Home اخبار عاجلة صلاة اليهود بباب دكالة: عندما يغيب الوعي نضل الطريق
اخبار عاجلة - 3 hours ago

صلاة اليهود بباب دكالة: عندما يغيب الوعي نضل الطريق

صلاة اليهود بباب دكالة: عندما يغيب الوعي نضل الطريق

في مشهد لافت وغير مألوف أقام عدد من اليهود الحريديم صلاتهم أمام أسوار باب دكالة العتيقة بمراكش، فأشعلوا بذلك جدلا واسعا في الفضاء العام المغربي، انقسمت بموجبه الآراء والمواقف بشكل حاد إلى فريقين: دافع الفريق الأول عن طقوس الصلاة باعتبارها جزءا من ممارسة الحقوق الدينية في بلد عريق عرف عنه التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات المختلفة، بينما عارضها الفريق الثاني واستنكرها لكونها تشكل استفزازا لمشاعر المسلمين، وانتهاكا لحرمة الفضاء العام الإسلامي، ذهب بعض هؤلاء المعارضين إلى اعتبار واقعة الصلاة جزءا من مخطط صهيوني شامل يستهدف السطو على المعالم التاريخية المغربية وتهويدها في أفق جعل البلاد كلها “وطنا بديلا لليهود”، وما الصلاة أمام حائط باب دكالة إلا دليلا قاطعا على نيتهم الاستيلاء على السور وتحويله لحائط مبكى جديد أو بديل. إن القراءة المتأنية للأحكام الصادرة تجاه واقعة صلاة اليهود قرب أسوار باب دكالة، الأحكام المؤيدة و الأحكام المعارضة، تكشف انزالق الطرفين في شرك “المطابقة بين الصهيونية واليهودية”، إذ بالرغم من االتناقض الظاهر في المواقف والمنطلقات بين من “يعادي اليهودية بمبرر صهيونيتها” ومن “يدافع عن الصهيونية بمبرر يهوديتها”، فإن الموقفين يقودان إلى نتيجة جوهرية واحدة وهي أن كلاهما يتماهى مع الدعاية الصهيونية التي تدعي احتكار الوصاية على الوجود اليهودي، ويمنحها الشرعية لسرديتها التي تسعى إلى اختزال الهوية اليهودية التعددية في كيان سياسي واحد وهو إسرائيل. كشفت “واقعة الصلاة” عن ردود متباينة تجاوزت كونها خلافات عابرة أو سجالات عرضية، لتعكس هشاشة الوعي التاريخي، وتعري الفراغ المعرفي والخلط المفاهيمي بين اليهودية والصهيونية وإسرائيل، ففي غياب التمييز الواعي بين الإنتماء الديني والمشروع السياسي، استحال الفضاء العام مسرحا للأحكام المسبقة والتعميمات الجاهزة، حيث أصبح اليهودي مرادفا للصهيوني، في تناقض صارخ مع الحقيقة التاريخية، إن هذا الفراغ المعرفي، دفع فئات عريضة من المغاربة إلى إطالق أحكام قيمة وإدانات متسرعة دون أن يتساءلوا : من هم هؤلاء المصلون؟ وما طبيعة علاقتهم بالصهيونية وإسرائيل؟ حسيدية ساتمار ينتمي اليهود الحريديم الذين أدوا طقوس الصلاة قرب أسوار باب دكالة بمراكش إلى “حسيدية ساتمار”، وهي واحدة من أكبر وأغنى فروع اليهودية الحسيدية نفوذا في العالم، كما أنها تمثل التيار الأكثر راديكالية وتشددا وتزمتا في اليهودية الأرثوذكسية، ولعل ما يميز هذه الطائفة عن باقي الجماعات الحريدية هو عداءها المطلق للصهيونية والرفض الثابت لدولة إسرائيل. تطلق تسمية “حريدي” على اليهودي الحريص على التطبيق الحرفي والدقيق لتعاليم الشريعة اليهودية (الهالاخاه) في كافة تفاصيل الحياة اليومية، وكلمة “حريدي” مشتقة من الجدر العبري “حرد” الذي يعني “الارتجاف” أو “الارتعاد”، ونقول “حريديم” (وهي جمع حريدي بالعبرية) أي “الذين يهابون الله” أو “المرتجفون خوفا من الله”، أو “المرتعشون خشية من الله”. نشأت طائفة “الحريديم” أواخر القرن الثامن عشر كحركة دينية مضادة لقيم الحداثة والتنوير الأوروبيين، ولا سيما التنوير اليهودي (الهاسكالا) الذي دعا مفكروه اليهود إلى الخروج من أحياءهم (غيتوهاتهم) المغلقة والانفتاح والاندماج في المجتمعات الأوروبية، كما دعوا إلى تعلم اللغات الأجنبية وتحديث الشعائر الدينية وإصلاحها، ومن هنا، برز الحريديم في أوروبا الشرقية كفصيل يهودي أورثودوكسي يحمل شعار “كل ما هو جديد محرم بنص من التوراة”، تعبيرا عن موقفهم التابث المعارض لكل أشكال التحديث أو الإنفتاح على العالم المعاصر. في نفس الفترة ظهر المذهب الحسيدي كطائفة فرعية داخل المجتمع الحريدي المتطرف، حيث ركز الحسيديون الأوائل على القوة الروحية والارتباط الصوفي العاطفي بالإله، وأهمية التقوى الشخصية. وفي هذا السياق، ارتكز إيمان الحسيديم على “االتسديك” (الصديق) أو “الولي الصالح” بصفته زعيما روحيا مقدسا، يتوسلونه لنيل البركات الإلهية وتحقيق النشوة الروحية، بناء على ذلك، انتشرت أفكار الحسيديم في أوساط اليهود الفقراء في دولة المجر، كتعبير عن معارضتهم ليهود العاصمة “بودابست” والمدن الكبرى الذين اندمجوا في مجتمعهم وتنكروا لنظام العيش التقليدي اليهودي في الغيتوهات. وهكذا انتشرت المئات من الجماعات اليهودية الحسيدية شرق أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية وخصوصا في المدن الصغيرة والقرى، ومن أشهر هذه الجماعات “بوبوف” و”جين” و”ساتمار”، هذه الأخيرة هي التي أدى أتباعها طقوس الصلاة قرب أسوار باب دكالة بمراكش. نشأت طائفة “ساتمار” الحسيدية حوالي عام 1905 في مدينة مجرية كان اسمها “ساتمارنيميتي، وأصبحت المدينة رومانية تحمل اسم “ساتو ماري”، ومع تصاعد خطر النازية وانتهاج سياسة الإبادة ضد اليهود هاجر أتباع الطائفة نحو الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنشأوا هناك أحياء يهودية حسيدية خاصة بهم، يعيشون فيها عزلة شبه تامة عن العالم الخارجي. بالرغم من ظهور الحركة الصهيونية في نفس الفترة وتبنيها خطابا يدعو اليهود إلى العودة إلى المجتمع والأمة اليهوديين تفاديا لانصهارهم في المجتمعات الأوروبية، فقد عارضها اليهود الأرثودكس بشدة كما رفضوا قيام دولة يهودية، معتبرين ذلك خطيئة وتمردا على شعوب العالم. حسيدية ساتمار والصهيونية مع انتهاء الحرب العالمية الثانية قامت العديد من الجماعات والطوائف اليهودية الحريدية المتشددة بمراجعة موقفها من دولة الاحتلال الناشئة التي وعدت بحماية يهود العالم باختلاف أصولهم ومذاهبهم، لكن اليهود الحسيديم، وفي طليعتهم “ساتمار” لم يغيروا موقفهم العدائي والمطلق للصهيونية ولإسرائيل، وظلوا متمسكين بقناعتهم الراسخة بأن تأسيس دولة لليهود قبل مجيء المسيح يعد خطيئة كبرى واعتداء سافرا على الإرادة الإلهية، ولهذا، يرون أن الخلاص الروحي لليهود لن يتحقق ما لم تزل دولة إسرائيل وتحل كل أجهزتها ومؤسساتها. بلغ عداء طائفة “ساتمار” للصهيونية حدا جعلهم يصفون دولة الإحتلال بأنها أسوء من النازية، فالنازية في نظرهم أبادت الأجساد فقط، أما إسرائيل فقد أبادت الأجساد والأرواح معا، لذا، يصر أنصار هذه الطائفة، سياسيا وعقائديا، على فضح الأجندات الاستعمارية للصهيونية ومواجهتها بكافة السبل المتاحة والممكنة، لدرجة أنهم سعوا إلى خلق موطأ قدم لهم داخل إسرائيل، عبر تمويل الجماعات المعادية للصهيونية، لتمكينهم من الحفاظ عن استقلاليتهم، واعتزال الانتخابات والتجنيد في الجيش، ورفض أي تمويل من الحكومة الإسرائيلية، (تبرعت “ساتمار” بـ 5 ملايين دولار عام 2019). استنادا إلى هذا السياق، واظبت طائفة “ساتمار” على المشاركة في التظاهرات المنددة بالسياسة الاستعمارية الإسرائيلية والمدافعة على الحق الفلسطيني، إذ احتجت بقوة على إعلان ترامب الذي اعتبر القدس عاصمة لإسرائيل، وقادت تظاهرات عارمة للمطالبة بوقف حرب الإبادة ضد الفلسطينيين في غزة، ودعت إلى فرض عقوبات عسكرية واقتصادية وسياسية على دولة الاحتلال، كما نظمت الطائفة تظاهرات احتجاجية حاشدة في الولايات المتحدة الأمريكية أمام مقر لجنة الشؤون الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، وأمام مكاتب أعضاء الكنغرس المتلقين لتمويلها، رافعين لشعار: “الصهيونية إرهاب”. إذا كان الواقع بهذا الشكل، كيف يعقل أن يرمى هؤلاء المصلين قرب أسوار باب دكالة بتهمة الصهيونية ؟ الدمج بين الصهيونية واليهودية قادت الحركة الصهيونية منذ بدايات نشأتها الأولى مشروعا ضخما غايته العليا دمج الهوية الدينية اليهودية بالإيديولوجيا الصهيونية السياسية، ومن أجل تحقيق هذه الغاية عمدت إلى أدلجة النصوص والمفاهيم الدينية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، حولت “أرض الميعاد” من مجرد مفهوم روحي يجسد الخلاص الإلهي في آخر الزمان، إلى وطن قومي لليهود وجب استعادته بالقوة العسكرية والسياسية، وبالطريقة نفسها أصبح مفهوم “شعب الله المختار” التوراتي أمة يهودية تطالب بتقرير مصيرها، كما تحول “الشتات اليهودي” من عقوبة إلهية في عالم روحاني قائم على الخيال والأسطورة، إلى حالة ضعف قومي واقعي وجب إنهاؤه بالعمل المادي والجسدي على الأرض. وعلاوة على ذلك، وظفت الحركة الصهيونية الرموز الدينية اليهودية وحولتها إلى مرتكزات للهوية الوطنية، فالعلم الإسرائيلي مثلا مستلهم من شال الصلاة بخطوطه الزرقاء (الطاليت)، والشمعدان السباعي (المينورا) الذي يرمز لهيكل سليمان أمسى شعارا رسميا للدولة، وصولا إلى اللغة العبرية التي كانت لغة تعبدية للصلاة والدعاء، فتحولت إلى لغة قومية يتحدث بها الإسرائيليون. هكذا عمدت الحركة الصهيونية إلى السطو على الديانة اليهودية، حيث أعادت صياغة رموزها وتأويل نصوصها، غايتها العليا كانت وما تزال، إقناع اليهود وغير اليهود بأن الصهيونية واليهودية وجهان لعملة واحدة، وأن إسرائيل هي الممثل الوحيد والشرعي لجميع يهود العالم، وبناء عليه، أضحى كل طقس ديني يهودي بمثابة إعلان ضروري للانتماء لهذه الدولة. اصطفاف إلى جانب الصهيونية عندما يهاجم بعض المنتمين إلى التيارات السياسية المحافظة (إسلامية، يسارية، قومية) جماعة “ساتمار” بسبب إقامتها طقوس الصلاة قرب أسوار باب دكالة فهم يكرسون الرواية الصهيونية من حيث لا يدرون، ويمنحون للحركة الصهيونية انتصارا رمزيا عبر جعل الدين اليهودي والإيديولوجيا الصهيونية شيئا واحدا، وبذلك تقع هذه التيارات في المصيدة التي نصبتها الصهيونية لخصومها، وهي وضعهم بين خيارين، “معاداة اليهود” بذريعة “معاداة الصهيونية” أو العكس. عندما تتجاهل التيارات التي ترفع شعار “الدفاع عن الحق الفلسطيني” حقيقة أن قطاعات واسعة