Home اخبار عاجلة هل يكفي تنظيم الانتخابات لقيام الديمقراطية وترسيخ الثقة في المؤسسات؟
اخبار عاجلة - 3 weeks ago

هل يكفي تنظيم الانتخابات لقيام الديمقراطية وترسيخ الثقة في المؤسسات؟

هل يكفي تنظيم الانتخابات لقيام الديمقراطية وترسيخ الثقة في المؤسسات؟

ليس هناك شك في أن الانتخابات إذا كانت نزيهة وحرة وشفافة، تشكل المدخل الرئيسي لقيام الديمقراطية. حيث لا يمكن تصور نظام يستند إلى الشرعية الديمقراطية، خارج هذه القاعدة. غير أن الانتخابات في ظل الأنظمة التي مازالت توجد في المنطقة الرمادية بين الديمقراطية والسلطوية الانتخابية، وفي ظل المجتمعات التي تطوقها إكراهات اجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة ومتداخلة، قد تتحول إلى رهان محدود الفعالية، وإلى تمرين تقني وسياسي يُنجز احتراماً للأجندة الدستورية، من دون أن يؤدي بالضرورة إلى تجديد النخب ،أو تغيير السياسات أو ترسيخ وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسات . المشكلة، إذن، ليست في الانتخابات من حيث المبدأ، بل فيما يمكن تسميته «العقل الانتخابي»: ذلك النمط من التفكير الذي يختزل الديمقراطية في موعد الاقتراع، وينظر إلى المجتمع باعتباره مخزوناً من الأصوات، وإلى المواطن باعتباره رقماً يُستدعى عند الحاجة، ثم يُنسى بعد إعلان النتائج. وهو عقل لا يرى في السياسة مشروعاً مجتمعياً ممتداً في الزمن، بل يعتبرها فناً للمناورة، وإدارة للتحالفات، وتوزيعاً للمواقع والمنافع. في الانتخابات، لا تُحسم المعارك الحقيقية دائماً في القاعات الفسيحة والساحات والميادين العمومية، ولا تقتصر على الحملات الدعائية وولائم الاستقطاب. فخلف الواجهات المعلنة تدور معارك أكثر تعقيداً داخل الكواليس، حيث تُرسم الخرائط، وتُنسج التحالفات، وتُدار الحسابات الدقيقة. وقد تصبح البرامج والشعارات مجرد أدوات محدودة الأثر، عندما تصطدم بمنطق يقوم على البيع والشراء السياسي، واستعمال المال والنفوذ، وتغيير المواقع والاتجاهات الفكرية والإيديولوجية كلما اقتضت الضرورة ذلك.. لقد أصبحت بعض الممارسات السلبية مألوفة، إلى درجة أن من لا يتقن تقنيات «البزنس الانتخابي» ،قد يُنظر إليه باعتباره قليل الخبرة ،أو عاجزاً عن تدبير اللحظات الحاسمة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحول الانحراف إلى قاعدة، والفساد إلى مهارة، والالتفاف على قواعد التنافس إلى علامة على «الذكاء السياسي». وعندما يصبح الفوز بأي ثمن هو الغاية، تفقد الانتخابات مضمونها الأخلاقي، وتتحول من وسيلة لتجديد الشرعية، إلى آلية لإعادة إنتاج التوازنات نفسها. ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الهشاشة الاجتماعية والأمية السياسية والمدنية. فالمواطن الذي لا يمتلك المعرفة الضرورية بحقوقه وواجباته، ولا يجد أمامه عرضاً سياسياً مقنعاً، يصبح أكثر عرضة للاستقطاب القائم على المصالح الآنية. والوعود الشخصية والنفوذ المحلي. والأمية هنا لا تعني فقط العجز عن القراءة والكتابة، بل تشمل أيضاً ضعف الوعي بمعنى وقيمة الاختيار الحر، وبأدوار البرلمان والحكومة، وبالعلاقة بين التصويت والمحاسبة. غير أن تحميل المواطن وحده مسؤولية هشاشة الاختيار، سيكون