Home اخبار عاجلة مشروع هروب
اخبار عاجلة - August 23, 2026

مشروع هروب

مشروع هروب

[في الأسابيع الماضية، فاجأني خبر فرار صديقي الصحفي مصطفى روض نحو البرازيل، (أنا مصر على ألا أسميه سفرًا أو هجرة).. هو هروب تزامن مع هروب الآلاف من الشباب والمراهقين والأطفال نحو سبتة.. قبل رحيله بأيام، كان مصطفى قد أسرَّ لبعض الأصدقاء بأنه يمضي في رحلة ذهاب بلا إياب، (“مَشية بلا رَجعة” كما نطقها)، باحثًا عن رمق حياة أليق، وعن مجتمعٍ يمنحه حق العلاجِ والكرامة المفتقدة في هذا المغرب الحبيب. لم تكد تمضي سوى أيام قليلة حتى بلغني أنه ظفر بأوراق الإقامة في أرض الصامبا ووطن الرئيس المناضل لولا دا سيلفا، ونال حق العمل والعلاجِ كأي مواطن ومقيم هناك. ومصطفى لم يكن فتى غريرًا، بل رجلًا تقدمت به السنون وأثقله العمر..] (إلى مصطفى روض…) كانت الساعة الجدارية القديمة المعلقة فوق رف خشبي تدندن بدقاتها الرتيبة، مترافقةً مع صرير الباب الحديدي الذي يدفعه هواء محمل بغبار الشارع. جالسًا خلف مكتبي الصغير المكدس بالأوراق والتفاصيل الروتينية، كنت أنظر إلى هذا المكان الذي أسميه في سري وجهري “الحانوت”. لم يكن مجرد دكان لبيع الوهم أو بضائع اليوم، بل كان معرضًا مفتوحًا أبيع فيه أثمن ساعات عمري وأشتري بالمقابل ثرثرة العابرين وضجيج الساسة وادعاءات مرشحي الانتخابات. في تلك اللحظة بالذات، وسط الصخب المتصاعد في الشارع، شعرت برغبة جارفة تكتسحني كإعصار هادئ.. رغبةٌ في إغلاق هذا الحانوت إلى الأبد، أو على الأقل، اقتطاع مهلة من هدنة مؤقتة تسترد فيها الروح أنفاسها المنهكة. تتردد في رأسي فكرة صريحة، لا مواربة فيها.. صياغةُ سيناريو كلي لهروب تام، فرار لا رجعة فيه إلا بشروط جديدة، نحو ضفاف بعيدة لا تصلها هواتف ولا منشورات ولا صراخ. ومن أجل أن يكون الهروب مكتمل الأركان والملامح، تخيلت نفسي وأنا أقتعد كرسيًا خشبيًا وسط الفناء، وأمرر الموسى على رأسي لتجريده من شعره بالكامل. أردت صلعة نصيعة حليقة حتى الجذور، وأخذت أرجو في سريرتي أن تطل صلعتي أكثر نصاعة ولطفًا من صلعة الدالاي لاما… رحت أفكر في ذلك الراهب البوذي القابع في المخيلة الكونية.. إنه الزعيم الروحي لسقف العالم، أولئك التبتيين الذين يعيشون على أعلى وأكبر هضبة على وجه الأرض، حيث الهواء خفيف والغيوم تدنو من الرؤوس. يحلق الدالاي لاما شعر رأسه يوميًا بانتظام ودون انقطاع، تمامًا كما يفعل الرجال العاديون مع ذقونهم في الصباحات المكررة. غير أنه لا يحلق زينةً أو نظافةً مجردة، بل يفعلها ضمن طقوس ديانته الصارمة.. فالرأس الحليق عنده رمز للتطهير، ولتنقية الروح والجسد من أدران الغرور والدنيويات، ورسالة للذات بالابتعاد عن التعلق بالجسد أو البهرج الزائف. تذكرت حينها وأنا أبتسم بمرارة، أكثر من صديق من معارفي القدامى، أولئك الذين أخذتهم الموضات الفكرية، فجذبتهم البوذية بزهدها الظاهري، فعمدوا إلى خلطها بإلحادهم المبين في توليفة عجيبة لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي للحياة. وبوذا لم يكن كباقي الأنبياء راعي غنم، بل كان أميرًا ابن ملوك… أما أنا فواحد من سلالات الرعاة الحفاة.. ولن ينفعني بوذا وبوذيوه… لكن لمَ صلعةُ الدالاي لاما تحديدًا؟ أسائل نفسي وأنا أتحسس شعري: بماذا ستفيدنا لمعتها في هذا العالم المظلم؟ هل بإمكان تلك اللمعة البوذية أن تضيء لنا حلكة الطريق المقفر؟ أم أنها تصلح مجرد صفحة بيضاء ناصعة لكتابة بالحبر السري، ندوّن عليها ما لا ينبغي أن يقرأه أي كان من المارة والأدعياء؟ في الحقيقة حين أمعن النظر أجدني لست من المغرورين بأساطير هذا الراهب البوذي. إنه رجل سلطت عليه الآلة الإعلامية الغربية أضواءها الكاشفة بكثافة، واستخدمته في غمار حربها الباردة الضروس مع الشرق الشيوعي.. بل إن اسمه ارتبط بجدل واسع وتاريخي حول اتهامات بتلقي تمويلات ودعم مباشر من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال عقود منتصف القرن الماضي، في إطار الصراع الجيوسياسي لتحريك التبت ضد السيطرة الصينية.. ومع ذلك تبقى صلعته تلك تذكرك قليلًا بصلعة المهاتما غاندي، لكنها قد تذكّر أكثر رواد منصات التواصل اليوم بصلعة الأمير البريطاني ويليام، ذاك الذي صنفته الآلة الإعلامية ذاتها كـ”أكثر رجل أصلع جاذبية في العالم”! غير أن الأمير ويليام ينقصه طبعًا أن يلتفع كما يفعل الدالاي لاما برداء بسيط أقرب إلى كفن واسع الأطراف من مقاس (دوبل إكس لارج).. لعلها تختفي بين تلافيفه وتلابيبه تلك الأسرار التي زرعتها الاستخبارات الغربية في مسامّه المزغبة. لا.. لن أحلق، هكذا صرخت في سري، ليتراجع سيناريو الصلعة قليلًا. سأترك شعري يطول إذن.. سأدع له الحرية ليفرك الهواء ويغطي الكتفين، فهذا أقرب بكثير إلى روح جيل “الهيبيزم” الذي فتحت عيني عليه في شبابي الأول، وتشرّبت تمرده الرائع على المؤسسات والقوانين الجافة والأزياء الرسمية المكبلة. أجل.. سأترك شعري كمهبّ للريح، وسأحتذي الرمل والتراب حافيًا! ففي العطلات والمساحات المفتوحة، تمارس قدمي تمردًا صريحًا ومباشرًا على الأحذية الجلدية الضيقة وعلى كل الصنادل. أريد أن تطأ قدماي الأرض كما خلقها الله، بلا عوازل مطاطية ولا جلدية. أتوق الشوق كله إلى أن أقطع حبلي السري مع هذا العالم المريض، فلا أخبار الشرق الحزينة تربكني، ولا صراعات الغرب المادية تشغلني.. مكتفيًا بالاستغراق الكلي في الموسيقى التي أحب، تلك النغمات التي تعيد ترتيب الروح وتغسلها من صدئها… وهل ثمة نغمة تعيد الروح إلى أصلها الأول وترافق طقس هذا الهروب مثل صرخة ناس الغيوان وهم يرددون في عمق الفجيعة: غير خذوني.. غير خذوني.. أما الأمسيات في المخبأ الجديد.. فسأفرشها لأصدقائي الراحلين.. أولئك الذين غادروا مسرح الحياة في باكر الوقت وتركوا في قلبي فراغًا لا يملؤه الأحياء. سأستضيفهم من غيابهم الأبدي، أدعوهم ليقضوا أيامًا من عطلتهم السرمدية معي. نتجمع، نجلس حلقة واحدة دافئة، نسهر حتى تباشير الفجر الأولى، ونمارس الغيبة الودية اللذيذة بحق أمة الأحياء التافهة، وبحق سكان الجنة ورواد الجحيم على