من الحريديم يناهضون الصهيونية، فذلك ليس خطأ إجرائيا بسيطا أو سوء تقدير عرضي، بل هو قرار سياسي له تبعات خطيرة نختزلها في ما يلي: – يعتبر الهجوم على الجماعات اليهودية المعادية للصهيونية، كطائفة ساتمار،”هدية مجانية” تخدم سردية اليمين الصهيوني القومي المتطرف، وتدفع تلك الجماعات نحو التفكير في العودة إلى أحضان القومية الإسرائيلية بوصفها ملجأ وحيدًا لحمايتهم من كل التهديدات الممكنة أوالمحتملة، لذلك، فبدلا من تحويل العداء والرفض غير المدروسين إلى ورقة رابحة بيد اليمين المتطرف، تقتضي الحكمة السياسية ضرورة استثمارالتناقضات الداخلية بين الصهيونية واليهود الرافضين لدعايتها، وذلك بكسب هؤلاء، ولا سيما الجماعات الأورثودكسية المعادية لإسرائيل، مثل طائفة “ساتمار” الحسيدية، حليفا استراتيجيا مناهضا للمشروع الصهيوني. – يتيح دمج اليهودية بالصهيونية لإسرائيل إمكانية إضفاء القداسة على سياستها الاستعمارية، فيتحول الأستيطان -على سبيل المثال- من كونه جريمة يعاقب عليها القانون الدولي، إلى عودة لتعاليم التوراة، وهو الأمر الذي لطالما ساعدها على الإفلات من المحاسبة على الجرائم التي اقترفتها ضد الفلسطينيين، فنراها في المحافل الدولية تؤدي دور الضحية التي تُحارب بسبب دينها، وبالمقابل يتم تصوير النضال من أجل الحق الفلسطيني “جهادا دينيا” هدفه طرد اليهود من أرض سكنوها وعمروها، مما يفقد للشعب الفلسطينيي الكثير من التعاطف الحقوقي في الأوساط غير الملمة بتاريخ الصراع وتفاصيله. – يعد دمج اليهودية والصهيونية أكبر هدية تمنحها التيارات السياسية المدافعة عن الحق الفلسطيني لليمين الصهيوني المتطرف، فهي بذلك تحول الصراع من طابعه القانوني والحقوقي والسياسي حول الأرض والحدود والسيادة، إلى صراع ديني وجودي صفري حول المقدس والوعد الإلهي ونبوءات آخر الزمان. – إذا ما صهرت اليهودية والصهيونية في وحدة اندماجية، فإن باب الحوار من أجل التسوية والسلام والعيش المشترك يوصد إلى الأبد، ويستحيل الصراع وجوديا لا نهاية له، إذ يتحول إلى اقتتال ديني مضلل ينتقل فيه أطراف النزاع من “خصوم سياسيين” يملكون القدرة على التفاوض وتقديم تنازلات متبادلة، إلى “أعداء عقديين” لا يملكون حق التنازل، وإذا وقع التنازل من أي طرف يعد خيانة للدين وللوطن وللإله، ويغدو كل داعية للسلام والعيش المشترك خائنا، مارقا خارجا عن الملة، “عميلا للصهيونية” عند العرب، “ويهودي كاره لنفسه” عند اليهود. هكذا يتضح، أن ردود الفعل المعارضة لصلاة الحريديم قرب أسوار باب دكالة، والتي اتخذت في بعض أشكالها طابعا متطرفا، لا يمكن اعتبارها موقفا نضاليا، بقدر ما هي اصطفاف إلى جانب القوى الصهيونية المستفيد الأول من الكره االمجاني لليهود ولليهودية، لذا، فمن أراد حقا مواجهة الصهيونية، عليه أولا أن يفك ارتباطها بالدين اليهودي، لا أن يثبته بتحويل أي مشهد ديني إلى مؤامرة سياسية. * أستاذ السوسيولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، ابن زهر – أكادير

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

two × 1 =

Check Also

الثالث عالميا.. تعرف على أول مركز لإنتاج ذكور ذبابة الفاكهة بالمغرب

—-«العمق المغربي .. صوت المغاربة» جريدة الكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة ̵…