل ألقت آمنة بوعياش خطاب الوداع؟ هوية بريس – نبيل بكاني (فاعل في مجال حقوق الانسان والحكامة) لم يكن التقرير الأولي الذي قدّمته رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، بشأن ملاحظة الاستحقاقات الانتخابية مجرد محطة إعلامية عابرة لتسليط الضوء على نتائج الرصد الميداني، بل بدا في عمقه الأدبي والفكري وتوقيته السياسي أقرب إلى “خطاب وداع” غير معلن؛ وداعٌ لمرحلة حقوقية استنفدت أغراضها وباتت تعيش انقطاعاً صريحاً عن دينامية الواقع المغربي المعاصر وعجزا واضحا عن مرافقة التطلعات الحقوقية الحقيقية للمغاربة. لقد أثارت الملاحظات المعنونة بـ”القلق البالغ” حول استغلال الدين غضباً واسعاً ممزوجاً بالسخرية، في سياق تتزايد فيه أزمة الثقة تجاه مؤسسة كان يُفترض فيها أن تكون ديواناً لحماية حقوق المغاربة كما يعرفونها ويعيشونها وكما تتماشى مع قيمهم الراسخة، لا وسيلة لإعطاء الدروس للمجتمع واستيراد مفاهيم وافدة تُحاكي أزمات أوروبا في القرن السابع عشر حين ظهرت فكرة إبعاد كل ما يتعلق بالدين عن إدارة الدولة والحياة السياسية. إن محاولة خَلق واقع غريب لا يمتّ لنا بصلة عبر توظيف مؤسسات الدولة تعكس جهلاً بالخصوصية الوطنية؛ فالإسلام في حياة المغاربة ليس مجرد عبادات فردية أو جماعية محصورة بين العبد وربه، بل هو سلوك يومي أصيل ينعكس في التعاملات واللسان والأنماط المجتمعية، ولا يمكن بحال من الأحوال إسقاط سياق تاريخي ساد في أوروبا قبل ثلاثة قرون على مجتمع مغربي لم تكن له يوماً مشكلة مع دينه، ولم يعرف عبر تاريخه سلطة لرجال دين يفرضون منهجهم عليه. أسيرة صراعات الماضي في مغرب المستقبل: تكمن العلة الكبرى في أداء القيادة الحالية للمجلس – الذي يفترض أنه ارتقى الى مؤسسة دستورية – في عجزها البنيوي عن الخروج من جلباب الأدبيات السياسية التي طبعت مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. إن الانحباس في ثنائية الصراع الأيديولوجي القديم بين الأحزاب والدولة، ومحاولة إسقاط مفاهيم جافة غريبة عن الوجدان الثقافي الوطني، يعكس تكلساً مفاهيمياً لا يستوعب قدر التحولات الوطنية. لقد تحول الخطاب الحقوقي الصادر عن هذه الهيئة الدستورية إلى صدى لمعارك قديمة تجاوزها الزمن، بينما ارتقى المجتمع والدولة نحو أفق استراتيجي يضع المصلحة السيادية والكرامة الإنسانية فوق المناكفات العقائدية. عصر الذكاء الاصطناعي ووعي الشارع المغربي: نعيش اليوم في مغرب يتطور فيه تفكير المواطن وانتظاراته بسرعة تدفق البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي الشامل. المواطن المغربي اليوم لم تعد تنخدع ذائقته بالمعارك الرمزية ولا بالاستقطابات الفكرية المفتعلة؛ بل بات وعيه يتجه مباشرة نحو الحقوق الملموسة والأساسية: جودة التعليم، الصحة الكريمة، الشفافية الإدارية، الحماية من الشطط، وتكافؤ الفرص في الشغل. وفي الوقت الذي ينشد فيه الشارع نجاعة الخدمة العمومية، تُصرّ قيادة المجلس على توجيه بوصلتها نحو قضايا هامشية تُثار لإحداث الصدمة الإعلامية، مما عمّق الفجوة بين الشارع وهذه المؤسسة الدستورية التي يُفترض أن تكون حصناً لكل مظلوم. التشبث بالهوية ورفض التوظيف الأيديولوجي: إن التجذر المعرفي الذي يُميز المجتمع المغربي يتجلى في قدرته الفريدة على التوفيق بين مقتضيات العصر والحداثة التقنية من جهة، وبين التمسك الراسخ بالقيم الإسلامية والهوية الوطنية الجامعة تحت مظلة إمارة المؤمنين من جهة أخرى. ولعل أخطر ما سقطت فيه الممارسة الحقوقية الرسمية الحالية هو محاولة وصم هذا التدين الأصيل والتعبير الثقافي اليومي للمواطنين وكأنه تهديد للتطور الحقوقي؛ بينما يفوت هذه القيادة الحقوقية أن المجتمع المغربي يبقى تفكيره ديني بشكل أعمق مما قد تتصوره الحقوقية بوعياش وأنه قروي قبلي الانتماء حتى ولو أقام جزء منه في أفضل الأحياء وأكبر المدن. لا يُمثّل الدين هنا، بوصفه “هابيتوس” (Habitus) مرجعياً، مجرد طقوس فردية، بل يشكل بنية ذهنية ولاوعياً جمعياً يؤطر مفاهيم العدالة والأسرة والشرف والمعاملات اليومية. وعليه، فإن مقاربة