هندسة الشيطنة: تفكيك البروباغندا الرقمية واستهداف الكوفية الفلسطينية كرمز في المغرب

هندسة الشيطنة: تفكيك البروباغندا الرقمية واستهداف الكوفية الفلسطينية كرمز في المغرب هوية بريس – رضوان نافع مقدمة لم تعد الحروب المعاصرة تقتصر على المواجهات العسكرية الميدانية، بل انتقلت بثقلها إلى “حروب الرموز” والمعارك السردية (Narrative Warfare) عبر الفضاء الرقمي. وتُعد الكوفية الفلسطينية من أبرز الرموز البصرية التي تعرضت مؤخراً لمحاولات مكثفة لـ”إعادة التعريف” والضخ الدلالي السلبي المتعمد داخل المجتمع المغربي. يسعى هذا المقال التحليلي إلى تفكيك ظاهرة شيطنة الكوفية ومن يحملها في المغرب، واستكشاف الأبعاد الجيوسياسية والآليات الإعلامية والأذرع الرقمية الصهيونية التي تصنع هذه السرديات بهدف عزل المجتمع المغربي عن عمقه التضامني التاريخي مع القضية الفلسطينية. أولاً: الأبعاد السردية لظاهرة الشيطنة (محاور وصم الرمز) تتحرك البروباغندا الموجهة للمجتمع المغربي عبر ثلاثة محاور أساسية لشيطنة الكوفية وحامليها، وهي: الربط بالأجندات الخارجية (الأيرنة والمحور الشيعي): استغلال الحساسية المذهبية والسياسية المشروعة للمجتمع المغربي تجاه التغلغل الإيراني في شمال إفريقيا. وتعمل هذه السردية على تصوير ارتداء الكوفية أو التضامن الفج ليس كدفاع عن قضية عادلة، بل كـ”تبعية أيديولوجية” للمشروع الإيراني ووكلائه في المنطقة، مما يرفع منسوب التوجس الأمني والشعبي تجاه المتضامنين. صناعة ثنائية “الوطنية مقابل التضامن” (ضرب المصالح القومية): ترويج مقولة أن “الاهتمام بالقضية الفلسطينية يأتي على حساب القضايا الوطنية الأولى وفي مقدمتها مغربية الصحراء”. والهدف هنا هو إيجاد تعارض وهمي بين الهوية الوطنية والتضامن العروبي/الإسلامي، واستخدام “القومية المتطرفة” كأداة لعزل وحصار الرموز التضامنية بوشاح الخيانة أو قلّة الوطنية. الوصم بالتطرف والراديكالية والخروج عن الإجماع: تصوير حامل الكوفية كعنصر “مؤدلج، فوضوي، خارج عن السياق الوطني، أو داعم للتيارات المتطرفة”. والهدف هو شيطنة الفواعل المدنية والحركات الشعبية وتنفير الفئات الوسطى والشباب غير المؤدلج من المشاركة في المسيرات التضامنية خوفاً من الارتباط بـ”صورة نمطية متطرفة”. ثانياً: الأذرع والآليات: كيف يخترق الخطاب الصهيوني الفضاء المغربي؟ تعتمد الماكينة الدعائية الصهيونية (الهسبارا) والشبكات المتحالفة معها على آليات بالغة التعقيد والذكاء الرقمي لاختراق الوعي المغربي وتوجيهه: الذباب الإلكتروني والبروفايلات المصطنعة (Astroturfing): إنشاء آلاف الحسابات الوهمية على منصات التواصل (خاصة X وتيك توك وفيسبوك) تحمل أسماءً وصوراً مغربية ورموزاً وطنية (كالعلم المغربي أو الرموز التاريخية) لإيهام الرأي العام بأن هناك “إجماعاً شعبياً مغربياً عفوياً” يرفض الكوفية والتضامن، وهي ظاهرة تُعرف سوسيولوجياً بصناعة الرأي العام الزائف. الدبلوماسية الرقمية الموجهة: استخدام الصفحات الرسمية الصهيونية الناطقة بالعربية (مثل “إسرائيل بالمغربية” أو “إسرائيل بالعربية”) لبث رسائل تخاطب المغاربة بالدارجة المحلية أو بأسلوب عاطفي ناعم، مستغلةً مباريات رياضية أو أحداثاً وطنية مغربية لتقول: “نحن نقف معكم في قضاياكم، بينما من ترفعون كوفيتهم يصدرون بيانات ضدكم”، وهو ما يمهد الطريق للأذرع المحلية لتبني الطرح نفسه. المؤثرون والوكلاء المحليون: استقطاب أو تحفيز بعض صناع المحتوى والمؤثرين الرقميين والمنابر الإعلامية ذات التوجه الفرانكوفوني أو النيو-ليبرالي لتبني السردية الصهيونية وتمريرها بصبغة محلية لتكتسب شرعية داخلية. ثالثاً: الشواهد