بمناسبة لغة فاطمة الزهراء المنصوري العربية

يتطلّع المغاربة، في العموم، إلى أن تنجح أول امرأةٍ ترأس حكومةً في بلدهم، فاطمة الزهراء المنصوري، في مهمّتها القيادية والتسييرية، الصعبة على أي حال، ولا سيّما أنّ التحدّيات والانتظارات كثيرة وشاقّة. وإذا حالف التوفيقُ السيدة في أدائها مسؤولياتها في موقعها، فلن يُعدّ هذا منجزاً لشخصها فحسب، وإنما أيضاً للمرأة المغربية (والعربية). وفي إطلالتها في جلسة البرلمان مناقِشةً برنامج حكومتها، بدا أنّ لدى المنصوري الجاهزية، بكفاءة، لمواجهة انتقادات المعارضة والردّ (بالعامية المغربية) على أيّ مساءلة. إلّا أن إطلالتها لمّا قرأت برنامج الحكومة الائتلافية كانت صادمةً، مُحبطة، (كارثةً بتعبير بعضهم)، أو أقلّه مؤسفة، ذلك أنها كانت تقرأ النصّ، المُصاغ جيداً بالعربية الفصحى، بصعوبةٍ ظاهرة، كأنها تتهجّى المكتوب لها على الورق الذي لم ترفع عينيْها عنه. بدا المشهد مُحرجاً، ومكلفاً للصورة التي تُشاهَد بها المسؤولة عن حكومة تسيّر شؤون المواطنين. ولمّا قيل إنّ التحصيل العلمي للسيّدة بالفرنسية، وأنها من أهل الثقافة الفرنكفونيّة النافذة بين النخب المغربية، فهذا لا يجوزُ أن يكون تبريراً ولا تفسيراً، فالأمر يتعلّق بمسألةٍ دستورية وسياسية، ووجدانية ثقافية للمغاربة. وإذ ليس مطلوباً من المنصوري، (ولا من أيّ مسؤولٍ عربي) أن تكون في سويّة طه حسين أو مي زيادة في اللغة العربية والتعبير بها، كان مطلوباً منها أن تعرف لغتها العربية والتعبير السليم عن نفسها بها فحسب، لا أن تبدو أمام الناس غريبةً عنها. لنا، نحن المواطنين في كل دولة عربية، أن نطلب أن يكون من شروطٍ واستحقاقاتٍ مطلوبة من كل من يزاحم على مواقع المسؤولية، الحكومية وغيرها، أن يُحسن التحدّث بلغته العربية، وأن يعرف كيف يخاطب العموم بلغةٍ سليمة، فلا يبدو كمن يُجهد نفسه في قراءة نصٍ بلغةٍ لا صلة له بها. وحتى لا تبدو واقعة المنصوري في برلمان بلادها الثلاثاء الماضي تصيّداً، فإنّ وقائع مثيلة شوهدت في غير بلد عربي، تدلّ على ما لا تجوز المراوغة في تسميته استخفافاً مريعاً باللغة العربية التي لا نقاش في أنّ أوضاعها في بلادها كارثية (وهذا شرحُه يطول). فقد كان غير طبيعيٍّ أن يقرأ سعد الحريري وخلفه في رئاسة الحكومة اللبنانية، حسّان دياب، بياناتٍ وكلماتٍ في البرلمان نصوصاً مكتوبةً باللهجة العامية (لو تحدّثا بها ارتجالاً لهان الأمر قليلاً). هذا مرفوضٌ مريع. أما رئيس مجلس الشعب المصري السابق، علي عبد العال (دكتوراه من السوربون)، فقد كان أداؤه كاريكاتورياً وهو يقرأ كلماتٍ ويدير الجلسات بتحطيم اللغة العربية، نحواً وتعبيراً، بأخطاء لم يكن يجد حرجاً في ارتكابها، بل كان يخطئ أيضاً في قراءة آياتٍ قرآنية. ولا يُنسى أنّ عبد الفتاح السيسي في مراسم تنصيبه رئيساً في 2014، ارتكب في كلمته أخطاء غير قليلة، وزاود عليه من تسلّم منه الحكم، عدلي منصور، في فداحة الأخطاء وكثرتها، وهو رجل قانون، يعرفُ أنّ العربية هي اللغة الرسمية لبلده، ما يُفترض فيه أن يكون الأكثر حرصاً على عدم الإساءة إليها. أمّا ياسر عرفات، فمشهورةٌ أخطاؤه في قراءة خطابه (التاريخيّ) في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1974، وطريفٌ ما أورده شفيق الحوت أنّه ومحمود درويش شكّلا أواخر الكلمات في الخطاب بخط أحمر “إلّا أنّ عرفات لم يترك خطأ نحوياً إلّا وارتكبه”. تبدو البرلمانات العربية ساحات حربٍ على اللغة العربية، فإذ من العسير أن تعثر فيها على معارضاتٍ عالية الأداء، ومن الميسور أن تعاين فيها رفع المنصوب ونصب المجرور، عدا عن العاميّات الركيكة وبؤس المخيّلات. والذي عوين في البرلمان المغربي المنتخب أخيراً يُشاهد مثلُه في برلمانات الأردن والجزائر ولبنان وغيرها. وفي هذا المقام، يُتذكّر الكاتب التونسي، الوزير محمود المسعدي، لمّا كان رئيساً لمجلس النواب في بلاده (1981– 1986)، لم يكن يسمح بأن تكون مداخلاتُ النواب بغير العربية الفصحى، وكان يصوّب أي أخطاءٍ منهم مباشرةً. ولمّا وجهت إليه صحافية تونسية سؤالاً بالفرنسية رفض الإجابة، وذكّرها بنص الدستور التونسي؛ إنّ العربية هي اللغة الرسمية للبلاد. بالعودة إلى المغرب، طرح حزب العدالة والتنمية في مجلس النواب في 2017 مشروع قانون لحماية اللغة العربية، وفي معلوماتي أنّه لم يمرّ. وربما يفعلها الحزب، وهو في المعارضة حالياً، ويعيد طرح المشروع. وفي الغضون، يُؤمل من السيدة رئيسة الحكومة وزملاء لها وزراء ونواب أن يتدرّبوا على إجادة لغتهم، وتصويب ألسنتهم، فلا نرى المشهد إياه يتكرّر. ـ رئيس تحرير “العربي الجديد”
كأس العالم للسيدات لأقل من 17 سنة.. المنتخب المغربي يتأهل رسميا إلى ثمن النهائي
تأهل المنتخب المغربي للسيدات لكرة القدم لأقل من 17 سنة رسميا إلى دور ثمن النهائي من كأس ال…


