قبل انتخابات 2026.. مشاريع كبرى وملفات شائكة تعيد خلط الأوراق بالدار البيضاء
تعيش مدينة الدار البيضاء خلال المرحلة الحالية على وقع دينامية سياسية وتنموية متسارعة، في سياق يسبق الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة لسنة 2026، حيث تحولت العاصمة الاقتصادية إلى ساحة مفتوحة لتدافع المشاريع الكبرى والرهانات الاجتماعية والعمرانية، وسط تسابق واضح بين مختلف الفاعلين المحليين لإخراج أوراش استراتيجية إلى حيز التنفيذ، في وقت تتزايد فيه تخوفات الساكنة بشأن عدد من الملفات الحساسة المرتبطة بإعادة الهيكلة ونزع الملكية ومستقبل الأحياء والأسواق الشعبية. وباتت المجالس المنتخبة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإقناع الرأي العام المحلي بقدرتها على تحقيق توازن معقد بين متطلبات التنمية الحضرية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، خاصة في ظل اقتراب موعد الانتخابات الجماعية والتشريعية المقبلة، التي ينتظر أن ترفع من منسوب التنافس السياسي داخل المدينة، بالنظر إلى الثقل الانتخابي والاقتصادي الذي تمثله الدار البيضاء على المستوى الوطني. وخلال أشغال الجلسة الثانية للدورة العادية لشهر ماي 2026، التي انعقدت بمقر ولاية جهة الدار البيضاء ـ سطات بحضور 80 عضوا من أصل 131 عضوا، برزت مجموعة من الملفات الكبرى التي عكست طبيعة المرحلة الحساسة التي تمر منها المدينة، سواء على مستوى إعادة التهيئة العمرانية أو تدبير المرافق الجماعية والبنيات الاقتصادية والخدماتية. وشكل ملف “جوطية درب غلف” أحد أبرز النقاط التي استأثرت بالنقاش داخل المجلس، بعدما قررت الجماعة تأجيل التصويت على النقطتين 21 و22 المتعلقتين بنزع ملكية العقارات المحتضنة للسوق وتحديد الثمن المقترح من طرف اللجنة الإدارية للتقييم، وذلك في انتظار استكمال المساطر القانونية المرتبطة بإعلان المنفعة العامة. وأكد حسين نصر الله، نائب رئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء المكلف بالممتلكات، أن المشروع لا يهدف إلى ترحيل التجار أو إنهاء النشاط التجاري داخل الفضاء، وإنما يتعلق بإعادة هيكلة “الجوطية” وتحويلها إلى مركب تجاري وخدماتي حديث يحافظ على الهوية التاريخية للمكان، معتبرا أن الجماعة تعتمد مقاربة تشاركية مع التجار والمهنيين لتدبير مختلف مراحل المشروع. ويعد سوق درب غلف من أبرز الفضاءات التجارية الشعبية بالعاصمة الاقتصادية، حيث يحتضن مئات المحلات المتخصصة في تجارة الإلكترونيات والخدمات التقنية وقطع الغيار، ويوفر آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، غير أن هشاشة البنية التحتية وغياب شروط السلامة والتجهيزات الأساسية دفعت الجهات المسؤولة إلى إدراجه ضمن مشاريع إعادة التأهيل الكبرى التي تستهدف عددا من المراكز التجارية التقليدية بالمدينة. غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات لدى عدد من التجار والمهنيين بشأن طبيعة التعويضات المرتقبة وآليات إعادة الإدماج داخل المشروع الجديد، حيث يطالب العديد منهم بضمانات واضحة تحمي مصالحهم وتؤمن استمرارية أنشطتهم، في ظل تخوفات من أن يؤدي المشروع إلى إقصاء بعض الفاعلين أو تغيير طبيعة السوق بشكل جذري. وفي السياق نفسه، أثار مشروع تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة الحي المحمدي نقاشا واسعا طيلة الفترة الأخيرة، بعدما تحولت النقطة 15 المتعلقة بإبداء الرأي بشأن المشروع إلى محور مواجهة سياسية بين المنتخبين، بسبب التخوفات المرتبطة بمستقبل عدد من الأحياء التاريخية وفي مقدمتها درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض. وعبر عدد من المنتخبين عن رفضهم للصيغة الحالية للمشروع، معتبرين أنه لا يراعي الخصوصية الاجتماعية والثقافية للحي المحمدي، كما لا يقدم حلولا واضحة لأزمة الاكتظاظ السكني والتوسع العمراني، في وقت حذر فيه منتخبون من تداعيات أي مقاربة قد تؤدي إلى المساس