حد سواء، نضحك من صغائر المترفين وخطب الساسة وادعاءات القديسين. آه.. كم هو مقرف هذا الزعيق المتصاعد خارج الحانوت! زعيق الميكروفونات حول ما يسمونه هنا انتخابات، ويزيدون في صلفهم وكذبهم فيصفونها بـ”النزيهة والحرة والشفافة”… هي حقًا شفافة، لكن بمعنى آخر تمامًا… شفافة كقطعة بلاستيكية رخيصة وتالفة تطفو على سطح مستنقع، إذ تظهر حقيقتها المرعبة والبشعة للعيان.. بل حتى للعميان الذين لا يبصرون! هذا الضجيج والزيف هو بعض من دواعي هروبي، الهروب الذي أخططه الآن، والذي قد يستحيل من مجرد انقطاع مؤقت إلى فرار دائم لأجل غير مسمى. كم تثيرني هذه العبارة وتستوقفني: “الأجل غير المسمّى”… فكأن كل ما في عالمكم هذا غير مسمى.. أسماؤكم، ألقابكم، شعاراتكم، أحزابكم.. كلها لا اعتراف بها ولا قيمة لها لأنها أبعد ما تكون عن الحقيقة والجوهر. الموت هو الأجل الوحيد المسمى واليقين الوحيد في هذا الوجود، لكنكم تتجاهلونه وتفرون من ذكره، في حين أنه الأجل الحاسم الذي لا يسبقه أجل ولا يتأخر عنه ميعاد. فإلى أين تمضون إذن أيها العابرون؟ وإلى أين تركضون في مسرحياتكم الهزلية؟ أليس إلى الأجل المحتوم تمضون جميعكم؟ يا لكم من مزيفين لا تسمية تليق بكم ولا وصف ينطبق عليكم سوى أنكم المؤجلون إلى حين… الهروب أو الفناء، أو الفرار أو الردى.. مفردات غنتها من قديم كوكب الشرق أم كلثوم في رائعتها الخالدة من شعر أبي فراس الحمداني “أراك عصيَّ الدمعِ”… في هذه اللحظة يحضر في خاطري أولئك الفارون من جحيم القهر والفقر والطغيان في هذا الذي يصفونه كذبًا وبهتانًا بـ”أجمل بلد في العالم”، بلد الخير والنما… وأراني اليوم عصيّ الدمعِ، مع أن أولى بعيني أن تدمعا دمًا لا ماء.. غير أن ماء المقل هذا.. أراه يمتدّ ليغرق شبيبتنا الحافيةَ في مياه المضيق.. آه ما أضيق العيش لولا أمل يتلاشى.. ما أضيقه… أغلقت الحانوت، أدرت المفتاح في القفل الصدئ مرتين، وألقيت به في عمق جيبي.. ومضيت حافيًا أطأُ العتمة، نحو ضفاف قصية.. نحو سقف العالم، هناك حيث العلوُّ الأعلى بكثير والأصفى من هضبة التبت وأوهام الدالاي لاما وطقوس جميع رهبانها.. أرتقي شاهقًا يسقط عن كاهلي ثقل الدنيا.. ولا لوم عليّ في هذا الهروب.. لا لوم! يتساءل صديقي بنبرة تشبه حسرة أبي فراس الحمداني: وقال أُصيحابي: البرازيلُ أمِ الرَّدى…؟ فتجيبه أصوات الهاربين سباحةً نحو شواطئ سبتة: قطرانُ البرازيل.. ولا عسلُ عزرائيل! اهربْ يا مصطفى.. اهربْ غير مَلوم.. فالهروب اليوم أضحى وطنًا شاسع الآمال ونشيدًا عذبًا كأمواج المضيق، وطنًا بلا نهايات تكبله ولا حدود تفصله عن المدى. لك مني متمنياتي بالتوفيق والشفاء والهناء والعمر المديد.

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

twenty − 18 =

Check Also

الموسم الفلاحي 2026/2027: مجموعة كوسومار تعطي الانطلاق لعملية الزرع وفق برنامج يغطي 63,000 هكتار من النباتات السكرية

تستهل مجموعة كوسومار، بمعية الفلاحين الشركاء، الموسم الفلاحي 2026/2027 في ظل ظروف مناخية و…