قنبلة تصاميم التهيئة تستنفر مقاطعات الدار البيضاء قبل نهاية الولاية الانتخابية
عاد ملف تصاميم التهيئة بمدينة الدار البيضاء إلى واجهة النقاش العمومي والسياسي بقوة خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تسارع وتيرة الاجتماعات والتحركات داخل عدد من المقاطعات، استعدادا لإحالة مشاريع التهيئة الجديدة على مساطر الدراسة والمصادقة قبل انتهاء الولاية الانتخابية الحالية، وهو ما فتح الباب أمام موجة جديدة من الجدل حول مستقبل المجال الحضري للعاصمة الاقتصادية وحدود التوازن بين ضرورات التنمية العمرانية والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي للساكنة. وكشفت معطيات حصلت عليها “الجريدة 24” من مصادر مطلعة أن عددا من مجالس المقاطعات دخلت مرحلة إعداد الأرضيات الأولية الخاصة بمقترحات الاستثمار والتجهيز المرتبطة بتصاميم التهيئة الجديدة، وسط رغبة واضحة لدى بعض المسؤولين المحليين في تسريع إخراج هذه الوثائق التعميرية إلى حيز التنفيذ قبل نهاية المرحلة الانتدابية، بالنظر إلى ما تمثله من رهانات سياسية وتنموية كبرى بالنسبة للمجالس المنتخبة. ورغم أن هذا الملف ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية داخل مدينة الدار البيضاء، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بمستقبل الأحياء السكنية وطبيعة التحولات العمرانية المرتقبة، فإن عددا من رؤساء المقاطعات يراهنون على تمرير المشاريع الجديدة بأقل قدر ممكن من الاحتقان، خاصة في ظل تصاعد مخاوف الساكنة من أي قرارات قد تؤدي إلى تغييرات جذرية تمس البنية الاجتماعية والعمرانية للأحياء الشعبية والتاريخية. وعاد هذا الملف مجددا إلى طاولة مجلس مقاطعة الفداء، بعدما عقد الصديقي التادلي، النائب الأول لرئيس المقاطعة، صباح اليوم الجمعة، اجتماعا للمكتب المسير بحضور أعضاء المجلس ورؤساء المصالح والمكاتب المعنية، خصص لمناقشة التوجهات الأولية المتعلقة بتصميم التهيئة الجديد الخاص بالمقاطعة، في خطوة تعكس حجم الاستنفار الذي تعيشه عدد من المقاطعات المرتبطة بهذا الورش العمراني الكبير. وبحسب المصادر ذاتها، فقد شهد الاجتماع التداول بشأن إعداد أرضية أولية لمقترحات الاستثمار والمشاريع المزمع إدراجها ضمن التصور الجديد للتهيئة، قبل عرضها على لجنة التعمير والبيئة قصد مناقشتها وإبداء الرأي بشأنها، في إطار المساطر القانونية والتنظيمية المعمول بها. وخلال هذا اللقاء، قدم رئيس مصلحة التعمير والممتلكات عرضا مفصلا تضمن مختلف المشاريع التنموية المقترح إنجازها داخل تراب المقاطعة، والتي تهم مجالات متعددة تشمل البنيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرياضية، حيث تم تقديم هذه التصورات باعتبارها مدخلا لإحداث تحول نوعي على مستوى الخدمات والبنيات الأساسية وتحسين ظروف العيش داخل عدد من الأحياء التابعة للمقاطعة. ويأتي هذا التحرك في وقت يشهد فيه ملف تصاميم التهيئة بمدينة الدار البيضاء حالة من التوتر السياسي والمدني غير المسبوق، خاصة بعد الجدل الكبير الذي أثاره مشروع تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة الحي المحمدي، والذي تحول خلال الأيام الماضية إلى محور نقاش ساخن داخل المجلس الجماعي وخارجه، بسبب ما اعتبره منتخبون وفعاليات محلية اختلالات عميقة في طريقة إعداد المشروع ومضامينه العمرانية والاجتماعية. وخلال أشغال الدورة العادية لشهر ماي التي عقدها مجلس جماعة الدار البيضاء، تحولت النقطة المتعلقة بإبداء الرأي حول مشروع تصميم التهيئة الخاص بالحي المحمدي إلى ساحة مواجهة سياسية بين مكونات المجلس، بعدما عبر عدد من المنتخبين عن رفضهم للطريقة التي تم بها عرض المشروع للتصويت، معتبرين أن الأمر يتعلق بمحاولة لتمرير وثيقة مصيرية دون استحضار حجم الملاحظات والتحفظات التي سبق تسجيلها سواء من طرف مجلس المقاطعة أو من قبل الساكنة المحلية. وأثار منتخبون بالحي المحمدي انتقادات مباشرة لطريقة