وهم السيطرة

وهم السيطرة

هناك مشهد نعرفه جميعًا، ونعيشه في أكثر من مكان، حتى لو اختلفت الوجوه والأسماء: اجتماع طويل، نقاشات، أفكار تُطرح من هنا وهناك، ثم فجأة تنتهي الجلسة بجملة واحدة تُقال بثقة من يجلس في الصدارة: «القرار اتُّخذ». وكأن كل ما سبق لم يكن سوى طقس شكلي، لا أكثر. لست أتحدث عن مسؤول بعينه، ولا عن مؤسسة محددة. الأمر أعمق من ذلك وأكثر انتشارًا مما نتصور؛ يتسرب إلى الإدارات والمدارس والجمعيات والشركات، بل وحتى إلى بعض البيوت. إنها تلك اللحظة الخفية التي تنقلب فيها السلطة من أداة لتسيير الأمور إلى غاية تُمارَس لذاتها، فيصبح الحفاظ على موقع القرار أهم من جودة القرار نفسه. في البدايات، لا يثير الأمر كثيرًا من القلق. فكل عمل جماعي يحتاج في النهاية إلى من يحسم، ولا يمكن لأي جهة أن تظل تتداول إلى ما لا نهاية. لكن المشكلة الحقيقية لا تنشأ من كون شخص يتخذ القرار، بل من اللحظة التي يقتنع فيها هذا الشخص بأن موقعه وحده كافٍ ليجعله على صواب دائمًا. من هنا يبدأ الانحدار الهادئ، من فعل القيادة إلى نزعة الاستئثار. يخبرنا علم النفس التنظيمي أن السلطة قد تغيّر نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى المحيطين به. فمن يملك حق الأمر والقرار قد يصبح، مع مرور الوقت، أقل ميلًا إلى الإصغاء وأكثر ثقة بحكمه الشخصي. وإذا رافق ذلك إحساس زائد بالكفاءة، تحولت التجربة الناجحة في اتخاذ القرارات إلى وهم بأن القرار الفردي هو الحل الأمثل دائمًا. والمفارقة أن السلطة، كلما اتسعت، ازدادت حاجتها إلى عيون وآذان الآخرين. فمن يجلس في القمة لا يرى المشهد كله؛ يرى زاوية منه فقط. أما الموجودون في الميدان، فيمتلكون تفاصيل دقيقة لا تصل غالبًا إلى المكتب العلوي، وقد يكتشفون أن قرارًا بدا سليمًا من الأعلى يصطدم، بمجرد نزوله إلى الواقع، بجدار من التفاصيل الصغيرة والمعقدة. لكن بعض من يملكون القرار يقعون في فخ خطير: يعتبرون السؤال تشكيكًا في كفاءتهم، والنقد تمردًا عليهم، والاقتراح منافسة لهم، والاختلاف نوعًا من الخروج عن الصف. وهكذا يضيق هامش الكلام رويدًا رويدًا. في البداية يتحدث الناس بصراحة عما يفكرون فيه. ثم يبدأون في قول ما يظنون أن المسؤول يرغب في سماعه. ثم يكتفون بالصمت. وفجأة تصبح المؤسسة «منضبطة» أكثر من اللازم. وهذه، بالمناسبة، قد تكون أخطر إشارة على الإطلاق. فالهدوء ليس دومًا علامة على حسن الإدارة؛ قد يكون دليلًا على أن الجميع أدرك أن الكلام لم يعد يجدي نفعًا. يمكننا هنا أن نستحضر ما كتبه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عن السلطة والشرعية. فاستمرار أي سلطة لا يقوم فقط على قدرتها على إصدار الأوامر، بل كذلك على قبول الناس لشرعيتها. لكن حين تتحول الشرعية إلى طاعة عمياء، تفقد المؤسسة إحدى أهم وظائفها: القدرة على إنتاج الأفكار وتصحيح الأخطاء. المؤسسات السليمة ليست تلك الخالية من الخلاف، بل تلك التي يستطيع فيها الناس أن يختلفوا دون أن يخافوا. فالاختلاف ليس فوضى كما يُشاع، بل قد يكون جرس إنذار مبكرًا ينبهنا قبل وقوع الكارثة. الموظف الذي