Home الصحافة المغربية رافِق الكُتاب!

رافِق الكُتاب!

رافِق الكُتاب!

رافِق الكُتاب!

هوية بريس – حميد بن خيبش

الكتابة أشبه ببناء معماري، فهي بحاجة إلى تصور عام قبل مباشرة عملية البناء. وقد يتطلب الأمر أحيانا نقض الأساس، أو هدم ما بنيت لتعود من جديد إلى حجر الأساس. ولكل كاتب عالمه الخاص الذي يستمد أحجاره من الواقع اليومي ومشاهداته، ثم يضيف إليها قِطعا من خياله ورؤاه الفنية، ليقدم إلينا في الأخير تجربة من الحياة الإنسانية، تحمل في طياتها مقومات الخلود!

مرافقة الكُتاب أمر حيوي لكل راغب في امتهان صنعة الكاتب، لأن في التنوع الذي يميز طقوس كتابتهم، يمكن للمرء أن يلتقط توجيهات وخطوات، تذلل له الصعوبات، وتُحرره من الرؤى الضبابية التي تكتنف عادة كل مشوار للكتابة في بدايته.

لابد للكتابة، كما يرى الأديب السوري الراحل حنة مينة، من تجارب حياتية بالغة الاتساع والعمق، وفهم البيئة والناس وكل الوجود المحيط بهم. وكلما افتقر الكاتب إلى تجربة الحياة الواسعة، إلا وشعر بالعجز عن إعطاء شيء جيد كل مرة، ليقع بالتالي في فخ التكرار ثم الانطفاء.

إن تحري الخبرات الإنسانية في جميع الأمكنة والأزمنة يتيح للمرء أن يواصل الكتابة، حتى لو كان المجتمع من حوله يتحرك بالمقلوب. قبل أن تحصل الروائية الألمانية من أصل روماني هيرتا موللر على جائزة نوبل سنة 2009، كانت عرضة للتهديد والمطاردة من طرف نظام تشاوسيسكو المستبد، وصودر كتابها الأول.

لم أواصل الكتابة لدواعي قوة ما، تقول موللر، لكني اكتشفت أنها منحتني صيغة للتماسك الداخلي، ويمكنها أن تدعم وعيي بذاتي. ربما عدم امتلاكي للقوة دفعني لكي أكتب. آمنت لحظتها بأن الكتابة مفتاح يحق لنا التشبث به، حتى لو أدركت أن وقائع الحياة ستبقى على حالها.

وإلى جانب السعي خلف التجربة وتحري الخبرات، ينبغي أن يجيد الكاتب الاصطفاف إلى جانب المبادئ، والمثل الجمالية والإنسانية التي تمنح كتاباته الدفء والصدق اللازمين. لقد أمضى جورج أورويل خمس سنوات من حياته، في سلك الشرطة الامبريالية الهندية ببورما، فمنحته وظيفته فهما أعمق لطبيعة الامبريالية؛ ثم جاء هتلر والحرب الإسبانية الأهلية فعرف جيدا أين يقف، واتجه للكتابة ضد الشمولية ومن أجل الديموقراطية.

عندما أجلس لكتابة كتاب، يقول أورويل، لا أقول لنفسي “سوف أنتج عملا فنيا”. أكتبه لأن هناك كذبة أريد أن أفضحها. حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها. وهَمي الأول هو الحصول على مستمعين، لكن ليس بإمكاني القيام بمهمة كتابة كتاب، أو حتى مقالة طويلة لمجلة لو لم تكن أيضا تجربة جمالية.

أول خطوة إذن في سبيل إتقان مهارات الكتابة هي التوظيف الجيد للخبرات، والمشاهد اليومية، والإنصات للواقع حتى تمس الكتابة وجدان القارئ، وتصور آماله وهمومه وتساؤلاته. لكن ذلك لا يعني الاكتفاء بنقل الأحداث، أو التقاطها بشكل مجرد كما تفعل آلة التصوير؛ بل يتطلب الأمر إضفاء مسحة جمالية، والإلمام بقواعد التعبير الفني.

تتصل الكتابة برؤيتنا للعالم، بما يعنيه ذلك من توجيه لآلية الخيال لفهم الواقع، وليس للهروب والالتفاف عليه. لذا فأحد أهم الأسئلة التي على الكاتب أن يواجهها يدور حول منظوره لعلاقة الكتابة بالواقع، وهل عليها أن تتقيد بما يُضمره الكاتب من أفكار ثابتة عن الحياة والوجود، أم يقف على الحياد، تاركا مهام الاستكشاف والتأويل والاستنطاق للقارئ؟

كان إرنست همنغواي أحد رواد الكتابة الجديدة الذين سعوا إلى تجاوز الخطابية التي جعلت من الأدب فنا تعليميا، يُخضع الحياة لأفكار وقناعات مسبقة. تحرر همنغواي من نمطية المدرستين الرومانسية والاشتراكية، حين دافع عن الكتابة باعتبارها رؤية بصرية، تكشف كثافة الانفعالات والتكوين الروحي للإنسان. إنها بمثابة الخُمس العائم من جبل الجليد، والذي يتعين على القارئ وحده أن يكشف عن أربعة أخماسه المغمورة تحت الماء! يقول همنغواي: إذا وصفت شخصا ما، فإنه يصبح شخصية سطحية، كصورة فوتوغرافية؛ وهذا من وجهة نظري يعد تقصيرا. أما إذا قمت بتكوينه بناء على ما تعرفه عنه، فإنه يكتسب أبعادا متعددة.

