هل تمثل إصلاحات الصفقات العمومية بداية حقيقية لمحاربة الفساد؟
وجهت فرق المعارضة في مجلس النواب انتقادات حادة لما وصفته بضعف نجاعة السياسات الحكومية في محاربة الفساد، معتبرة أن الخطاب الرسمي حول النزاهة والشفافية لا يوازي حجم التحديات المطروحة على أرض الواقع.
وأكدت المعارضة أن مظاهر الفساد ما زالت حاضرة في عدد من القطاعات الحساسة، من صفقات عمومية وتدبير إداري، إلى اختلالات تطبع بعض المشاريع الاستثمارية، مشيرة إلى أن غياب ربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة يضعف ثقة المواطنين في المؤسسات ويعرقل مسار الإصلاح.
وطالبت الأصوات المعارضة بإحداث قطيعة مع المقاربات الشكلية، واعتماد سياسة أكثر صرامة في تتبع ملفات الفساد وتفعيل آليات المراقبة البرلمانية والقضائية، إلى جانب دعم مؤسسات الحكامة التي تضطلع بأدوار أساسية في تخليق الحياة العامة.
وفي هذا الصدد، قال مصطفى بايتاس، الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، اليوم الثلاثاء، أن مكافحة الفساد تشكل إحدى أولويات العمل الحكومي، باعتبارها قضية مشتركة بين جميع الفاعلين السياسيين والإداريين، مشدداً على أن هذه الآفة تعيق التنمية وتؤثر سلباً على مناخ الثقة والاستثمار في المغرب.
وأوضح بايتاس، خلال تقديمه لمشروع الميزانية الفرعية لرئاسة الحكومة أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، أن موضوع الفساد لا يرتبط بحكومة بعينها، بل يمثل مساراً طويلاً ومتدرجاً راكمته تجارب متعددة، مؤكداً أن الجهود الحالية تستند إلى رؤية شمولية تقوم على الوقاية والتحسيس والمساءلة.
وأشار إلى أن الحكومة أعدت تقريراً تركيبياً حول حصيلة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2019-2024، في أفق الانتقال إلى مرحلة جديدة تهم وضع استراتيجية محدثة أكثر نجاعة وواقعية.
وأضاف المسؤول الحكومي أن من أبرز المجالات التي شملتها الإصلاحات الجديدة الصفقات العمومية، التي كانت محط انتقادات في السابق بسبب شبهات الفساد وسوء التدبير، مبرزاً أن المرسوم الجديد المنظم لهذا المجال جاء بمجموعة من المقتضيات التي تعزز الشفافية وتحد من الانزلاقات المحتملة.
وفي السياق ذاته، كشف بايتاس أن الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة والفساد تلقى إلى غاية دجنبر 2024 ما مجموعه 86 ألفاً و474 مكالمة، أسفرت عن ضبط 360 شخصاً في حالة تلبس، مشيراً إلى أن هذه الآلية ساهمت في تكريس الثقة بين المواطن والإدارة وتعزيز ثقافة التبليغ والمساءلة.
وبخصوص الميزانية الفرعية لرئاسة الحكومة برسم سنة 2026، أوضح الوزير أن مجموع الاعتمادات المرصودة بلغ نحو ملياري درهم و4 ملايين و254 ألف درهم، بزيادة تقارب 15 في المائة مقارنة بسنة 2025، مشيراً إلى أن ميزانية التسيير بلغت حوالي مليار و107 ملايين درهم، منها 198 مليون درهم مخصصة للأجور، فيما توزعت باقي الاعتمادات على المعدات والنفقات العامة.
كما تم إحداث 125 منصباً مالياً جديداً لفائدة عدد من المؤسسات التابعة لرئاسة الحكومة، من بينها المدرسة الوطنية العليا للإدارة والهيئة الوطنية للمعلومات المالية واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية.
وأشار بايتاس إلى أن المؤسسات الدستورية لا تخضع لوصاية مباشرة من رئيس الحكومة، موضحاً أن الوكالات العمومية تبقى تابعة للقطاعات الوزارية المعنية وتخضع لرقابة البرلمان، مؤكداً دعمه لتوسيع نطاق المراقبة البرلمانية على هذه الهيئات بما يعزز مبادئ الشفافية والمسؤولية في التدبير العمومي.
وفي معرض حديثه عن أداء الحكومة، أكد بايتاس أن المغرب يعيش مرحلة جديدة من الدينامية التنموية بفضل المشاريع المهيكلة التي يجري تنفيذها في مختلف المجالات، لافتاً إلى أن حجم الاستثمار العمومي تضاعف من 198 مليار درهم إلى 380 مليار درهم في ظرف سنوات قليلة.
وأضاف أن الحكومة تواصل العمل على ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية وتعزيز البنيات التحتية وتحسين الخدمات العمومية، مشدداً على أن التحدي القائم اليوم يتمثل في تحسين قنوات التواصل والتعريف بالمنجزات الحكومية بما يوازي حجم الجهود المبذولة.
كما توقف المسؤول الحكومي عند التطورات الإيجابية التي تعرفها قضية الصحراء المغربية، مبرزاً أن المملكة تمكنت بفضل القيادة الرشيدة للملك محمد السادس من تحقيق مكاسب دبلوماسية كبيرة رسخت الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وأكدت موقع المغرب كشريك موثوق في المنطقة.
واختتم بايتاس مداخلته بالتأكيد على أن التقدم الديمقراطي في المغرب يقتضي التزاماً مشتركاً بين الحكومة والمؤسسات والمواطنين، مشيراً إلى أن مطالب المواطنين بالإصلاح السريع مشروعة، لكنها يجب أن تنسجم مع الإطار الدستوري والمسار الديمقراطي الذي يضمن الاستمرارية والنجاعة في تنفيذ السياسات العمومية.