يقول: «أخشى ألا ينجح هذا القرار» ليس بالضرورة معطلًا للعمل؛ ربما يحاول إنقاذه من فشل محقق. ومن يسأل: «لماذا نسلك هذا الطريق؟» ليس بالضرورة معارضًا؛ ربما يبحث فقط عن فهم أعمق. أما من يطلب استشارة الآخرين، فهو لا ينتقص من سلطته، بل يمنحها رصانة أكبر. غير أن ثقافة الاستئثار بالرأي تفعل أمرًا أخطر من مجرد إسكات الأصوات: إنها تدفع الأكفاء إلى الانسحاب من الداخل. يبقى الموظف في مكانه، يحضر الاجتماعات، ينجز ما يُطلب منه، ويبتسم عند الحاجة، لكنه يحتفظ بأفكاره لنفسه. وفي المؤسسات التي يتكرر فيها هذا السيناريو، يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الجماعي»: الجميع يدرك وجود مشكلة، لكن لا أحد يريد أن يكون أول من يكسر الصمت. وهنا تحضر أيضًا سيكولوجية الجماعات. فعندما يشعر الأفراد أن هناك رأيًا «رسميًا» سائدًا، يميل كثير منهم إلى مجاراته، حتى وإن كانت لديهم تحفظات حقيقية. ومع الوقت، لا يعود صاحب القرار محاطًا بأشخاص صرحاء، بل بأشخاص أتقنوا فن تجنب الاصطدام معه. وهذه من أقسى مفارقات السلطة: قد ينجح المسؤول في إسكات معارضيه، ثم يكتشف بعد ذلك أنه أسكت مستشاريه أيضًا. فيجد نفسه محاطًا بالكثيرين، لكنه وحيد تمامًا في عملية التفكير. والأخطر من ذلك أن مثل هذه البيئات تصنع وهمًا جماعيًا بالنجاح. التقارير مشرقة، الاجتماعات هادئة، الاعتراضات نادرة، والجميع يردد أن الأمور «تحت السيطرة»، بينما الحقيقة قد تكون في مكان آخر تمامًا، بعيدًا عن قاعة الاجتماعات. فالسلطة حين تخشى النقد، قد تبدأ في صناعة معلومات مريحة لها. وحين لا يعود المسؤول يسمع إلا ما يطمئنه، تصبح التقارير أقل قدرة على وصف الواقع وأكثر قدرة على حماية صورة القرار. وهنا تدخل البيروقراطية على الخط بقوة. فكلما تراجعت الثقة في الناس، زادت الرغبة في مراقبتهم. وكلما تعاظم الخوف من الخطأ، تضاعفت المساطر والإجراءات. وكلما كثرت هذه المساطر، أنفق الناس وقتًا أطول في إثبات أنهم أنجزوا عملهم، بدل إنجازه فعلًا. وهكذا تتحول المؤسسة إلى كائن غريب الأطوار: الجميع مشغول، لكن الإنتاج ضئيل؛ الجميع يكتب التقارير، لكن جوهر المشكلة لا يتغير؛ الجميع يحضر الاجتماعات، بينما القرار الحقيقي لا يزال معلقًا بانتظار شخص واحد. هذه هي البيروقراطية حين تنقلب من وسيلة لتنظيم العمل إلى درع يحمي السلطة من المسؤولية. لكن الاستئثار بالقرار لا ينبع دائمًا من سوء نية. أحيانًا يكون خلفه خوف عميق من فقدان زمام الأمور. فبعض الناس يعتقدون أن تفويض الصلاحيات يعني احتمال وقوع أخطاء ستُحسب عليهم شخصيًا، فيفضلون الإمساك بكل الخيوط بأنفسهم. غير أن محاولة السيطرة على كل شيء قد تنتهي، للمفارقة، بفقدان السيطرة على الأمور الأكثر أهمية. فالإنسان محدود مهما علا مقامه. لا يمكن لعقل واحد أن يحيط بكل شيء، ولا لشخص واحد أن يرى المؤسسة من جميع جوانبها، ولا لمسؤول واحد أن يمتلك كل الخبرة اللازمة لاتخاذ قرارات معقدة. القوة الحقيقية في الإدارة لا تكمن في امتلاك كل الأجوبة، بل في معرفة كيفية استخراج الأجوبة من عقول الآخرين. وهنا يتضح الفرق الجوهري