Home الصحافة المغربية الهروب الكبير إلى سبتة.. حين يتحول الخروج من الوطن إلى احتجاج صامت

الهروب الكبير إلى سبتة.. حين يتحول الخروج من الوطن إلى احتجاج صامت

الهروب الكبير إلى سبتة.. حين يتحول الخروج من الوطن إلى احتجاج صامت

الهروب الكبير إلى سبتة.. حين يتحول الخروج من الوطن إلى احتجاج صامت هوية بريس – إبراهيم الطالب أكيد أن الصورة التي شهدها معبر باب سبتة في أواخر يوليوز 2026 ليست مجرد حادث حدودي عابر، ولا مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية، بل مشاهد مؤلمة عميقة الدلالة؛ آلاف الشباب يتدافعون نحو البحر والأسوار في وقت واحد، في صورة أقرب إلى النزوح الجماعي منها إلى الهجرة الفردية. مع هذا المشهد المفجع لا يسعنا فقط أن نطرح السؤال: كم شخصا قام بالعبور؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ما الذي يدفع مجتمعا إلى أن يتحرك جزء من شبابه بهذه الكثافة وفي الاتجاه نفسه؟ لقد عاش الناس في وطني عقودا مديدة وهم يرون الموت يخنق أنفاس أبنائهم في البحر بحثا عن وطن آخر يحتضنهم. ورغم ذلك لم يفهم المسؤولون أن الأمر يحتاج مشروعا إصلاحيا يستوجب سقوط ضحايا ممن خانوا واغتنوا دون وجه حق، مشروع لا رأفة فيه بالفاسدين والخونة. كانوا يرون خلال السنوات الأخيرة آلاف المهندسين والأطباء يهاجرون حين لم يجدوا ما يعادل قيمة علمهم وجهدهم، فآثروا الرحيل حين سد الفاسدون المفسدون الآفاق في وجوههم، وحين استيقن أولئك الشباب أنهم قد يجنون في الخارج أضعاف ما يتقاضونه في الداخل، اتخذوا قرار الهجرة مكرهين. معلوم أن قضية الهجرة تنتمي إلى حقل علم الاجتماع، والذي يدلنا على أن الظواهر الجماعية لا تفسر بإرادة الأفراد وحدها، وإنما بالبنى الاجتماعية والسياسية التي تنتج تلك الإرادات، وفي موضوعنا المقصود بالإرادة هو قرار الهجرة، واستنادا إلى ذلك، فإن ما وقع في باب سبتة لا يمكن اختزاله في الفقر، ولا في نشاط شبكات التهريب، ولا في إشاعة قانونية انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعية. ربما يكون صحيحا أن هذه العوامل المذكورة قد تفسر توقيت الحدث، لكنها لا تفسر وجود آلاف الأشخاص المستعدين للمغامرة بحياتهم في لحظة واحدة، فقرار الهجرة لم يكن لحظيا وإنما هو هدف مصاحب للشباب البائس اليائس. لقد ميز عالم الاجتماع الأمريكي “روبرت ميرتون” بين الأهداف التي يزرعها المجتمع في أفراده، والوسائل التي يتيحها لهم لتحقيقها. فإذا اتسعت الهوة بين الطموح والوسائل المشروعة، ظهرت أنماط من السلوك تبحث عن مخارج أخرى. وفي السياق المغربي، تبدو الهجرة بالنسبة إلى فئة من الشباب أحد هذه المخارج؛ ليس لأنها الطريق الأسهل، بل لأنها أصبحت في نظرهم الطريق الأكثر احتمالا لتحقيق ما يرونه حياة كريمة. ويمكننا هنا أيضا أن نستدعي مفهوم “الحرمان النسبي” الذي صاغه عالم السياسة “تيد روبرت غور”، حيث يخلص إلى أن الإنسان لا يتمرد أو يهاجر لأنه الأشد فقرا، بل لأنه يشعر بأن ما يحصل عليه أقل بكثير مما يعتقد أنه يستحقه أو مما يراه عند غيره. ومن هنا يمكن فهم مفارقة لافتة؛ فكثير من الذين خاطروا بحياتهم ليسوا من أكثر الفئات بؤسا، وإنما من جيل يعيش يوميا مقارنة مستمرة مع العالم عبر الهواتف الذكية وشبكات التواصل، فيرى أنماطا من الحياة يراها قابلة للتحقيق، ثم يصطدم بواقع يعتقد أن فرص الصعود فيه محدودة. غير أن هذا التفسير يبقى ناقصا إذا أغفلنا عنصرا آخر، هو الثقة. وهذه هي الأخطر في الحالة المغربية، فالمجتمعات تستطيع أن تتحمل الفقر سنوات طويلة إذا بقي الأمل قائما في إمكان