نوعاً من الوصاية والتهرب من المسؤولية. فالأحزاب نفسها أخفقت، في حالات كثيرة، في إقناع الناخبين بالذهاب إلى صناديق الاقتراع والتصويت على أساس البرامج. كما عجزت عن فهم التحولات التي تؤثر في سلوك الناخب، وفي مقدمتها التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرقمية. ولذلك فإن ضعف المشاركة لا يعكس لامبالاة المواطنين فحسب، بل يكشف أيضاً أزمة الثقة في الوساطة الحزبية وفي قدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة للإنتظارات.. وعندما تشتغل الأحزاب بمنطق القبيلة، خلال كل استحقاق انتخابي. وتراهن على عصبيتها وحماستها ،فإنها تفقد صفتها كوسيط بين المواطنين والدولة، وتنزع عنها صفة المؤسسة المواطنة. وفي هذه الحالة، لا يمكن أن تقوم بدور التأطير والتربية السياسية والإسهام في تشكيل الوعي الجماعي .و مهما ادعت امتلاك خطاب حداثي ورفعت شعارات براقة . فإنها تتحول إلى تنظيمات تكرس ثقافة الخوف والإرضاء والولاء. وتبني تصورها وممارستها على الاستقطاب، لا على مصداقية المشروع وجاذبيته وقدرته على الاقناع. و يبقى وجودها مرهون باستمرار التجاذب والصراع والتشرذم، لأن انتهاء هذه العاصر أو انتفاءها ، يعني تراجعها وسقوطها تلقائيا .والأكثر إيلاما وبؤسا في هذا السياق ،كون النخب التي تتصرف بمنطق القبيلة، تمنح نفسها حصانة وامتيازات، وتضع نفسها فوق القانون . ويصير عندها كل فشل رديفا لاستهداف يتربص بها ، وكل نقد تعتبره عداء ضدها ، وكل مطالبة بالمحاسبة تتصرف حيالها كخيانة. بهذه الطريقة تموت السياسة، ويجرم السؤال، وتجهض أي محاولة للإصلاح. وعندمآ يصبح منطق القبيلة أساس التمثيل السياسي، تتحول الانتخابات الى عملية شكلية ، لاتنافسا شريفا بين البرامج والتصورات والمشاريع . غير أن قوة البرامج الانتخابية ومصداقيتها، لا تُقاس بجاذبية عناوينها وإغراءات الإجراءات والتدابير التي تقترحها في مجمل القطاعات ، وإنما تقاس بواقعتيها وقابليتها للتنفيذ. فالأحزاب جميعها، في الأغلبية والمعارضة، مطالبة بتقديم الدليل على أن حديثها عن النزاهة والشفافية وخدمة الصالح العام ليس مجرد خطاب موسمي. واستعادة الثقة تحتاج إلى رأسمال سياسي وأخلاقي حقيقي، وإلى ممارسات يومية قابلة للقياس، لا إلى وعود تُستدعى عند اقتراب صناديق الاقتراع ثم تختفي بانتهاء الحملة.. يصف “بول كارنيغي “وهو باحث في علم الاجتماع السياسي والسياسات المقارنة والذي اشتهر بدراساته حول الأنظمة الهجينة، يصف هذه الأخيرة بأنها بلدان قد تنظم انتخابات، لكنها تفتقر إجمالًا إلى العديد من ميزات التعريف الشامل للديمقراطية؛ ففي أغلب الأحيان لا يملك المواطنون وسائل حقيقية لمحاسبة النخب السياسية بعد الانتخابات، بسبب افتقارهم إلى الصحافة الحرة بما فيه الكفاية، أو الاستقلالية النقابية الحرة لرصد ومتابعة المخالفات عند حدوثها. في الوقت نفسه، عادةً ما يكون القضاء المستقل ضعيفًا، ما يخلّ بسيادة القانون ويجعل الرقابة غير فعالة. نتيجة لذلك، فإن المصالح الشخصية تسود باعتبارها القوة الدافعة وراء استمرار النظام الهجين ،في ظل شبكات المحسوبية غير الرسمية والهياكل الزبائنية التي تعمل بالتوازي مع المؤسسات الرسمية والمستويات المرتفعة من