Home الصحافة المغربية الألعاب الإلكترونية .. مختبرات فلسفية مصغرة تختبر إدارة الوُجود البشري

الألعاب الإلكترونية .. مختبرات فلسفية مصغرة تختبر إدارة الوُجود البشري

الألعاب الإلكترونية .. مختبرات فلسفية مصغرة تختبر إدارة الوُجود البشري

تدريبات مبكرة على عبث الحياة لم أكن يومًا من هواة الألعاب الإلكترونية، ولم أتعلم تلك المهارة الغامضة التي تجعل الناس يقضون ساعات طويلة أمام شاشة صغيرة وهم يطاردون عوالم افتراضية تبدو لهم أكثر واقعية من الواقع نفسه. كنت دائمًا أنظر إلى هذا الكون الرقمي بشيء من التحفّظ، وربما بشيء من الفضول الصامت أيضًا. غير أنّ الصدفة، قادتني ذات يوم إلى التجول في أروقة معرض دولي لتلك الألعاب دخلته بدون تخطيط تقريبًا، كما يدخل المرء مكتبةً لا يعرف عناوين كتبها. في البداية، شعرت كأنني غريب في مدينة لا أتحدث لغتها: شاشات عملاقة، موسيقى إلكترونية صاخبة، وشباب يتحركون بين الأجهزة بخفة من يعرف خرائط هذا العالم السري عن ظهر قلب. لكن الفضول أخذ يتغلّب شيئًا فشيئًا على تحفّظي القديم. وبين منصة وأخرى، اكتشفت أن هذه الألعاب لا تقتصر على تسلية عابرة كما كنت أظن، وإنما تفتح عوالم صغيرة تنسجُ قصصا، وتختبر أفكارا عن الإنسان، وعن تلك الرغبة العجيبة التي تدفع البشر إلى اختراع حياة أخرى موازية للحياة التي يعيشونها. لُعْبَتَان وسُؤالٌ واحدٌ: ماذا نفعلُ بالعَالم؟ وقفتُ عند لعبة اسمها The Sims تبدو في ظاهرها بسيطة: تبني بيتًا، تشتري أريكة، تطهو طبق مكرونة، ثم تراقب مخلوقًا افتراضيًا يذهب إلى العمل ويعود متعبًا. كأنك تشاهد نسخة مختصرة من الحياة. غير أنّ هذه اللعبة، التي ابتكرها المصمم الأمريكي Will Wright، لا تكتفي بالتسلية؛ إنها مختبر اجتماعي صغير، أو مسرح فلسفي خفيّ يتدرّب فيه اللاعب على إدارة الوُجود البشري من خلف شاشة. في The Sims يتعلم اللاعب أول درس وجودي: الحياة شبكة من الحاجات الصغيرة؛ النوم، والطعام، والصداقة، والعمل، والمرح. وإذا أهمل الإنسان واحدة منها، اختلّ كل شيء؛ هنا يبرز درس في الاقتصاد العاطفي للحياة: لا يكفي أن ينجح المرء، ذلك أنه يحتاج أيضًا إلى قدر كافٍ من النوم حتى لا ينهار في المطبخ. ثم تمنح اللعبة درسًا ثانيًا: يستطيع الإنسان أن يحوّل حياة غيره إلى مشروع إدارة. فاللاعب يشبه مدير شركة غريبة اسمها: “حياة شخص آخر”. يقرر متى يستيقظ هذا الكائن، ومتى يعمل، ومتى يقع في الحب، وأحيانًا، إذا ساء مزاجه، يزيل السّلم من المسبح ويتركه يتأمل عبث الوجود حتى النهاية. ومع ذلك، لا تعلّمك هذه اللعبة السيطرة بقدر ما تعلّمك المفارقة؛ فكلما حاولت تنظيم حياة الـ Sims بدقة، ظهرت الفوضى من زاوية غير متوقعة: يحترق المطبخ، ويتشاجر الجيران، وينام الموظف في المكتب، ويقع العاشق في حب الشخص الخطأ. كأن اللعبة تهمس لك بسخرية لطيفة: أنت لا تدير الحياة، وإنما تراقبها وهي تفشل بطريقة جميلة. ولهذا تصلح The Sims لثلاثة أمور على الأقل: فهي أولًا مدرسة خفية في علم الاجتماع، لأنها تكشف كيف تتشكل العلاقات، وكيف تؤثر البيئة والمال والعمل في سلوك البشر. وهي ثانيًا مختبر فسيح للخيال، لأنك تستطيع أن تبني مدينة فاضلة، أو حيًّا فوضويًا يشبه نشرات الأخبار. وهي ثالثًا تمرين فلسفي لأنها تذكّرنا بأن البشر، مثل شخصيات اللعبة، يعيشون بين حاجات بسيطة وأحلام كبيرة، وبين خطة يومية دقيقة وكارثة صغيرة قد تقع في أي لحظة. ولهذا يمكن القول إن The Sims لعبة عن الحياة، وفي الآن ذاته مرآة ساخرة لها. نحن نضحك حين ينسى الـ Sims إطفاء الموقد، لكننا نضحك في الحقيقة لأننا نفعل الشيء نفسه في حياتنا اليومية. وربما، وهذا هو الجانب الأكثر طرافة، لو وُجد لاعب يدير حياتنا من الأعلى، لضحك الآن بلا شك، لأننا نحاول بجدية شديدة أن نفوز في لعبة لم يشرح لنا أحد قواعدها. وفي مكان آخر من المعرض بين الخيال والبرمجة، حيث تتحول المكعبات الصغيرة إلى جبال، ظهرت لي لعبة أخرى اسمها Minecraft، تبدو اللعبة، في بدايتها، عالمًا مصنوعًا من مكعبات: شجرة مربعة، وشمس