تحسين الأوضاع. أما عندما تتراجع الثقة في عدالة توزيع الفرص، وفي قدرة المؤسسات على مكافأة الكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن الأزمة الاقتصادية تتحول إلى أزمة اجتماعية، ثم إلى أزمة معنوية. وهنا تصبح الهجرة، في وعي كثيرين، أقل تعبيرا عن البحث عن المال، وأكثر تعبيرا عن البحث عن أفق. وفي هذا السياق تكتسب العبارة التي أطلقتها إحدى النساء المهاجرات وهي تبكي أمام باب سبتة أهمية خاصة، إذ قالت: “آملكنا، الله ينصرك… آمحمد السادس، اعتق الشباب… أملكنا راه دايرين بك غير الشفارة”. إن هذه الكلمات ليست برنامجا سياسيا، لكنها وثيقة سوسيولوجية كثيفة الدلالة. فأول ما يلفت فيها أنها تخاطب الملك بضمير الانتماء: “ملكنا”. فهي لا تتحدث من خارج الشرعية الرمزية للدولة، بل من داخلها. ولذلك فإنها لا تطالب بتغيير النظام، وإنما تطلب تدخله. وهنا يظهر ما يسميه علماء الاجتماع السياسي الشخصنة السياسية؛ أي تركيز الأمل في رأس السلطة أكثر من تركيزه في المؤسسات الوسيطة، وهذه معضلة فإن كانت توفر الاستقرار، لكنها تدل على الإفلاس السياسي والإداري للدولة بمعناها الموسع. وثاني ما يلفت فيها أنها تقول: “اعتق الشباب”. والعتق في الثقافة المغربية ليس مجرد المساعدة، وإنما الإنقاذ من حالة استعباد أو ضيق شديد. وكأن المتحدثة ترى أن الشباب أصبح محاصرا داخل واقع لم يعد قادرا على الخروج منه بوسائله العادية، فأصبح البحر، على ما فيه من خطر، يبدو منفذا أكثر اتساعا من اليابسة. أما الجملة الأخيرة: “أملكنا راه دايرين بك غير الشفارة”، فهي تحمل دلالة صريحة على بنية سياسية معروفة في الثقافة المغربية منذ قرون، قوامها الفصل بين السلطة العليا وبين الوسطاء. فالمشكلة، في هذا التصور، ليست في رأس الدولة، وإنما في الحلقة التي تحيط به وتحجب عنه الحقيقة. وهي صيغة نجد جذورها في تاريخ العلاقة بين السلطان والرعية، حيث كان الناس كثيرا ما يرفعون مظالمهم مباشرة إلى السلطان، معتقدين أن الأعوان هم مصدر الظلم، لكن السؤال الأخطر هو: إلى متى ستصمد هذه القناعة لدى الناس في ظل هذا الفساد المستقوي بالنفوذ والسلطة التي يوفرها القرب من المحيط الملكي. لذا، من الخطأ الوقوف عند هذا المستوى فقط. فهذه العبارة تحمل في الوقت نفسه، بل تعيد طرح سؤال ولو ضمنيا: إذا كان الفساد قد بلغ هذا الحد، وإذا كان الشباب يفرون بالآلاف، فمن المسؤول عن استمرار هذا الوضع؟ وهذا يجعلنا نعتبر أن هذا النوع من الخطاب يجمع بين الولاء والاحتجاج في آن واحد؛ فهو لا ينقض الشرعية، لكنه يطالبها بإثبات قدرتها على حماية المجتمع. وكما يقول أحد علماء الاجتماع: “إن الإنسان إذا لم يعد يثق في قدرة الاحتجاج على تغيير الواقع، فإنه قد يختار الخروج بدل الصوت”. والخروج هنا لا يعني دائما الهجرة، لكنه أحد أبرز صوره. وإذا طبقنا هذا التصور على ما جرى في باب سبتة، أمكن القول إن آلاف الشباب لم يُنظموا مسيرة احتجاجية، ولم يُقَدموا عريضة مطلبية، وإنما عبروا عن موقفهم بطريقة أخرى؛ لقد احتجوا بأقدامهم ولس بأفواههم، عندما سابقوا الزمن جريا ليخرجوا إلى سبتة التي هي من صميم وطنهم، لكنها تحت سلطة دولة أخرى لها حكومة مختلفة وسياسة مختلفة، فالجغرافيا لم تتغير لكن السياسة اختلفت وهذا فيه من الدلالة ما يجعل سياسيين يقدموا على استقال جماعية من ممارسة السياسة لو كانت لديهم نخوة، فالمجتمع الذي يصبح فيه البحر، بكل ما يحمله من احتمال الغرق، خيارا معقولا في نظر آلاف الشباب، هو مجتمع يواجه أزمة تتجاوز الاقتصاد إلى علاقة الإنسان بالمستقبل، بل هو علامة على إحباط وفقدان للأمل، فلا يلام من هاجر وخرج من البلاد، ولو كان واهما في تصور المآل والجهة التي يهاجر إليها. بل من الحمق أن يلام من فضل الهجرة والبعد عن أمه وأبيه وبيته، فالأرقام تخبرنا أن 13 في المائة من شباب المغرب عاطلون، فكيف يلامون إن خرجوا بحثا عن عمل لم يجدوه في بلدانهم؟ يجب أن نسائل من دمر التعليم العمومي وأنتج أجيالا من ضحايا الهدر المدرسي؟ من نهب الثروة فمنع مناصب الشغل من أن توجد؟ إن من استغل النفوذ وخان الأمانة وسرق المال العام على الأقل خلال الربع قرن الماضي، هو من صنع الإحباط وقتل الأمل في الإصلاح، واضطر الشباب إلى مغادرة الوطن. فهؤلاء الذين رأينا في مشاهد الفرار الجماعي كافرون بالسياسة، قد لا يعرفون بنكيران ولا أخنوش، لكن قطعا هم يعرفون أن الدولة هي من تدير كل شيء وأنها تتحمل المسؤولية. فمتى يفهم قومنا أنهم بعدم الضرب على يد الفاسدين المفسدين يصنعون كل عناصر الانفجار العظيم؟ لقد بات الجميع مدركا أنه لن يكون هناك تغيير ولا إصلاح إلا بنهج سياسات تأخذ بعين الاعتبار ما يلي وغيره: أولا: الانتصار للهوية المغربية الجامعة والانفكاك عن التبعية للرأسمالية الاستغلالية التي تقتات على الفساد البنيوي، وكذا تحكُّم الليبرالية المفروضة من الخارج، والتي لا ينزّل منها إلا ما هو شهواني، في حين تصادر الحريات الحقيقية. ثانيا: تقريب الصالحين المصلحين من ذوي الكفاءات المطلوبة حسب الميادين، بغض النظر عن انتماءاتهم، والقطع مع توريث أو منح المناصب لمن لا يستحقها. ثالثا: تنقية المجال السياسي والإداري من أصحاب النفوذ الذين يزاوجون بين المال والسلطة، وقمع الفاسدين منهم حتى يعاد بناء الثقة بين الدولة والشعب. رابعا: العمل ولو في المدى المتوسط على فك الارتباط مع المؤسسات التمويلية المانحة والتي تفرض استراتيجياتها وشروطها على الدولة. خامسا: رد الاعتبار لأبناء الشعب وتقدير كفاءاتهم وتمكينهم من مراكز القرار والإدارة للمشاريع الهيكلية الكبرى والمؤثرة على الحياة العامة. سادسا: نهج سياسات تمكن الشعب من الحصول على حقه في الثروة العامة للبلاد. وذلك بالحد من تغول رؤوس الأموال الأجنبية وكذلك المغربية المرتبطة بها، والشريكة لها في الاستحواذ على مقدرات البلاد. سابعا: خفض مستوى الضرائب الذي يهدد الفاعل الاقتصادي المتوسط، والذي هو الأساس في إعادة بناء الطبقة المتوسطة التي أوشكت على الاندثار. ثامنا: الانتصار لمنظومة القيم الإسلامية الجامعة والابتعاد عن فرض تدين قشوري روحاني يستهدف تسييس الدين لتعطيل دور الجمعيات والتيارات ذات البعد الدعوي. واعتماد سياسات تعيد بناء الشخصية المغربية التي كانت عصية دوما على كل عدو مستهدف لها. إن الحدود التي انهارت في باب سبتة ليست الحدود الجغرافية وحدها، وإنما حدود الثقة أيضا. ولذلك فإن معالجة الظاهرة لا تبدأ من تعزيز المراقبة الأمنية، على أهميتها، وإنما من إعادة بناء الثقة الاجتماعية. فالدول لا تحفظ أبناءها بالأسوار وحدها، وإنما تحفظهم حين يشعرون أن بلادهم ليست فقط مكان الميلاد، بل أيضا المكان الذي يمكن أن تتحقق فيه أحلامهم المشروعة ويحيون فيه بكرامة وعزة. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. The post الهروب الكبير إلى سبتة.. حين يتحول الخروج من الوطن إلى احتجاج صامت appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

six + 16 =

Check Also

هذه توقعات أحوال الطقس ليوم غد الاثنين

هوية بريس – متابعة تتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية، بالنسبة ليوم غد الاثنين، أن يظل ا…