والتطبيقات الميدانية لهندسة الشيطنة ولم تقف هذه الهندسة عند حدود التنظير، بل تُرجمت رقمياً وميدانياً في الساحة المغربية من خلال شواهد صارخة تشهد على رغبة حثيثة في اغتيال الرمزية البصرية للكوفية: الترندات والأوسمة المصطنعة: جرى رصد توظيف مكثف وممنهج لأوسمة مثل (#الصحراء_أولا) و(#تاز_قبل_غزة) في سياق مشوه يضع الهوية الوطنية في تصادم وهمي مع الرمزية التضامنية. وبالمثل، أُطلق وسم (#لا_للكوفية_بالمغرب) بالتزامن مع محطات مجتمعية كالدخول المدرسي والجامعي، محشواً بتدوينات تطالب بمنع ارتداء الكوفية داخل المؤسسات بدعوى الحفاظ على “حيادها من الأيديولوجيات الشرقية والتطرف”. سردية “الأيرنة” في الإعلام المحلي: انخرطت منصات إعلامية محلية ومحللون رقميون في تصوير الكوفية كأداة اختراق أيديولوجي إيراني، مستغلين بذكاء الخلاف الجيوسياسي المشروع للمملكة مع طهران، لتحويل وشاح النضال التاريخي إلى “شبهة أمنية”. وجرى تعمد إغفال كون الكوفية رمزاً تاريخياً وطنياً تلبسه كافة أطياف الشعب الفلسطيني بمختلف توجهاته، وكان يرتديه القائد الراحل ياسر عرفات الذي جمعته بملوك المغرب أواصر تقدير تاريخية متجذرة. حملات الترهيب الرقمي والتبليغ المكثف (Mass Reporting): تم رصد حملات ترهيب شرسة طالت مؤثرين وفنانين ومواطنين مغاربة لمجرد نشر صورهم بالكوفية الفلسطينية. وتعدت ذلك إلى تقنية “التهديد بالتشهير الفكري” عبر أخذ لقطات شاشة (Screenshots) لبروفايلات أشخاص عاديين يضعون الكوفية، ونشرها في تدوينات عامة تتهمهم بالراديكالية ومطالبة مشغليهم باتخاذ إجراءات ضدهم، مما خلق نوعاً من الرقابة الذاتية المدفوعة بالخوف النفسي من التخوين والوصم. رابعاً: الأبعاد الجيوسياسية والنفسية وراء استهداف الكوفية إن التركيز على الكوفية الفلسطينية تحديداً ينطلق من أبعاد استراتيجية مدروسة: تفتيت “الرمزية البصرية الجامعة”: الكوفية هي عتبة بصرية تختزل القضية الفلسطينية؛ وتجريدها من قيمتها الأخلاقية والنضالية وتحويلها إلى “شبهة” يعني ضرب القدرة على الحشد والتعاطف البصري السريع. كيّ الوعي التاريخي للمغرب: يسعى هذا المخطط إلى قطع حبل الوريد التاريخي الذي يربط المغاربة بفلسطين (باب المغاربة، حارة المغاربة، ودماء الشهداء المغاربة على أرض الشام) واستبداله بوعي نفعي براغماتي آني عارٍ من المبادئ. خاتمة تؤكد المعطيات والشواهد الميدانية أن شيطنة الكوفية الفلسطينية في المغرب ليست حراكاً عفوياً أو نقاشاً مجتمعياً طبيعياً، بل هي استراتيجية ممنهجة تُديرها غرف البروباغندا الصهيونية عبر أدوات التضليل الرقمي والذباب الإلكتروني والوكلاء المحليين. تهدف هذه الاستراتيجية إلى إعادة صياغة الوعي الجمعي المغربي وصناعة “مواطن منبتّ” عن قضايا أمته العادلة عبر ربط رموزها بالإرهاب تارة وبالخيانة الوطنية تارة أخرى. ومع ذلك، فإن صمود الوعي الشعبي المغربي، المتمثل في الحضور الطاغي للكوفية في المسيرات الحاشدة والمحافل الطلابية والشبابية، يؤكد أن هذه الآليات وإن حققت اختراقات عابرة داخل “الفقاعات الرقمية المصطنعة” وبعض النخب المعزولة، فإنها تظل عاجزة عن اقتلاع الرمزية المتجذرة للكوفية في وجدان الإنسان المغربي؛ كعنوان للحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية التي لا تقبل المساومة. The post هندسة الشيطنة: تفكيك البروباغندا الرقمية واستهداف الكوفية الفلسطينية كرمز في المغرب appeared first on هوية بريس.
تنسيق نقابي بورزازات يستنكر اختلالات التدبير بمستشفى سيدي حساين بناصر
أصدر التنسيق النقابي المكون من المكتب الإقليمي للجامعة الوطنية للصحة، التابعة للاتحاد المغ…









