Home الصحافة المغربية رمضان… موسم مغفرة الذنوب

رمضان… موسم مغفرة الذنوب

رمضان… موسم مغفرة الذنوب

رمضان… موسم مغفرة الذنوب

هوية بريس – شريف السليماني

يعيش المسلم في شهر رمضان أيامًا عظيمة جعلها الله تعالى فرصةً لمحو الذنوب وفتح صفحة جديدة مع الله. وقد بيّن النبي ﷺ ذلك بوضوح في أحاديث متقاربة المعنى، فقال:

“من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.”

وقال ﷺ:  “من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.”

وقال ﷺ:  “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.”

تأمل هذه الأحاديث الثلاثة…

صيام رمضان، وقيام رمضان، وقيام ليلة القدر… كلها أعمال جعلها الله سببًا في مغفرة الذنوب. وكأن الرسالة واضحة: نحن في رمضان نعيش موسم المغفرة.

لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: ماذا يعني أن يغفر الله للإنسان ذنوبه؟

المؤمن ينظر إلى الذنوب نظرة مختلفة. فهو لا يتعامل معها بخفة أو استهانة، بل يدرك خطورتها. وقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:

“إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا.”

ولذلك قال بعض الصالحين كلمة بليغة في هذا المعنى:

“لا تنظر إلى صِغَر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.”

فالذنب ليس مجرد خطأ عابر، بل هو في حقيقته معصية لله تعالى. ولهذا يسمي القرآن الذنب ظلمًا للنفس، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾.

لكن مع خطورة الذنوب، فتح الله لعباده بابًا عظيمًا هو باب المغفرة. بل إن رحمة الله أوسع من مجرد محو الذنب، فقد يتحول الذنب بعد التوبة إلى حسنات. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾.

إنها رحمة عظيمة… ليس فقط محو السيئات، بل تبديلها حسنات.

ولهذا نجد أن المؤمنين في القرآن يكثرون من دعاء واحد يتكرر في مواضع كثيرة: طب مغفرة الذنوب. قال الله تعالى:
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.

وكأن القرآن يعلّم الإنسان أن أعظم ما يحتاجه في حياته ليس المال ولا الصحة، بل مغفرة الذنوب.

ومن أروع ما يبين رحمة الله في هذا الباب الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عن ربه عز وجل، حيث قال:
“أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: ربِّ أذنبتُ ذنبًا فاغفر لي. فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي.

ثم عاد فأذنب فقال: ربِّ أذنبت ذنبًا فاغفر لي. فقال الله: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي.

ثم عاد فأذنب فقال: ربِّ أذنبت ذنبًا فاغفر لي. فقال الله تعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء.”

الملفت في هذا الحديث أن الله تعالى يكرر وصف هذا العبد بقوله: “علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب.”
أي أن هذا العبد يعلم يقينًا أن له ربًا إذا أخطأ رجع إليه، وإذا أذنب استغفره، وإذا وقع قام من جديد. فمعرفة العبد بربه ورجوعه إليه من أعظم العبادات.

وقد وصف الله المتقين في القرآن بصفات عظيمة فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

ثم ذكر أعمالًا عظيمة مثل الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، فقال: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

لكن اللافت أن الله ذكر بعد هذه الصفات أمرًا آخر مهمًا، فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾.

أي أن هؤلاء الصالحين قد يقع منهم الذنب، لكن الفرق أنهم يرجعون إلى الله.

ثم جاءت الجملة العظيمة: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

فليس العيب أن يخطئ الإنسان، ولكن الخطر أن يصر على الذنب.

ولهذا ختم الله الآيات بقوله: ﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.

أي أن هؤلاء مع أنهم قد يخطئون، لكن لأنهم استغفروا ورجعوا إلى الله كان جزاؤهم المغفرة والجنة.

ويمكن تقريب معنى مغفرة الذنوب بصورة من حياتنا اليومية. تخيل إنسانًا أصيب بمرض خطير جدًا، مرض متعب ومؤلم وربما مميت. عاش فترة طويلة بين الخوف والقلق، يذهب إلى الأطباء ويجري الفحوصات ويتعب مع العلاج. ثم تأتي اللحظة الحاسمة، فيخبره الطبيب بعد الفحوصات أن المرض لم يعد له أي أثر في جسمه.

كيف ستكون فرحته في تلك اللحظة؟

لا شك أنها فرحة عظيمة، لأن الإنسان عندما يشفى من مرض يصيب الجسد يشعر وكأنه وُلد من جديد.

لكن الحقيقة أن مرض الذنوب أخطر من مرض الجسد. فمرض الجسد يؤلم الإنسان في الدنيا، أما الذنوب فقد تكون سببًا في غضب الله وعقابه يوم القيامة.

ولهذا فإن مغفرة الذنوب تعني رحمة من الله، وتعني النجاة من العقاب، وتعني طريقًا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وتعني الأمل في أن يكون الإنسان من أهل جنة الفردوس، بل أعظم من ذلك أن يكون من الذين ينظرون إلى وجه الله الكريم.

لهذا كله كان أعظم ما يتمناه المؤمن أن يغفر الله له ذنوبه.

ونحن في رمضان نعيش أيامًا قد يغفر الله فيها سنوات من الذنوب. فالسعيد من خرج من هذا الشهر وقد طرق باب المغفرة بصدق، ورجع إلى الله بقلب صادق، راجيًا رحمته، مستغفرًا لذنوبه.

نسأل الله أن يجعلنا من عباده الذين إذا أذنبوا رجعوا إليه، وإذا أخطؤوا استغفروه، وأن يغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها، أولها وآخرها، سرها وعلانيتها.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

The post رمضان… موسم مغفرة الذنوب appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

15 + twenty =

Check Also

المنتدى البرلماني الدولي: السياسات المنصفة رهان بناء مجتمعات أكثر صمودا

زنقة20ا الرباط تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلقت يوم الإثنين 09 ف…