Home الصحافة المغربية من الفراقشية إلى سبتة.. كيف أدى غياب المحاسبة إلى “أنوميا” مؤسساتية؟

من الفراقشية إلى سبتة.. كيف أدى غياب المحاسبة إلى “أنوميا” مؤسساتية؟

من الفراقشية إلى سبتة.. كيف أدى غياب المحاسبة إلى “أنوميا” مؤسساتية؟

هوية بريس – متابعات في قراءة تحليلية عميقة للمشهد المغربي، حذر الباحث في علم الاجتماع السياسي، أحمد ويحمان، من التداعيات الخطيرة لاستمرار غياب المحاسبة وتحول الفساد إلى ثقافة مؤسساتية. واعتبر الباحث أن مشاهد الهجرة الجماعية للشباب نحو سبتة ومليلية تعكس أزمة أعمق تتمثل في فقدان الأمل، محذرا من استغلال حالة الاحتقان الاجتماعي من قبل أجندات خارجية تهدد استقرار البلاد تزامنا مع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. استدعى الباحث المغربي مقولة تاريخية لرئيس الوزراء الصيني الأسبق، تشو رونغجي، الذي ارتبط اسمه بتحديث الصين وعُرف بصرامته في محاربة الفساد، حين قال: “سأُعدّ مئة تابوت: تسعة وتسعين للفاسدين، وواحداً لنفسي”. ويُسقط ويحمان هذا الاستعداد لتحمل كلفة الإصلاح على الواقع المغربي، موضحا أن المولد الحقيقي للفساد ليس غياب القوانين أو الشعارات، بل اطمئنان الفاسد إلى أن المحاسبة لن تطاله، مما يحول الانحراف الفردي إلى قاعدة سلوك عامة تعتمد على النفوذ بديلا عن القانون. تراكم الملفات.. من الفساد إلى الأنوميا المؤسساتية وتشير المعطيات التحليلية إلى أن التعامل مع الفساد كملفات معزولة لم يعد مجديا في ظل تعقيدات المشهد الحالي. ويستدل الباحث بسلسلة من القضايا المتراكمة التي أثقلت كاهل التدبير العام، بدءا بظاهرة عصابات سرقة المواشي المنظمة (الفراقشية)، مرورا بملفات المحروقات، وتضارب المصالح، واستغلال النفوذ، وصولا إلى تكريس اقتصاد الريع والامتيازات غير المستحقة. وتكمن الخطورة، بحسب المقاربة السوسيولوجية لويحمان، في أن تراكم هذه الوقائع دون تحديد واضح للمسؤوليات أو تدخل حاسم للعدالة، يحول الفساد إلى “تسيب” بنيوي. وهذا الوضع يُفقد الدولة هيبتها الأخلاقية قبل السياسية، لتدخل البلاد في حالة من “الأنوميا” (اللامعيارية)، حيث يسود شعور عام لدى المواطنين بغياب العدالة والمساواة أمام القانون. “إن أخطر ما يصنع الفساد هو أن يعرف ويطمئن الفاسد، أو من يُشتبه في فساده، أن المحاسبة لن تصل إليه. حينها لا يبقى الفساد انحرافاً فردياً؛ بل يتحول إلى ثقافة مؤسساتية ورسالة يفهمها الجميع”. — أحمد ويحمان (باحث في علم الاجتماع السياسي) أحداث سبتة ومليلية.. هروب جماعي من الأمل وقد انعكست هذه التشوهات الهيكلية بشكل جلي في الأحداث الأخيرة التي شهدتها تخوم مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، حيث لم تعد محاولات العبور المكثفة لآلاف الشباب مجرد ملف أمني أو ظاهرة هجرة غير نظامية كلاسيكية. بل تحولت، وفقا للباحث، إلى مرآة عاكسة لأزمة نفسية واجتماعية عميقة، تجعل الشاب المغربي يرى مستقبله خارج حدود وطنه بأي ثمن. ويؤكد التقرير التحليلي أن المقاربة الأمنية، المتمثلة في إغلاق الحدود وتشديد المراقبة، قادرة على منع الأجساد من العبور، لكنها تقف عاجزة أمام وقف زحف الإحباط. فالمشكلة الحقيقية تكمن في “هجرة الأمل”، وهو ما يفرض طرح تساؤلات جوهرية حول الأسباب التي تدفع الشباب لرفض البقاء، بدل الاكتفاء بالتساؤل عن كيفية منعهم من الرحيل. خريطة الاحتقان ورهانات استحقاقات 2026 ولا تتوقف مؤشرات الإنهاك الاجتماعي عند أزمة الحدود الشمالية، بل تمتد لتشمل خريطة واسعة من بؤر الاحتجاج والاحتقان في مختلف مناطق المملكة. ويسرد الباحث أمثلة دالة من أراضي آيت خباش بالجنوب الشرقي، ومراعي إرحالن بالرشيدية، وأراضي القبائل بالأقاليم الجنوبية في وادي نون ووادي الذهب والساقية الحمراء، وصولا إلى حي المحيط بالعاصمة، وأراضي البقاليين بأصيلا وطنجة. وفي ظل هذا الغليان وارتفاع كلفة المعيشة واتساع الفوارق، يبرز تساؤل حاسم حول جدوى الانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026. ويرى ويحمان أن الإقبال على صناديق الاقتراع يفقد معناه حين تُسلب ثقة الناخب في المؤسسات، وحين يترسخ اقتناع بأن “الذين يُنتخبون لا يحكمون، والذين يحكمون لا يُنتخبون”. وهو ما ينذر بحالة من “الإفلاس التام” في الثقة، والوساطة السياسية، والقدرة على إقناع المواطن بفرص التحسن. مخاطر الاستغلال الخارجي والأمن القومي ويتقاطع هذا المشهد الداخلي المحتقن مع سياق إقليمي بالغ الحساسية، حيث تتصارع مشاريع كبرى تعتمد على تفكيك المنطقة. ويحذر التحليل من المساعي الحثيثة للمشروع الصهيوني والاستعماري الرامية إلى الاستثمار في الانقسامات العرقية والمناطقية، وتحويل حالة الاحتقان الداخلي والتوتر الإقليمي (خاصة مع الجزائر) إلى وقود لاقتتال بيني يخدم أجندات خارجية. ويُستخلص من هذه المعطيات أن محاربة الفساد لم تعد ترفا أخلاقيا، بل أضحت مسألة أمن قومي وسيادة وطنية بامتياز. فالمجتمع المحصن بالعدل والمساواة يظل عصيا على الاختراق الخارجي، مما يجعل التحدي الحقيقي أمام صانع القرار لا يتمثل في كيفية إغلاق أبواب الهجرة، بل في القدرة على فتح أبواب الأمل داخل الوطن، واستعادة ثقة المواطنين عبر تفعيل مبدأ المحاسبة وإرساء قواعد العدالة الشاملة. The post من الفراقشية إلى سبتة.. كيف أدى غياب المحاسبة إلى “أنوميا” مؤسساتية؟ appeared first on هوية بريس.

علي حنينمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

1 × 4 =

Check Also

وزان.. تعثر النقل المدرسي وغياب مقاعد الداخليات يهددان بتوسيع دائرة الهدر المدرسي

حذر مواطنون ينحدرون من جماعات مختلفة بإقليم وزان من تفاقم خطر الهدر المدرسي في صفوف التلام…