ولأن الكتابة أخت العزلة، فلا محيد لأي كاتب عن حفر سردابه الخاص، والنزول وقتما ألحّ جنون الكتابة. ذلك أن الاحتدام الذي يتملّك ذاته، بفعل المشاعر والأفكار والانطباعات، يسحبه، شاء أم أبى، من مجريات الحياة العادية.

إن العزلة المتعلقة بالكتابة، تقول مارغريت دوراس، هي عزلة بدونها لا يُنتَج المكتوب. أو أنه يتفتت نازفا في البحث عما يُكتب. هو فقد من الدم لم يعترف به الكاتب بعد. ولأن الرجال لا يتحملون في العادة امرأة تكتب، فقد كانت دوراس مجبرة على أن تصنع وحدتها، وتخاتل العائلة والأصدقاء، بل قد تضطر أحيانا لغلق الأبواب كي تصنع وحدتها، كأن توجد في حفرة، تقول دوراس مرة أخرى، في وحدة شبه كاملة، وتكتشف أن الكتابة وحدها ستنقذك. وأن تعدم أي موضوع لكتاب، دون أي فكرة عن كتاب، فأنت عندئذ ستلقى نفسك، ستستعيدك أمام كتاب. أمام فراغ هائل. كتاب محتمل.

ينجر كل كاتب في بداية مشواره إلى المقارنة، وتحسس مواطن النقص التي قد تؤجل التحاقه بنادي الكُتاب. ولعل الهاجس الذي لا ينفك يطارده، متعلق أساسا بحتمية الموهبة والإلهام خلف كل نص يكتبه، وترقُّب تلك الطاقة الإبداعية التي تغمره بين الحين والآخر، حيث يستمتع بالتدفق السلس للكلمات والجمل. غير أن أليس مونرو صرّحت غداة حصولها على جائزة نوبل للأدب سنة 2013، بأن سر الكتابة يكمن في دقة الملاحظة، والنفاذ بعمق إلى جوهر الناس والأشياء. قد تكشف لحظات التألق عن بعض المقاطع الجميلة، إلا أن الكاتب الجيد عليه أن يضاعف فترات الكتابة إن كان يأمل بالانتظام والإنتاج المتواصل.

لا أعتقد أني احتجت يوما إلى الإلهام، تقول مونرو، فالقصص بالنسبة لي، من أهم الأشياء في العالم. أردت ابتكار بعض هذه القصص؛ هذا كل ما أردت فعله. أما بشأن الموهبة، فهي أمر لم تفكر فيه مونرو، لأن الكتابة كانت شيئا أرادته بشدة. مجالا يمكنها النجاح فيه إذا اجتهدت بما فيه الكفاية. لذا، تضيف مونرو، إذا كانت الكتابة موهبة، فهي بالتأكيد لم تكن موهبة سهلة.

حين يقرر المرء أن يكتب فإنه يفعل ذلك لنفسه أولا. يكتب ليختبر ذاته وبصيرته وحكمه على الأحياء والأشياء من حوله. يكتب لأن هناك تداعيا مؤلما يتلاطم بين حناياه كالموج الهادر. ويكتب أيضا ليُمتع ويؤثر ويؤرق، ويلقي حجرا في بركة الروتين اليومي، علّه يُحدث دوائر حول الدوائر، فيهز الخط المستقيم الذي ملت الأقدام من المشي عليه!

لكن حين يكتب وعينه على المسابقات والأضواء الخاطفة. أو يكتب بيمناه بينما يسراه تحصي المعجبين كل ليلة في مواقع التواصل الاجتماعي. حين يشعر بالخيبة أمام نقد واضح يقوم مساره، أو قراءة جادة تحدد هفواته، آنذاك يشير بوضوح إلى هويته ككاتب رديء.

يحكي الروائي المكسيكي غابرييل غارسيا ماركيز عن شاب في الثالثة والعشرين من العمر، جاء إلى بيته بمدينة مكسيكو، وكان قد نشر روايته الأولى قبل ستة أشهر، ويشعر بالنصر في تلك الليلة لأنه سلم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى ناشره؛ يقول ماركيز، أبديت له حيرتي لتسرعه وهو ما يزال في بداية الطريق؛ فرد علي باستهتار لازلت أرغب في تذكره على أنه استهتار لا إرادي:” أنت عليك أن تفكر كثيرا قبل أن تكتب، لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة لأن قلة من الناس يقرؤونني. إن ذلك الشاب قرر سلفا أن يكون كاتبا رديئا، كما كان في الواقع، إلى أن حصل على وظيفة جيدة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة، ولم يعد بعدها إلى إضاعة وقته في الكتابة!”

تتيح مرافقة الكُتاب إمكانية تحسس خطاهم، وهم يمزجون الخبرات والمواقف الإنسانية بعناصر البناء الفني واللغوي التي تحرر كتاباتهم من الفجاجة، وتضمن لها بعثا متجددا كلما امتدت لها يد القارئ. يؤمن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بأن الإنسان حين يبدأ بالاحتجاج يصبح أكثر جمالا. يمكننا قول الشيء ذاته عن الكتابة، فالإنسان حين يكتب يصبح أكثر إنسانية ووضوحا، لأن الكتابة الجيدة أشبه بلعبة المرايا التي تتأرجح خلالها صورتنا بين التقعر والاحديداب، ثم تقودنا في نهاية المطاف إلى التصالح مع الذات.

The post رافِق الكُتاب! appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ten + thirteen =

Check Also

مناهضو “GMT+1” يلجؤون للمركزيات النقابية لجمع التوقيعات بفاتح ماي

وجه محسن الودواري، وكيل العريضة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية “غرينتش”، طلبا …