رسائل الخطاب الملكي

الخريطة الاستراتيجية وبناء الدولة الصاعدة تزامن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة مع صدور نتائج الانتخابات وتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر؛ وبالتالي كان الكل ينتظر جديد التعاقد الملكي بعد التعاقد الانتخابي، من خلال تحديد المؤسسة الملكية لأهدافها الاستراتيجية ومرتكزات تحديث وفعالية الدولة المغربية في المستقبل. أولاـ المؤسسة الملكية تؤكد من جديد أن صناعة المستقبل تعتمد على وضوح الخريطة الاستراتيجية للبلد من خلال وضوح الأهداف الماكرو سياسية للبلد على اعتبار أن الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة جاء متزامنا مع نهاية الانتخابات وما ترتب عنها من تفويض لممثلي الأمة وكذلك تحديد للمطالب والأهداف (من لدن الشعب الانتخابي في انتظار التشكيلة الحكومية والبرنامج الحكومي) على مستوى الولايتين التشريعية والحكومية المقبلة، عملت المؤسسة الملكية في إطار الاختصاصات الدستورية الموكلة لها إلى جعل هذا الخطاب مناسبة لتحديد الأهداف الماكرو سياسية للبلد، والتي من خلالها يتم رسم الخريطة الاستراتيجية للوطن؛ لأنها وحدها الخرائط الاستراتيجية القابلة للتنفيذ من تستطيع أن تشكل الرافعة الأساسية للفعل العمومي الوطني من خلال وضوح البوصلة. أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في القيام بالقفزات الكبرى إلى الأمام هي الدول التي توفرت على قيادات تمتلك خريطة استراتيجية وأهداف ماكرو سياسية قابلة للتحقيق. سيؤكد السياسي الفرنسي ألان مينك أن فشل الحكومات الفرنسية المتعاقبة على الحفاظ على موقع الدولة الفرنسية في مصاف الدول الكبرى كان نتيجة طبيعية لضعف الرؤساء الفرنسيين عن التوفر على خريطة استراتيجية قابلة للتنفيذ، وأن الرئيس الفرنسي شارل ديغول وحده كان يتوفر على أهداف ماكرو سياسية مكنته من صناعة خريطة استراتيجية لفرنسا (السلاح النووي- حق النقض- الاتحاد الأوروبي -الحلف الأطلسي)؛ بينما لم تكن للرؤساء الفرنسيين الذين حكموا من بعده خريطة استراتيجية قابلة للتنفيذ. ثانيا ـ المؤسسة الملكية والاستمرار في استراتيجية بناء المغرب كدولة صاعدة حديث الخطاب الملك بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة عن (المغرب أمة من أعرق الأمم في العالم- ونعتز أيضا بما حققناه من مكاسب سياسية ودبلوماسية، ومن إنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية، غيرت وجه المغرب – في سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الجيو اقتصادية، انخرطت بلادنا، برؤية واضحة، في دينامية جديدة من الإصلاحات والمشاريع الكبرى)، كان يؤكد طموح المؤسسة الملكية إلى حجز مكان للمغرب إلى جانب الدول الصاعدة القادرة على المساهمة مستقبلا في صنع الخرائط من خلال بناء تحالفات قوية وفعالة، وبناء استراتيجيات للتأثير الإقليمي والدولي، وشرعنة المشاريع الكبرى التي تمكن من منح الدول قوة ووزن على المستوى القاري والعالمي. في كتابه “نهاية التاريخ”، سيعبر فرانسيس فوكوياما أن قارة إفريقيا غير مؤثرة في النظام الدولي العام. لهذا كان ينظر إلى إفريقيا كتحدٍّ على المستوى الجهوي وليس المستوى العالمي. لهذا، غابت إفريقيا كقارة مؤثرة عن صناعة الخرائط العالمية. اعتبر مجموعة من الباحثين القرن الحادي والعشرين قرن الدول الصاعدة المتوسطة. وفي هذا الصدد، قال الباحث نيكولا طنزر، في كتابه الأخير “نهاية سياسة الدول العظمى وصعود الدول الصغيرة