وصمة الجلاد.. مهنة لا تتقاعد وغفران لا يوهب

لم يبلغ إلى علمي من قبل أن قرأت أو سمعت عن اعترافات جلاد مغربي، جلاد من سنوات الرصاص الملعونة، تلك الحقبة القاتمة التي ألقات بظلالها الثقيلة على الوعي الوطني والإنساني، فالتصقت دماء الأبرياء بذاكرة الجدران والأرواح.. وحدها صفحات النسيان المفروض قسرا هي التي تصدرت المشهد، فجميع الجلادين راحوا يرفلون في طمأنينة الإفلات، من غير متابعة ولا محاكمة ولا اعتذار شجاع للضحايا وعائلاتهم ورفاقهم الذين تجرعوا مرارة القهر في أقبية الموت. لما تقاعد قدور اليوسفي رئيس المعتقل السري الرهيب درب مولاي الشريف في الحي المحمدي بالدار البيضاء، ذلك الاسم الذي كان يثير الرعب لمجرد الهمس به في مقهى أو في الأزقة والدروب الخلفية، انخرط في صخب الحياة المدنية وكأن شيئا لم يكن. شاهدته مرات جالسا في الركن المظلم داخل متجر بيع الملابس الرجالية الفاخرة الذي كان محاذيا لحانة “مرس السلطان” بالدار البيضاء، على مستوى زنقة جاك ريتزر (علال الفاسي حاليا). كان المحل مملوكا ليهودي مغربي لم أعرف من اسمه سوى لقب سَامْ، وكان يحرص بفخر على إبراز العلم الأمريكي بواجهة محله. لم يكن قدور اليوسفي مدمنا على الخمرة فحسب، بل كانت ساديته تتغذى عليها، إذ يجمع ضحاياه على أنه لم يكن يشرع في تقطيع أجسادهم بالتعذيب إلا بعد أن يترع جوفه بالكحول، ويتمايل مترنحا على أصوات أغاني الشيخات. غير أن هذا السادي ما أن أحيل على التقاعد حتى فقد شجاعته الرخيصة، وعجز عن ارتياد البارات المعتادة خوفا وتحسبا، ليحط رحاله صاغرا عند صاحبه اليهودي سَامْ، محتميا به لستر هويته البشعة وماضيه الدموي، هاربا من وطأة ماضيه وبشاعة جرائمه. أتذكر أن صديقي الساخر المرحوم حميد حداين، الذي غير اسمه إلى حميد بنجلون واشتهر بيننا باسم “حميد اكسيكسو”، كان يجالس قدور اليوسفي أحيانا عند سام. ولما أطلعت “اكسيكسو” على الهوية الحقيقية لقدور اليوسفي وبشاعته التاريخية، رد علي ببرود وتهكم ساخر بأنه لا يهمه ماضي الشخص، وأنه وجده واحدا بشوشا، محبا للضحك ومتذوقا للنكتة، ثم إنه يستفيد من مجالسته بشرب بعض الكؤوس النقية من النوع الفاخر من الويسكي… *** بعدها بسنوات سمعت من الصديق أحمد أقداف، واحد من المعتقلين السياسيين السابقين ضمن تيار الفقيه البصري، وهو الذي خبر صنوف القهر والعذاب وقد صار بعد إطلاق سراحه مسؤولا بإحدى مديريات بنك القرض العقاري والسياحي (السياش).. أخبرنا أقداف أنه استقبل بمكتبه في السياش الجلاد المتقاعد قدور اليوسفي الذي جاءه مع ابنته من أجل ملف اقتراض شقة سكنية. لم يطرد المناضل زبونه الجلاد، ولم يمرغ كرامته في وحل التشفي، بل إنه ساعده في طلبه وتعامل معه بكل إنسانية ومهنية كما يتعامل مع باقي زبائن البنك… أكد لي أقداف بصلابة الشرفاء ونبل المبادئ، أنه لم يفكر مطلقا في الانتقام، قامعا كل نزعات الثأر والتشفي والحقد، بقوله الخالد: “لأننا لسنا مثلهم”. تلك العبارة التي تختزل الهوة الأخلاقية الشاسعة بين من يعذب ليمارس السادية، وبين من يعاني ليصون شرف الآدمية. بعد أعوام ستصلني أخبار عن مرض قدور المزمن وعدم استطاعته الوقوف على رجليه، إذ صار يستعين بكرسي متحرك لتصريف عجزه. ولما كان يظهر في الشارع كانت ترافقه سيدة تدفع كرسيه بانكسار. لم أتأكد أبدا من تكون تلك المرأة وماذا تقربه، أهي ابنة تبكي سوء خاتمة أبيها أم مأجور تعتاش على خدمته؟ لكن الكساح لم يكن المرض الوحيد الذي أصاب قدور، فقد تكالبت عليه أمراض عدة توجت بداء الخرف اللعين. صار عاجزا عن التفوه بكلام مفهوم، فغرق كليا في استيهامات وهلوسات تعود إلى ماضيه العنيف والدموي في دهاليز أقبية درب مولاي الشريف… وعندما كانت المرأة تدفع كرسيه المتحرك ببطء، كان قدور يفتح عينيه الزائغتين في المارة، وكلما اقترب منه شخص حاول بوهن شديد جذب يده لتقبيلها وهو في حالة تشبه التوسل والبكاء العنيف. لقد كان الجلاد هنا في لحظة انكشافه الأخير، يطلب الصفح والعفو الخفي من ضحاياه، وكان يتخيل أن الناس والمارة كلهم من ضحاياه. ومهما كان فإِن المسأَلةَ هنا لا تخطئ جوهر الحقيقة، فإساءاته وأمثاله لم تكن موجهة لأفراد بعينهم فقط، بل طالت المجتمع بأسره، واغتالت طمأنينة الوطن وأحلام شبابه. *** لما توفي الملعون في صيف 2022، لم يمش وراء جنازته غير حفار القبور ومن قرأ على جثمانه آية من آيات القرآن في صمت مطبق. كان موته مناسبة نادرة لتذكر جرائمه النكراء، وصب اللعنات المتوالية عليه وعلى أفعاله البشعة التي أبت الذاكرة الجماعية أن تغفرها أو تطوي صفحتها. يبرز السؤال الملحّ.. هل كان قدور اليوسفي لو لم يصب بالخرف، قادرا على تقديم سردية تاريخية صادقة بتفاصيل أفعاله المروعة، وتوثيق جرائمه وإرثه المليء بالتسبب في الألم والمعاناة للآخرين؟ هل كان ليملك شجاعة طلب الاعتذار والصفح، بحثا عن سلام روحي خاصمه طيلة حياته الملعونة؟ وحتى لو افترضنا أن الجواب إيجابي، فإن السلطات المسؤولة لم تكن لتسمح بذلك، ولن تقبل أبدا بفتح دفاتر الدم، إلا إذا اختار اللجوء إلى خارج حدود الوطن ليبوح بما في جعبته… من يدري؟! لعلها كانت خطوة ستمضي قدما نحو حقيقة كبرى ظلت أبد الدهر بعيدة المنال في مشهدنا السياسي. ماذا لو أن المساعد والذراع الأيمن لقدور اليوسفي المسؤول حينها في الشرطة القضائية والمدير المساعد السابق للفرقة الوطنية للشرطة القضائية في المغرب، تخلى عن إنكاره الأعمى الذي لا يصدقه طفل صغير، وأدلى بالحقيقة كاملة مفصلا كل ما جرى؟ هل كان رفيقي الراحل أحمد بنجلون يبالغ أو يكذب عندما قال لي ونحن نتجاذب أطراف الحديث على فنجان بمقهى “دولتشي فيتا” في الرباط، إن ذلك الشخص الذي دخل المقهى وغادره بذعر متسارع حين وقعت عينه في عينه، هو عرشان بعينه.. الجلاد الذي مارس عليه التعذيب الوحشي في دهاليز الاعتقال؟ إن أسئلة الدم لا تموت بموت الجلادين، وحدها الذاكرة الحية تبقى شاهد زور على عرج العدالة، وحارسا أبديا لحقيقة لا تنطفئ نيرانها في صدور الشرفاء. *** معظم المهن ينقضي أثرها وتطوى صفحتها بمجرد إحالة أصحابها على التقاعد إلا مهنة الجلاد.. لا تمحوها السنون ولا يغسلها التقاعد.. فهي وصمة أبدية تلتصق بصاحبها وترافقه حتى القبر… إن محاولة إسباغ الرحمة أو التماس الغفران لجلادين رحلوا دون أن ينطقوا بالحقيقة، هي مساهمة جائرة في تزييف التاريخ. فالغفران ليس صدقة تمنح للقتلة، بل هو حق لا يستحقه الجلاد إلا إذا سعى إليه وهو على قيد الحياة، عبر الجلوس أمام ضحاياه والاعتراف الصريح بما اقترفه، وطلب الصفح بلسان يعكس ندم الجرم لا عجز المشيب.
بلجيكا: 64 تدخلا لفرق الإطفاء في بروكسل بسبب عاصفة جديدة
نفذت مصالح الإطفاء البلجيكية بجهة بروكسل العاصمة 64 تدخلا، بين مساء أمس السبت وصباح اليوم …




