Home اخبار عاجلة انتخابات بطعم المازوط والكرة
اخبار عاجلة - 6 hours ago

انتخابات بطعم المازوط والكرة

انتخابات بطعم المازوط والكرة

بقلم: المصطفى أسعد يبدو أن الانتخابات التشريعية المقبلة في المغرب قررت أن تدخل الملعب من باب آخر، فلا يكفي أن يتنافس السياسيون بالبرامج والشعارات والوعود، بل أصبح علينا أن نتابع مباراة جديدة عنوانها: المازوط في مواجهة الكرة. إنها انتخابات بطعم المحروقات والكرة، أو بالأحرى انتخابات تزدحم فيها صورة رجل الأعمال والسياسي عزيز أخنوش، بما تحمله من رمزية مرتبطة بعالم المحروقات، بصورة فوزي لقجع، الذي صنع خلال السنوات الأخيرة نفوذاً وشعبية واسعة من بوابة كرة القدم، قبل أن ينتقل رسمياً إلى قلب العمل الحزبي من بوابة الأصالة والمعاصرة. وليس من قبيل الصدفة أن يأتي هذا الانتقال السياسي في توقيت انتخابي حساس؛ فقد أصبح لقجع عضواً في المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، فيما تستعد الأحزاب لخوض تشريعيات 23 شتنبر 2026، وسط استقطاب متزايد بين مكونات المشهد السياسي. لكن المشكلة ليست في أن يأتي رجل أعمال إلى السياسة، ولا في أن يدخل رياضي أو مسؤول رياضي إلى العمل الحزبي. المشكلة تبدأ عندما يصبح النفوذ الاقتصادي أو الشعبي بديلاً عن السياسة نفسها. فأخنوش ليس مجرد رئيس حكومة ورئيس حزب؛ إنه رجل أعمال ارتبط اسمه لسنوات بقطاع المحروقات، وهو ما جعل ملف أسعار الوقود أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش العمومي المغربي. وحتى اليوم، لا تزال قضية أرباح شركات المحروقات وعلاقتها بالقدرة الشرائية للمواطنين حاضرة بقوة في الخطاب السياسي والانتخابي. أما لقجع، فقد جاء من باب مختلف تماماً. باب كرة القدم. كرة القدم التي تحولت في المغرب إلى قوة ناعمة هائلة، وإلى مصدر فرح جماعي نادر، وإلى رأسمال رمزي يصعب تجاهله. والنجاحات التي حققتها الكرة المغربية، سواء مع المنتخب الوطني أو الأندية أو على مستوى تنظيم التظاهرات الكبرى، منحت الرجل الذي يوجد في قلب هذه المنظومة رصيداً شعبياً لا يمكن إنكاره. لكن هنا أيضاً يجب أن نطرح السؤال المزعج: هل النجاح في تدبير كرة القدم يعني بالضرورة النجاح في تدبير السياسة؟ الجواب لا. وكما أن امتلاك شركة للمحروقات لا يجعل صاحبها خبيراً في التعليم والصحة والثقافة والسياسة الاجتماعية، فإن النجاح في إدارة مؤسسة رياضية أو بناء منظومة كروية قوية لا يمنح صاحبه تلقائياً مفاتيح تدبير دولة بكل تعقيداتها. السياسة ليست ملعباً، والمواطن ليس مشجعاً. في الملعب يمكن أن تهتف الجماهير للاعب لأنها سجل هدفاً، ويمكن أن تنقلب عليه في المباراة التالية لأنه أضاع فرصة. أما في السياسة، فالقرارات تمتد آثارها لسنوات، وتمس المدرسة والمستشفى والجامعة والسكن والشغل والأسعار والنقل والقرى والمداشر. وهنا تحديداً ينبغي أن نكون أكثر قسوة في مساءلة الرجلين. أخنوش مطالب بأن يجيب عن سؤال المازوط، ولقجع مطالب بأن يجيب عن سؤال السياسة. الأول لا يستطيع أن يختبئ خلف نجاحات اقتصادية أو