رحيلٌ بِحَجْمِ شَاعِرٍ

قامَةٌ لا تسَعُها تعزية في بلدي، لا تخشى المؤسّسة الثّقافية موتَ الشاعر؛ تخشى أن يَطولَ به العُمر. فكُلُّ سنة إضافية تمنحه سؤالًا جديدًا، وكل قصيدة تمنحه حقًّا آخر في إزعاج الطمأنينة الإدارية. الشاعر الحيّ مشروعٌ مُكلِّفٌ: يحتاج قراءةً، واعترافًا، وذاكرةً تحفظ أثره. أما الشاعر الميت، فيحتاج منشورًا أسود، وصورةً قديمة، وثلاث صفات ضخمة تسدّ فراغ الضّمير. لهذا ترتاح المؤسسة إلى المبدع حين ينتقل من صيغة الحاضر إلى صيغة الماضي. لا تُحِبُّ: يكتب، ويسأل، ويقترح، ويعترض. تُحب: كتب، وأسهم، وأغنى، ورحل. ما ألْيَن الأفعال حين يفقد صاحبها القُدرة على مقاطعة الخطيب وتصحيح الأكاذيب! الرّجاء من الشاعر أن يموت كي نعترف به حين رحل محمد السرغيني، لم يفقد المغرب شاعرًا فحسب؛ كشف رحيلُه فقرًا ثقافيًّا عاش طويلًا متخفيًا خلف اللاّفتات. كان السرغيني النبيل أكبر من أن تختصره فقرة تعزية، وأعمق من أن تحتويه صورة، وأبعد من أن يصل إليه موظف يحمل قاموسًا من الصفات ولا يحمل ديوانًا واحدًا. قضى الرجل عقودًا يفتح في اللغة نوافذ لم تعرفها، ويقود القصيدة إلى أراضٍ لم تطأها، ويعلّم أجيالًا أن الشعر معرفةٌ وقلقٌ ومُغامرة. أبحر “بحّار جبل قاف” بعيدًا، فيما ظلّ حرّاس الثقافة يدُورون حول مكاتبهم، يحملون الملفات من رفّ إلى رفّ، ثم يسمّون هذه الرحلة سياسة ثقافية. كان محمد السرغيني يصنع للقصيدة مستقبلًا، وكانوا يصنعون للمسؤول خلفية مناسبة للصّورة. كان يبحث عن كلمة تغيّر معنى العالم، وكانوا يبحثون عن كرسيّ لا يحجب وجه السيد المدير؛ هو قضى عمره يوسّع حدود المخيلة، وهم قضوا المناسبات يوسّعون حجم الشّعار. ما أدراك ما أضواء شارع غاندي! إنها أضواء لا تُنير؛ تنظّم الظّهور. تسألُ الوَجه قبل أن تقترب منه: ما اسمك؟ ما صفتك؟ مَن دعاك؟ إذا أجاب: أنا شاعر، تركته عند حافة الظّل. وإذا أجاب: أنا منتج ألعاب إلكترونية، منحته كامل الكَهرباء، حتى لو لم يحمل في رأسه ما يكفي لإشعال عُود ثقاب. تملك تلك المصابيح حسًّا إداريًّا مدهشًا. تعرف الكتف الذي يحمل رتبة، والوجه الذي يوقّع الميزانية، والابتسامة التي تستحق الصفحة الأولى. تنزل على ربطة العنق في وقار، وتصعد فوق الشعار في خشوع، ثم تمرّ قرب الكتاب من دون أن تراه. فالكتاب لا يملك بطاقة مهنية، والقصيدة لا ترسل طلبًا رسميًّا، والموهبة لا تعرف رقم المكتب. وفي اسم الشّارع سخرية تكفي وحدها لكتابة رواية. يحمل المكان اسم غاندي، الرجل الذي واجه إمبراطورية بأخفّ الثياب وأثقل المبادئ، فيما لا تعبر الثقافة عندنا ممرًّا قصيرًا من دون موكب وصور ومقاعد محفوظة. مشى غاندي من غير بروتوكول، ولا يمشي المشرف على الثقافة خطوتين من غير أن يتأكد أن العدسة تمشي خلفه. ولو طرق غاندي نفسه باب شارع غاندي حاملًا مخطوطًا، لسأله الحارس عن الموعد والجهة المنظمة. ولو طرق مُصور الباب في اللحظة نفسها، لنهضت المكاتب لاستقباله، فالمصور يعرف الطريق إلى قلب المؤسسة أكثر مما يعرفه الشاعر. مرحبًا بك ميتًا يا شاعرنا الكبير ماتَ محمد السرغيني، فتحركت آلة الماضي. فتحت الإدارة خزانة المراثي، وأخرجت الكلمات التي تستعملها لكُلِّ الراحلين: قامة، هرم، رائد، خسارة جسيمة. ملأت الفراغ باسم السرغيني، وأغلقت البيان بعلامة حزن رسمية. لم تحتج العملية إلى قراءة شعره، فالتعزية عندنا جنس أدبي مستقل عن المعرفة، ويستطيع