مربعة، وحتى الخروف يبدو كأنه خرج من درس في الهندسة أكثر مما خرج من مزرعة. لكن هذه البساطة البصرية تخفي واحدة من أعمق التجارب في تاريخ الألعاب. صمم المبرمج السويدي Markus Persson هذه اللعبة، ثم تحولت لاحقًا إلى ظاهرة عالمية بعد أن اشترتها Microsoft ، غير أن سرّ اللعبة لا يكمن في الشركة ولا في التكنولوجيا، وإنما في فكرة شديدة البساطة: أعطِ الإنسان فراغًا، وسيحاول أن يبني عالمًا. تبدأ اللعبة من لا شيء تقريبًا: بضع أشجار، وأرض مفتوحة، وليل يأتي بسرعة مزعجة. وإذا لم تتحرك بسرعة، زارتك مخلوقات غريبة في الظلام لتذكّرك بأن الفلسفة الوجودية قد تنقلب بسرعة إلى تراجيديا رقمية. أول درس تمنحه اللعبة قديم قدم الحضارة نفسها: البقاء يبدأ بالبناء. تقطع شجرة، وتصنع فأسًا، وتبني بيتًا صغيرًا. وهكذا تتحول من شخص ضائع في الغابة إلى مهندس معماري، حتى لو بدا بيتك الأول شبيهًا بصندوق أحذية كبير. أما الدرس الثاني، فيؤكد أن الخيال أقوى من الواقع. ففي هذا العالم يستطيع اللاعب أن يبني ما يشاء تقريبًا: مدنًا كاملة، ومكتبات ضخمة، وحتى نسخًا من معالم حقيقية. وهنا تظهر المفارقة الساخرة: يقضي الناس ساعات طويلة في بناء مدن داخل لعبة، ثم يتذمرون في الواقع من ترتيب غرفة صغيرة في البيت. ثم يصل اللاعب إلى الدرس الثالث، وهو أكثر طرافة: لا يكتفي الإنسان بالبناء، وإنما يعشق التعقيد أيضًا. فبمجرد أن يتقن أساسيات اللعبة، يكتشف نظامًا يسمى Redstone، وهو نظام كهربائي صغير يتيح له بناء آلات، وأبواب آلية، وحتى حواسيب بدائية. عندها يتحول اللاعب من نجار بسيط إلى مهندس إلكترونيات يعمل ليلًا ونهارًا، وكل ذلك حتى يصنع بابًا يفتح تلقائيًا. ولهذا تصلح لعبة Minecraft لأمور كثيرة: فهي أولًا مدرسة خفية للإبداع، لأنها تعلم الأطفال والكبار أن البناء يبدأ بفكرة صغيرة. وهي ثانيًا مختبر مفتوح للتجريب، لأنك تستطيع أن تفشل عشر مرات في بناء بيت من غير أن يطرق بابك مراقب المباني بالبلدية. وهي ثالثًا تمرين فلسفي على معنى العالم، لأن كل ما يحيط بك قابل للهدم وإعادة البناء. ولعل أعظم نكتة فلسفية في لعبة Minecraft تكمن في هذا الأفق: العالم الحقيقي شديد التعقيد إلى درجة تجعل إصلاحه أمرًا عسيرًا، لذلك نبني عالمًا آخر من المكعبات، فقط حتى نشعر، ولو للحظة واحدة، أننا نعرف كيف يبدأ الخلق. نلعب لنفهم الحياة… أم نهرب منها؟ هكذا خرجت من ذلك المعرض كما يدخل المرء كتابًا بدافع الفضول ثم يغادره وفي ذهنه أسئلة أكثر مما توقّع. لم أصبح فجأة من عشاق الألعاب الإلكترونية، ولم أحمل معي رغبة في قضاء الليالي أمام الشاشات كما يفعل اللاعبون المتحمّسون، لكنني خرجت على الأقل بفكرة مختلفة: هذه العوالم التي بدت لي مجرد تسلية صاخبة تُخفي في داخلها شيئًا من حكاية الإنسان نفسه. فبيْنَ حياة افتراضية مليئة بالتفاصيل اليومية في The Sims، ومدينة يتمّ بناؤها حجرًا فوق حجر في Minecraft، يعود السؤال القديم في صيغة جديدة: ماذا يصنع الإنسان بالعالم حين يُودِعُهُ بين يديْه؟ لعلّ هذا هو ما يجعلنا نخطئ إن نظرنا إلى هذه الألعاب على أنها مجرد وسائل للتسلية؛ إنها، في جوهرها، مختبرات مصغّرة لخيال الإنسان، ومساحات يجرّب فيها قدرته على الخلق، والتنظيم، وإعادة تشكيل الممكن. أما مفارقتها الخفيّة فتتجلّى في أنها تهَبنا سلطة تشييد عوالم محكمة التَّفاصيل، فيما نَظلُّ، في عالمنا الواقعي، نَمْضِي بصبرٍ شاقٍّ في محاولة فهم هذا العالم الأكبر والأعْقد، الذي لم ننجَح بعدُ في الإحاطة بأسْراره. لنتأملْ؛ وإلى حديث آخر. The post الألعاب الإلكترونية .. مختبرات فلسفية مصغرة تختبر إدارة الوُجود البشري appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد الفتاح لحجمريمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

five × 2 =

Check Also

عوكاشا يعلق على ترشيح زيدان ويؤكد جاهزية “الأحرار” للانتخابات

عبّر ياسين عوكاشا، رئيس الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار، عن فخره واعتزازه بترشح …