والمتوسطة”، إن بعض الدول الإفريقية الصاعدة تحاول، اليوم، أن تحجز مكانها بين الدول الصاعدة على المستويين القاري والعالمي؛ من خلال بناء تحالفات قوية ومتنوعة تخول لها إمكانية الالتحاق بركب الدول المؤثرة. وأورد الباحث ذاته أن داخل القارة الإفريقية فتح الصراع من الآن على من بإمكانه مستقبلا أن يمثل إفريقيا داخل مجلس الأمن الدولي. لهذا، تعرف المؤسسة الملكية أن المستقبل يصنع بخطوات اليوم وبالقادة الذين يمتلكون أحلاما كبرى ويستطيعون توفير الوسائل لتحقيق تلك الأهداف. ثالثا ـ المؤسسة الملكية من خلال خطاب العرش تؤكد من جديد الاستمرار في بناء الدولة ذات تنظيم ترابي لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة تأكيد الخطاب الملكي على (التأخير والاختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين) كان في الحقيقة رسالة واضحة إلى مؤسسات الديمقراطية التمثيلية بالأساس، وخصوصا الحكومة، مفادها أن عصر التماطل في التنزيل الفعلي للحكامة الجهوية صار من الماضي، وأنه آن الأوان في المغرب اليوم للانتقال من الحكامة المعتمدة على تغول الإدارة المركزية إلى مربع ثنائية الحكامة المعتمدة على مربع الإدراة المركزية إلى جانب مربع الإدارة الجهوية. إن الفعل العمومي، اليوم، له رأسان: رأس وطني ورأس جهوي؛ مما يؤكد أن المؤسسة الملكية تفتح، اليوم، الطريق فعليا للانتقال من مربع الحكم من بعيد إلى أفق الحكم المعتمد على القرب. من خلال ترسيخ الحكامة الجهوية، كانت المؤسسة الملكية التدبيرية تؤكد أن الديمقراطية الجهوية تلعب دورا كبيرا في تعبيد الطريق للتقدم الاقتصادي. وهنا، نستحضر ما سبق أن أكد عليه الاقتصادي ميلتون فريدمان، الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، من أن القفزات الكبرى للحضارات، سواء في مجال الهندسة أو الرسم أو العلوم أو الادب أو الصناعة أو الفلاحة، لم تكن نتاج للدولة المركزية فقط. رابعا ـ الخطاب الملكي سيؤكد على الانتقال من الدولة التراتبية إلى الدولة التعاقدية عرفت الدولة المغربية، منذ القدم، بأنها دولة حافظت على ما يُطلق عليه التحالف والتضامن العمودي مع عدم تشجيع التحالف والتضامن الأفقي؛ وهو ما أطلق عليه عالم الاجتماع الشهير بول باسكون “الإرث التجزيئي”. حديث الخطاب الملكي عن (فقد أصبح من الضروري تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع اليات للتنسيق والتعاقد، لتمكين الجهات من اتخاذ القرار والتنفيذ) كان في الحقيقة يعبر عن إرادة ملكية لترسيخ الحكامة العمودية إلى جانب الحكامة الأفقية؛ وبالتالي كان عمليا يفتح الباب على تحديث الدستور الإداري وخاصيته الهرمية والتراتبية والتفويض الميكانيكي، ويعبد الطريق للانتقال إلى تدبير حداثي يعتمد على التعاقد كفلسفة وكثقافة. الخلاصة الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة كان يخاطب بالأساس نوابا جددا بأفق جديدة واحلام جديدة. لهذا، حاول أن يرسم الطريق نحو المستقبل من خلال بناء أسس فن الفوز في السياسة؛ بخلاف ما سبق أن أكد عليه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران عندما قال “إن السياسة هي فن الفشل”. -باحث في علم السياسة والمالية العامة The post رسائل الخطاب الملكي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن يترأس افتتاح الدورة الـ 17 لمعرض الفرس للجديدة
ترأس صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، اليوم الاثنين، بمركز المعارض محمد الس…