الفساد. ‫ وفي هذا السياق ينبغي التمييز بين الديمقراطية الانتخابية والسلطوية الانتخابية ، فمن المسلم به أن كل ديمقراطية فعلية ، تتطلب انتخابات “حرة ونزيهة” لكي تُعتبر ديمقراطية، وتتوافق الانتخابات فيها مع الحد الأدنى من المعايير الديمقراطية. أما في ظل السلطوية الانتخابية، فإنها لا تستوفي الحد الأدنى المشار إليه سلفا ، ذلك ان معظم الأنظمة الاستبدادية، تنظم نوعًا من الانتخابات، لكنها عبارة عن مظاهر شكلية في أجزاء منها، والبعض الآخر ينطوي على قدر من الانفتاح والتنافسية لا يمكن تجاهله، لكنه لا يفضي إلى إمكانية فوز المعارضة مهما كانت قوتها ومصداقية ونجاعة برامجها ،ونظافة سلوكها ووضوح خطابها . إن طبيعة هذه التنافسات هي التي تفصل بين السلطوية الانتخابية والاستبداد المنغلق. وبناءً عليه، وبمجرد أن تتجاوز الانتخابات عتبة الانفتاح والتنافسية التي يصعب تحديدها، فإن النظام يكتسب وسمًا مختلفًا. ومتى ما أصبحت الانتخابات غير صورية، وبدأت تؤدي دورًا كافيًا في تكوين السلطة، سيكون ذلك عاملًا في إجبار الحكام وقوى المعارضة على الاهتمام بتلك الانتخابات. إن المعضلة ليست في كون السياسة مجالاً للتنافس والتفاوض وبناء التحالفات؛ فهذا جزء طبيعي من الممارسة الديمقراطية. وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول الواقعية إلى ذريعة لإسكات النقد، وعندما يُطلب من أنصار الشفافية والنزاهة ودعاة تخليق الحياة السياسية، أن يقبلوا بالأمر الواقع باعتباره قدراً لا يُناقش. فالواقعية السياسية لا تعني الاستسلام للانحراف، بل تقتضي كشف آلياته والعمل على محاصرته وتطويق تداعياته. فليس المطلوب إدانة الانتخابات أو التشكيك في جدواها، بل إعادة الاعتبار إلى معناها الديمقراطي؛ وذلك عبر ضمان نزاهة التنافس، ومحاصرة استعمال المال والنفوذ، وتجديد النخب، وتحسين العرض الحزبي، وتقوية المؤسسات المنتخبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما لا يمكن بناء الثقة من دون سياسات فعالة في التعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية، ومن دون عدالة في توزيع ثمار النمو، وصيانة الحريات واستقلالية الصحافة والقضاء، والحق في الوصول إلى المعلومة إلخ… إن نقد العقل الانتخابي ليس رفضاً للانتخابات، بل دفاع عنها، ودفاع عن السياسة بوصفها مجالاً لخدمة الصالح العام، لا سوقاً للمصالح والمساومات. فالديمقراطية لا تتقوى بتجميل اختلالاتها، وإنما بالاعتراف بهذه الاختلالات ووضعها تحت مجهر النقد والنقاش. والعمل على توفير مختلف الشروط التي من شأنها أن ترسخ الديمقراطية وتطبع معها . وحين يصبح المواطن شريكاً واعياً في الاختيار والمحاسبة، وتستعيد الأحزاب وظيفتها في التأطير والتمثيل وإنتاج الأفكار والنخب، يمكن للانتخابات أن تستعيد معناها الحقيقي: أداة للتغيير وتجديد الشرعية وبناء الثقة، لا مجرد موعد يتكرر كل بضع سنوات.

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

10 + sixteen =

Check Also

جامعة الدول العربية تدين تجدد الاعتداءات الحوثية على مطار الملك خالد الدولي بالرياض

أدانت جامعة الدول العربية، بأشد العبارات، استمرار “ميليشيا الحوثي” في اعتداءاتها الإرهابية…