المسؤول أن يرثي شاعرًا من غير أن يرهق نفسه بقراءة صفحة واحدة من أحد دواوينه. تتقن المؤسسة تصريف الحزن كما يُتقن النحوي تصريف الأفعال، ولا تنفق على الثقافة كما تنفق الصفات على الموتى. جملة تعزية لا تحتاج ميزانية، وحفظ إرث شاعر يحتاج رؤية وعملًا ووفاء. لذلك تختار الجملة، ثم تهنئ نفسها على أداء الواجب. ما أسعد البيروقراطية حين يموت شاعر! يتوقف عن المطالبة، ويصمت عن الاحتجاج، ولا يسأل عن كتبه، ولا يعترض على من يتحدث باسمه. يصبح مادة هادئة تصلح للخطب، وصورة مطيعة تقف خلف المسؤول، واسمًا كبيرًا تستطيع المؤسسة أن تستعيره ساعةً لتبدو أكبر من حجمها. ولو نهض السرغيني وسط حفلة الرثاء وسأل: أين كنتم طوال هذه العقود؟ لنظَر المشرف إلى سَاعته، ثم أعلن أن البرنامج لا يسمحُ بالنّقاش. ما أنبل أن يرحل محمد السرغيني بعيدًا عن ذلك الضوء! فلو وصل إليه الضوء الرسمي، لاختصر حياته في دقيقة، ووضع صورته خلف المنصة، وترك المسؤول يتقدم المشهد. ولو أحاط به البروتوكول، لحوّل جنازته إلى نشاط ثقافي، وحوّل الحزن إلى فرصة إعلامية، وحوّل الشاعر نفسه إلى ضيف ثانوي في حفل رحيله. حفظ الصمتُ للسرغيني قامَته. لم يمنحه الموت نُبله؛ عاش نبيلًا، وخرج نبيلًا، وترك الموتُ للأحياء مهمة فضح أنفسهم. لم يحتج إلى كرسي في الصف الأول، فقد جلس منذ زمن في ذاكرة الشعر. ولم يحتج إلى مصباح من شارع غاندي، فقد حملت قصيدته ضوءها معها. المؤسسة التي تتجاهل المبدع حيًّا، ثم تستولي على جنازته بعد موته، لا تؤدي واجبًا ثقافيًّا؛ تحتلّ غيابه. يكدّ الشاعر عمرًا حتى يبني اسمه، ثم يصل المسؤول في النهاية ليضع شعاره فوق ذلك الاسم. لا يصنع هذا السُّلوك وفاءً، وإنما يكشف طمعًا رمزيًّا في مجد لم تشارك المؤسسة في صُنعه. لقد كتب السرغيني “تحت الأنقاض، فوق الأنقاض”، فيما تخصصت الإدارة في الوصول بعد سُقوط السَّقف، ثم الوقوف فوق الأنقاض لالتقاط الصُّورة. ظلّ هو يحفرُ بحثًا عن المعنى، وظلّت هي تنتظر اللحظة التي يتحوَّل فيها الحَفْر إلى خلفية إعلامية. غدًا، يطوي الموظف ملف التعزية، وينتقلُ المشرف إلى افتتاح جديد، ويحذف المصوِّر الصُّور القَديمة كيْ يفسح مكانًا لوَجهٍ رسمي آخر. تَخفتُ المصابيح، وتتغيَّر اللاَّفتات، وتتقاعدُ ربطات العنق، ويبتلعُ النِّسيان الخُطب التي حسب أصحابها أنها سَتعيشُ طويلًا. وتَبقى قصيدةُ محمد السَّرغيني حيّةً تعبُر قصيدتُه من قارئ إلى قارئ من غير دَعْوة، تفعل وحدها ما عجزتْ عنه كلَّ تلك الأضواء: تَرى الإنسان. وحين يُعْربُ التاريخ هذه الجملة المغربية الثقيلة، سيجْعَلُ محمد السرغيني فَاعِلَها، ويجعل القصيدة فِعْلَهُ، ويجعلُ القارئَ شاهِدَها، ويتركُ شَارع غانْدي ظرفَ مَكانٍ تأخَّر عن المَوْعِد. لم يمت محمد السرغيني يوم دخلَ صيغة الماضي. ماتَت المؤسّسة يوم عجزت عن مُخاطبته في صيغَة الحاضر. أفلتَ هُو من بيانها وأضْحى مَجازًا، وظلّت هي في شارع غاندي تَستجْوبُ المصابيح واحدًا واحدًا، علَّ الضوء يعترفُ بما رَأت. لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر. The post رحيلٌ بِحَجْمِ شَاعِرٍ appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
“الوطني لا تهمه قضايا الأمة”.. د.بنكيران: مغالطة لن تنطلي على الوطنيين المغاربة
هوية بريس – متابعة كتب الدكتور رشيد بنكيران “يروّج بعض الناس مغالطة مكشوفة، تقوم على فرض م…