مشاريع حكومية عندما يتعلق الأمر بالقدرة الشرائية وبالثقة التي فقدها جزء من المغاربة في الخطاب السياسي. والثاني لا يستطيع أن يدخل السياسة محمولاً فقط على أمجاد الكرة، وكأن تصفيق الجماهير في الملاعب يمكن أن يتحول تلقائياً إلى أصوات في صناديق الاقتراع. لقد قال أخنوش، في خضم الجدل حول التحاق لقجع بالبام، إن السياسة ليست “ميركاتو”، في إشارة إلى انتقال اللاعبين بين الأندية، وهي عبارة تختصر بطريقة ساخرة طبيعة المرحلة: فالأحزاب نفسها بدأت تتعامل مع الكفاءات والوجوه المؤثرة كما تتعامل الأندية مع اللاعبين. لكن السؤال الحقيقي هو: هل تحولت السياسة فعلاً إلى سوق انتقالات؟ إذا كان الأمر كذلك، فمن حق المواطن أن يسأل عن ثمن كل صفقة، وعن مصلحة الجمهور، وعن البرنامج الذي سيُعرض عليه في نهاية المطاف. لأن المغرب لا يحتاج إلى “ميركاتو سياسي”، بل يحتاج إلى أحزاب حقيقية، وبرامج قابلة للقياس، ومرشحين يحاسبون على ما يقولون ويفعلون. لا نريد انتخابات يكون فيها التصويت لأجل صورة رئيس الحكومة كرجل أعمال، ولا لأجل صورة مسؤول رياضي كصانع انتصارات .. نريد انتخابات يكون فيها السؤال بسيطا : ماذا ستفعلون عندما تصلون إلى البرلمان والحكومة؟ كيف ستخفضون كلفة المعيشة؟ كيف ستصلحون المدرسة العمومية؟ كيف ستجعلون المستشفى مكانا للعلاج لا للانتظار؟ كيف ستوفرون فرص الشغل للشباب؟ كيف ستوقفون نزيف الهجرة؟ كيف ستقلصون الفوارق بين المغرب النافع والمغرب الذي لا يزال ينتظر نصيبه من التنمية؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح. أما المازوط والكرة، فهما مجرد عنوانين لمرحلة سياسية تكشف شيئا أعمق: أن النفوذ أصبح في المغرب أحد أهم مفاتيح السياسة. نفوذ المال، ونفوذ الأعمال، ونفوذ الإعلام، ونفوذ الرياضة، ونفوذ الأعيان، ونفوذ الشبكات الانتخابية. والخطر ليس في وجود أصحاب النفوذ داخل السياسة، فالسياسة مفتوحة لكل المواطنين .. الخطر هو أن يتحول النفوذ إلى بديل عن الكفاءة، وأن تتحول الشعبية إلى حصانة من النقد، وأن تصبح النجاحات السابقة شيكا على بياض للمستقبل. أخنوش لا ينبغي أن يحاسب لأنه رجل أعمال، كما لا ينبغي أن يحاسب لقجع لأنه رجل كرة قدم. لكن الاثنين يجب أن يحاسبا لأنهما اختارا السياسة. وهذه هي القاعدة التي يجب ألا تتغير. وفي نهاية المطاف، ليست القضية من سيفوز: لوبي المازوط أم لوبي الكرة. القضية أن لا يخسر المواطن. لأن أسوأ سيناريو ممكن هو أن تنتهي المباراة بفوز الجميع داخل الملعب، بينما يخرج الجمهور من المدرجات مثقلا بالفواتير. وحينها لن تكون لدينا انتخابات بطعم المازوط والكرة فقط، بل انتخابات يدفع ثمنها المواطن من جيبه.. ففي السياسة لا تكفي خزائن المازوط ولا تصفيقات الملاعب؛ فالدولة لا تُدار بمحطة وقود ولا بخطة لعب .

المغرب الآنمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

7 + twelve =

Check Also

أزمة النيجر تتصاعد.. تمرد أم انقلاب؟

شهدت العاصمة النيجرية نيامي -خلال ليلة السبت- إطلاق نار وانفجارات واشتباكات في مواقع حساسة…