الريسوني يدعو إلى تحرير الاجتهاد الديني من ضغوط السلطة

هوية بريس-متابعات قال أحمد الريسوني، العالم المغربي المتخصص في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، إن الإسلام لم يحدد شكلا تفصيليا واحدا لنظام الحكم، وإنما وضع مبادئ وقواعد عامة لتدبير الشأن العام، في مقدمتها الشورى والعدل والإحسان في تدبير شؤون الناس وأموالهم، معتبرا أن اختلاف الطرق التي تولى بها الخلفاء الراشدون الحكم دليل على أن شكل النظام السياسي يظل مجالا للاجتهاد البشري. وأوضح الريسوني، خلال استضافته في بودكاست «بصيغة أخرى»، أن الإسلام يتضمن السياسة والحكم والقضاء، ولا يمكن فصله عن تدبير الشأن العام، لكنه لا يفرض نظاما دستوريا محددا من حيث صلاحيات الحاكم وطريقة اختياره وعزله وعلاقته بباقي المؤسسات. واعتبر أن الخلط بين المبادئ الإسلامية المنظمة للحكم وبين الأنظمة السياسية التي عرفها التاريخ الإسلامي أدى إلى التعامل مع تجارب تاريخية، من الحكم الأموي والعباسي إلى العثماني، باعتبارها نماذج ملزمة، رغم أن بعضها تأثر بتقاليد سياسية فارسية ورومانية، إلى جانب اجتهادات الحكام أنفسهم. وفي هذا السياق، دافع الريسوني عن حق الباحثين في نقد التجارب السياسية التاريخية، معتبرا أن بعض ما ذهب إليه المفكر المصري علي عبد الرازق بشأن عدم تحديد الإسلام لنظام بعينه للحكم يستحق النقاش، لكنه رفض في المقابل إنكار وجود السياسة والدولة والقضاء في الإسلام. وانتقد سحب الشهادة العلمية من عبد الرازق وطرده من الأزهر بسبب أفكاره، مؤكدا أن الاختلاف الفكري لا يبرر إلغاء المسار العلمي لصاحبه، وأن من الممكن مناقشة آرائه ونقدها دون اتخاذ إجراءات عقابية في حقه. وشدد المتحدث على أن الشورى تمثل قاعدة أساسية في تولي الحكم، إلى جانب العدل في تدبير شؤون الرعية وتوزيع الثروات والمنافع، معتبرا أن العبرة ليست بالتسمية التي يحملها الحاكم، سواء أكان خليفة أم سلطانا أم أميرا أم ملكا، وإنما بمدى تحقق الرشد والعدل وحسن التدبير في ممارسته للسلطة. واستشهد في هذا الصدد بتجارب تاريخية مغربية، من بينها يوسف بن تاشفين وإدريس الأول، معتبرا أن الحكم الرشيد يمكن أن يتحقق بصرف النظر عن الشكل أو اللقب السياسي المعتمد. وفي ما يتعلق بعلاقة السلطة بالشؤون الدينية، أوضح الريسوني أن الحاكم مسؤول عن تدبير شؤون الدولة والمجتمع، لكنه لا يحتكر سلطة الفتوى ولا يحل محل العلماء في تحديد الأحكام الشرعية. وميز بين مسؤولية الدولة عن توفير المساجد وتنظيم شؤون الحج والزكاة، وبين الاختصاص العلمي المتعلق بالأحكام الدينية، الذي ينبغي أن يظل من اختصاص العلماء، مشيرا إلى أن الحاكم إذا لم يكن عالما أو مجتهدا فعليه الرجوع إلى أهل الاختصاص وعدم تجاوز ما يقرره العلماء في مجالهم. وفي محور آخر، دافع الريسوني عن ضرورة الجمع بين الاجتهاد الفردي والجماعي، محذرا من مخاطر ارتهان المجامع الفقهية لضغوط الدول التي تمولها وتختار أعضاءها وتستضيف اجتماعاتها. وأوضح أن هذه المجامع تؤدي دورا مهما في جمع العلماء وتبادل الآراء، غير أن تدخل الاعتبارات السياسية والمالية قد يفضي إلى قرارات لا تعكس بالضرورة الرأي العلمي الأكثر قوة، بل قد تنتهي إلى صيغ توافقية مترددة. واعتبر أن الاجتهاد الفردي يظل ضروريا لضمان استقلال الرأي والجرأة العلمية، مشبها دور العالم المستقل بدور الصحافي المستقل، الذي يستطيع التعبير عن مواقفه خارج ضغوط المؤسسات. وأشار إلى أن جزءا من المؤسسات الصحافية في المغرب تعرض، بحسب تعبيره، للاستيلاء أو الترويض أو التطويع، في حين لا يزال بعض الصحافيين الأفراد يحظون بثقة الجمهور بفضل استقلالية مواقفهم. وأكد الريسوني أن الاجتهاد ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، رافضا الدعوات إلى إغلاق بابه، ومشددا على أن الاجتهاد السليم ينبغي أن ينطلق من القرآن والسنة وقواعد فهم النصوص، مع استحضار الواقع ومصالح الناس ومآلات القرارات. وانتقد، في هذا الإطار، اختزال الاجتهاد في البحث عن صيغ تتوافق مسبقا مع المواثيق الدولية، معتبرا أن المطلوب هو بناء المواقف انطلاقا من المرجعية الدينية والفكر والواقع والتاريخ، لا The post الريسوني يدعو إلى تحرير الاجتهاد الديني من ضغوط السلطة appeared first on هوية بريس.