هذا العمق الديني برؤية حقوقية صدامية تُعَدُّ خطأً سوسيولوجياً فادحاً يُفضي إلى عزلة المؤسسة الحقوقية عن النبض الحقيقي للشارع. ازدواجية المعايير والغياب عن الشارع: لقد فقدت المؤسسة كثيراً من هيبتها ومصداقيتها بسبب الارتباك والتناقض في تحديد الأولويات. ففي الوقت الذي يُسارع فيه المجلس إلى مطاردة المفردات والعبارات الشفوية المتطايرة للمرشحين في الحملات الانتخابية، نراه يتغاضى أو يلوذ بالصمت تجاه الجرائم المادية الصريحة التي تخرق نزاهة الصندوق؛ مثل المال الانتخابي وتكتيكات شراء الذمم وتداول أوراق الاقتراع المسربة، واستغلال الأطفال والمسنين، والهشاشة عموما. وبالمثل، يغيب صوت المجلس حين يتعلق الأمر بحماية الحريات الفردية الأساسية المشروعة للمواطنات اللائي يتعرضن للتمييز في بعض الفضاءات السياحية بسبب لباسهن (كالمنع من المسابح بالبوركيني والحجاب)، ليظهر التناقض الصارخ بين ادعاء الدفاع عن الحريات وبين الانتقائية الأيديولوجية التي تتجنب اصطداماً حقوقياً مستحقاً مع أرباب المصالح. انحراف المجلس منذ تولي بوعياش: وبدلاً من وضع المؤسسة في خدمة الانشغالات المباشرة للمواطنين، أدخلت بوعياش هذه الهيئة الدستورية في متاهات جعلتها تظهر كجمعية حقوقية تفتعل السجالات أكثر منها مؤسسة حوكمية عمومية؛ بدءاً من مطالبتها بإلغاء عقوبة الإعدام، وتجاوز حدود اختصاصاتها بالدخول في صلاحيات دينية وفقهية مخصصة حصراً للمجلس العلمي الأعلى، وصولاً إلى وضع المجتمع أمام مؤسسة تبدو وكأنها تقود مشروعاً يتصادم مع النصوص الشرعية القطعية. كل ذلك في شأن عقوبة لم تُطبق أصلاً منذ عقود، وفي قضية لا تُشكل أولوية لدى المغاربة ولا تمس انشغالاتهم اليومية، في انحياز صارخ لفئة محدودة ترى في المفاهيم المستوردة مرجعيةً تعلو فوق المرجعية الوطنية. ضرورة التشبيب والعودة للسقف الدستوري: لقد آن الأوان للفاعلين المغاربة لرفع ملتمس جماعي إلى المؤسسة الملكية، بصفتها الحكم الأسمى بين المؤسسات، لأجل إحداث تغيير في قيادة المجلس ومنهجه وإعادته إلى صلب السياق المغربي. إن اللحظة الوطنية الفارقة تقتضي بوضوح ضخ دماء جديدة وتشبيب هذه المؤسسة الدستورية السيادية؛ تشبيبٌ لا يقتصر على تقليص معدل الأعمار، بل يعني بالأساس تحديث الفكر الحقوقي ليصبح قادراً على الاستجابة لتحديات العصر الرقمي، والعمل تحت السقف الوطني للدستور المغربي بمرجعياته الوطنية والدينية الأصيلة، بدلاً من الارتهان للتقارير الأممية والنقل الميكانيكي للنماذج الغربية. لقد حان الوقت لتوديع مرحلة التوجيه الأيديولوجي، والانتقال إلى حوكمة حقوقية شاملة تنبع من قلب المجتمع المغربي، وتحمي كرامته، واستقراره، وثوابته الوطنية. ففي نهاية المطاف، يظل المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤسسة دستورية وطنية، تخضع لأحكام الدستور المغربي وتستمد مرجعيتها من مفاهيم حقوق الإنسان كما يتمثلها المغاربة في معيشهم اليومي استناداً إلى قيمهم الوطنية والإسلامية الراسخة؛ فهو ليس وكالة تابعة للأمم المتحدة تُقَيِّمُ دينامية مجتمعنا وفق قوالب وتصورات صاغها الأوروبيون عشية نهاية الحرب العالمية الثانية. إن الدور الجوهري للمجلس يكمن في مرافقة التطور المجتمعي للمغاربة بما ينسجم مع خصوصيتهم الثقافية، وتقييم حالة حقوق الإنسان استناداً إلى معايير الحكامة الحديثة، وعلى رأسها مؤشر “الرضا المجتمعي”. ولا ينبغي أن ينزاح هذا الدور نحو افتعال السجالات وإثارة السخط الشعبي عبر احتكار تأويل حقوق الإنسان بمعايير خارجية؛ فتبني مقاربة تتسم بالاستلاب أو “الغزو الفكري” لن يُفضي إلا إلى انتكاسة حقوقية وديمقراطية تُهدد مقومات العدالة، بدلاً من أن تقود المؤسسة مسار التحديث والتطور الديمقراطي المنشود. The post هل ألقت آمنة بوعياش خطاب الوداع؟ appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

1 + nineteen =

Check Also

صدفة تجمع عائلة ضمن طاقم طائرة : الأب طيار والأبنة مساعدته والأم مضيفة

<p>في مصادفة غير متوقعة، اجتمع طيار وابنته وزوجته ضمن طاقم رحلة جوية انطلقت من أمستر…