باستقرار السكان أو فرض تغييرات جذرية على البنية الاجتماعية للمنطقة. ويأتي هذا الأمر في ظل تزايد مخاوف الساكنة خلال الأيام الأخيرة بعد تداول معطيات تفيد بإمكانية اعتماد تغييرات جذرية على مستوى عدد من الأحياء التاريخية بالحي المحمدي، من بينها درب مولاي الشريف ودرب السعد وبلوك الرياض، وهو ما أثار تخوفات من عمليات هدم أو إعادة إسكان قد لا تراعي الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تشكلت داخل هذه الأحياء على مدى عقود طويلة، فضلا عن القلق المرتبط بمدى توفير بدائل تحفظ كرامة السكان وتضمن استقرارهم. وخلال الدورة ذاتها، قرر المجلس أيضا تأجيل النقطة 57 المتعلقة بطلب إبداء الاهتمام الخاص بتهيئة وتدبير واستغلال المرائب الجماعية وأماكن ركن السيارات بتراب جماعة الدار البيضاء، وهو الملف الذي يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى أزمة السير والاختناق المروري الذي تعرفه المدينة، إضافة إلى الجدل المستمر حول تدبير مواقف السيارات وعقود الاستغلال المرتبطة بها. كما شمل التأجيل النقطتين 19 و20 المتعلقتين بإجراء مبادلة عقارية من أجل تهيئة ملعب العربي بن امبارك، المعروف سابقا باسم “ستاد فيليب”، بمقاطعة سيدي بليوط، حيث كان من المرتقب التصويت على المبادلة العقارية والثمن المحدد لها من طرف اللجنة الإدارية للتقييم، في إطار مشروع يروم إعادة تأهيل واحد من أبرز الملاعب التاريخية بالعاصمة الاقتصادية. وفي موازاة ذلك، تفجّر محيط “سطاد فيليب” على وقع قرارات إفراغ طالت ما يقارب ثلاثين محلا تجاريا، في خطوة وصفت من طرف المتضررين بالمفاجئة، مع غموض مسطرة الاستفادة. وفي المقابل، صادق مجلس جماعة الدار البيضاء بالأغلبية على عدد من النقاط ذات الطابع التنموي والاستراتيجي، من بينها النقاط 31 و32 و33 و34 المتعلقة بتعديل مقررات سابقة تخص نزع ملكية عقارات وإحداث منطقة للأنشطة الاقتصادية وطرق التهيئة والتجهيزات العمومية بمقاطعة اسباتة، وهي المشاريع التي تراهن عليها الجماعة لدعم الجاذبية الاقتصادية للمنطقة وخلق فضاءات جديدة للاستثمار والأنشطة الإنتاجية. كما صادق المجلس على النقطة 39 المتعلقة بتحديد أثمنة نزع ملكية العقارات اللازمة لإنجاز الطريقين المرموز إليهما ضمن تصميم التهيئة لمقاطعة سيدي البرنوصي، في خطوة تهدف إلى تعزيز البنيات الطرقية وفك العزلة عن عدد من المناطق الصناعية والسكنية بالمقاطعة. وشملت المصادقة أيضا النقطة 67 المتعلقة بمشروع اتفاقية انتداب شركة الدار البيضاء للبيئة من أجل تتبع التدبير المفوض لمركز معالجة وتثمين وطمر النفايات المنزلية، إضافة إلى النقطة 91 الخاصة بعقد التدبير المفوض لمركز طمر وتثمين النفايات المنزلية، وهي ملفات تندرج ضمن استراتيجية الجماعة لتطوير منظومة تدبير النفايات وتحسين الخدمات البيئية بالعاصمة الاقتصادية. ويرى منتخبون أن طبيعة الملفات التي طُرحت خلال هذه الدورة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها الجماعة مع اقتراب موعد الانتخابات، حيث باتت مشاريع التهيئة وإعادة الهيكلة والتجهيزات الكبرى تتحول تدريجيا إلى رهانات سياسية وانتخابية، في ظل ارتفاع سقف انتظارات الساكنة وتزايد المطالب المرتبطة بتحسين جودة العيش والخدمات الحضرية. كما تشير المؤشرات الحالية إلى أن الدار البيضاء مقبلة على مرحلة دقيقة عنوانها الأساسي إعادة ترتيب أولويات التدبير المحلي، خاصة مع ارتباط عدد من المشاريع بأوراش وطنية كبرى واستعدادات المغرب لاحتضان تظاهرات دولية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يضع المنتخبين أمام تحدي تحقيق تنمية متوازنة تراعي البعد الاجتماعي وتحافظ في الوقت نفسه على جاذبية العاصمة الاقتصادية ومكانتها داخل الخريطة الوطنية.
ميناء الناظور غرب المتوسط يستقطب استثمارا صينيا جديدا يفوق 2 مليار درهم
يواصل إقليم الناظور تعزيز موقعه كوجهة صاعدة للاستثمار الصناعي، في ظل الدينامية التي يعرفها…