بين السلطة والقيادة. السلطة تقول: «نفّذوا». أما القيادة فتقول: «فكّروا معي». الأولى تصنع الطاعة، والثانية تصنع المشاركة. الأولى تحتاج إلى منفذين، والثانية تحتاج إلى مفكرين. ولذلك فإن أخطر ما قد يصيب أي مؤسسة ليس وجود شخص قوي على رأسها، بل أن تتحول قوته إلى قناعة راسخة بأنه لا يحتاج إلى أحد. فالمؤسسة التي تقوم على شخص واحد قد تبدو قوية في حضوره، لكنها تصير هشة للغاية في غيابه. أما المؤسسة التي توزع المعرفة والخبرة والمسؤولية، فتستطيع الاستمرار حتى حين يتغير أشخاصها. ولعل هذا هو جوهر الإدارة الحقيقية: أن تجعل المؤسسة أكبر من الأفراد الذين يقودونها. فالمسؤول الناجح ليس من يترك بصمته على كل تفصيل، بل من يبني نظامًا يستطيع الآخرون العمل من خلاله بكفاءة حتى في غيابه. ولعله آن الأوان لإعادة النظر في العبارة التي نسمعها كثيرًا: «أنا المسؤول، وأنا من يقرر». صحيح أن المسؤول يتحمل القرار في النهاية، لكن هذا لا يعني أنه مطالب بأن يكون صاحبه الوحيد. فالاستشارة لا تنتقص من السلطة، والتفويض لا يلغي المسؤولية، والنقد لا يهدم الهيبة، والاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفًا، بل نضجًا. وربما تكون أخطر لحظة في مسيرة أي مؤسسة هي حين يصبح المسؤول أقوى من أن يُنصَح، وأهم من أن يُراجَع، وأشد ثقة بنفسه من أن يعترف بأنه قد يحتاج إلى رأي آخر. عندها لا يعود الخطأ مجرد زلة إدارية عابرة، بل يصبح جزءًا من بنية النظام نفسه. وقد تبدأ المؤسسة، في تلك اللحظة بالذات، بفقدان شيء لا يظهر في الميزانيات ولا في التقارير ولا في محاضر الجلسات: قدرتها على التفكير الجماعي. فالسلطة التي تفسح المجال للآخرين كي يقولوا رأيهم قد تخطئ أحيانًا، لكنها تملك دائمًا القدرة على تصحيح مسارها. أما السلطة التي لا تُصغي إلا إلى صوتها الخاص، فقد تتخذ قراراتها بسرعة مذهلة، ثم تكتشف بعد سنوات أنها كانت تتحدث طوال الوقت داخل غرفة موصدة الأبواب. وربما لا تحتاج مؤسساتنا إلى مسؤولين أكثر قوة، بقدر ما تحتاج إلى مسؤولين لا يخافون من قوة من حولهم. فالمسؤول الذي يسمح لمن حوله بأن يختلفوا معه لا يفقد سلطته، وإنما يحميها من التحول إلى عبء. والذي يقبل النصيحة لا ينتقص من هيبته، بل يثبت أنه لا يحتاج إلى صناعة الخوف كي يُطاع. أما حين يصبح المسؤول أقوى من أن يُنصح، وأهم من أن يُراجَع، وأذكى من أن يستشير، فالمشكلة لم تعد في شخصه وحده، وإنما في المؤسسة التي سمحت للسلطة بأن تغلق نوافذها. وحين تغلق السلطة نوافذها، لا يدخل إليها النقد، ولا تصلها الحقيقة. وما يبقى في الداخل ليس بالضرورة الحقيقة، بل صدى الصوت الذي أصدر القرار. The post وهم السيطرة appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

أحمد الشهبيمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

4 × four =

Check Also

الـCGT تطالب بإطلاق سراح معتقلي الرأي والتراجع عن قانون الإضراب وتندد بتضييق الداخلية

طالبت الكونفدرالية العامة للشغل (CGT) بإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي، ورفع القيود المفروضة …