تدبير الجلسة، معتبرين أن المرور إلى مرحلة التصويت قبل الحسم في التوصيات التقنية والتفصيلية يشكل تجاوزا لمنطق التوافق المؤسساتي، خاصة وأن المشروع يرتبط بمصير آلاف الأسر المقيمة داخل أحياء ذات كثافة سكانية مرتفعة وحمولة اجتماعية وتاريخية كبيرة. وأكد عدد من المتدخلين خلال أشغال الدورة أن المشروع بصيغته الحالية لا يستجيب لتطلعات الساكنة، معتبرين أنه يفتقد إلى رؤية عمرانية متكاملة تراعي خصوصية الحي المحمدي باعتباره أحد أبرز الفضاءات الشعبية والتاريخية داخل العاصمة الاقتصادية، كما سجلوا غياب مقاربة اجتماعية واضحة قادرة على مواكبة التحولات الديمغرافية والضغط السكاني الذي تعرفه المنطقة منذ سنوات. وفي خضم هذا الجدل، اعتبر عبد الجليل أبازيد، عضو مجلس مدينة الدار البيضاء، أن الحي المحمدي لا يمكن التعامل معه باعتباره مجالا عمرانيا عاديا، بالنظر إلى رمزيته التاريخية والثقافية داخل الذاكرة الجماعية للبيضاويين، موضحا أن المشروع الحالي جاء، بحسب تعبيره، خاليا من أي تصور يعكس خصوصية المنطقة أو يستحضر مكانتها الاجتماعية والثقافية داخل المدينة. وأشار المتحدث ذاته إلى أن المنطقة تعاني منذ سنوات من أزمة سكن خانقة نتيجة ارتفاع عدد الأسر داخل المسكن الواحد، معتبرا أن المشروع لم يقدم حلولا عملية لمعالجة هذه الوضعية، كما تجاهل مطلب التعلية الذي تعتبره فئات واسعة من السكان خيارا ضروريا للتخفيف من حدة الاكتظاظ وتحسين ظروف العيش داخل الأحياء الشعبية. وأضاف أن التضييق على التوسع العمودي بشكل منظم قد يدفع عددا من الأسر إلى اللجوء إلى حلول عشوائية وغير قانونية، وهو ما قد يساهم في تفاقم الفوضى العمرانية بدل الحد منها، خاصة في ظل غياب بدائل واضحة تستجيب للتحولات الاجتماعية والديمغرافية المتسارعة التي تعرفها المنطقة. من جهته، اعتبر مصطفى عكيدي، عضو مجلس مدينة الدار البيضاء، أن الحديث عن فرض التجديد الحضري بشكل إلزامي يطرح عدة علامات استفهام، مؤكدا أن عدد البنايات الآيلة للسقوط داخل الحي المحمدي لا يبرر اعتماد مقاربة شاملة قد تهدد استقرار الساكنة أو تفرض تحولات جذرية على البنية الاجتماعية للمنطقة. وأوضح أن الحي المحمدي راكم عبر عقود طويلة توازنا اجتماعيا وإنسانيا خاصا، وأن أي مشروع عمراني جديد يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الروابط الاجتماعية والاقتصادية التي تشكلت داخل هذه الأحياء، بدل الاكتفاء بمنطق هندسي وتقني منفصل عن الواقع اليومي للسكان. وفي المقابل، أكد حسن نصر الله، نائب رئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء المكلف بالممتلكات، أن النقطة التي تمت مناقشتها خلال الدورة لا تتعلق بالمصادقة النهائية على المشروع، وإنما تدخل فقط في إطار مسطرة إبداء الرأي، مشيرا إلى أن الجماعة اقترحت تبني ما سبق أن صادق عليه مجلس مقاطعة الحي المحمدي خلال دورته الاستثنائية بخصوص المشروع. وكان مجلس مقاطعة الحي المحمدي قد عقد خلال الأسابيع الماضية سلسلة من الاجتماعات واللقاءات التشاورية لدراسة مختلف تفاصيل المشروع، قبل أن ينتهي إلى إعلان رفضه للصيغة الحالية والدعوة إلى سحب المشروع وإعادة دراسته وفق مقاربة تشاركية تضمن إشراك المنتخبين والساكنة والفعاليات المحلية في مختلف مراحل الإعداد والتعديل. وفي ظل هذا الوضع، يتزايد الضغط على المجالس المنتخبة لإيجاد صيغة توافقية تسمح بإخراج تصاميم التهيئة بشكل يحقق التنمية الحضرية المطلوبة دون المساس بحقوق الساكنة أو خلق توترات اجتماعية جديدة، خاصة وأن مدينة الدار البيضاء تعيش منذ سنوات على وقع تحديات عمرانية معقدة مرتبطة بالتوسع الحضري والضغط السكاني والحاجة إلى تحديث البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
الدستورية الاحتجاجية بالمغرب.. محمد مدني يقدم مقاربة جديدة لفهم حركة 20 فبراير
قال محمد مدني أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن الإشكال المركزي الذي ا…






