الخيال الديمقراطي

بَلغَتْ سَمْعي عبارةُ “الخيال الديمقراطي” وأنا أنصتُ إلى مسؤول حكومي يشحَذ لغته ويمهّدُ بها الطريق إلى الحَملة الانتخابية المقبلة. أثارتني العبارة وشغلت بالي، فقلّبتُها من جهاتها الممكنة وغير الممكنة، وسَألتُ نفسي: أيُّ خيال تحتاج إليه الدّيمقراطية زمن الحملة الانتخابية؟ أهو خيال يوسّعُ أفق المواطن ويمنحه القدرة على صناعة مُستقبله، أم خيالٌ يزيّن له واقعه كي يحتمل ضيْقَهُ؟ كلما أمعنت النظر في العبارة، بدت لي هذه المفارقة: ترفع السياسة المواطن إلى مقام السَّيّد فوق مِنصّة الخَطابة، ثم تُعيده إلى مقعد المتفرّج فور انطفاء الميكروفونات؛ تمنحه سلطة كاملة في الجُمْلة، وتتركه على هامشِها في الواقَع. مُواطنٌ، صُندوقٌ، وذاكِرَةٌ عَلى هذا النَّحو، أفترضُ أنَّ الخَيالَ الدِّيمقراطي يُحِبّ الصناديق حُبّا عَجيباً. يذهب المواطن إلى التصويت مُنتصبَ القامة، شاعراً أنه يغيّر التاريخ، ثم يعود إلى بيته ليكتشف أن التاريخ كان منشغلاً في اجتماع آخر. يختار اسماً، يضع علامة، يطوي الورقة بعناية، ثم ينتظر أن تفتح السماء أبواب الحكامة الرّشيدة. وبعد أشهر، حين يسأل: “أين الوُعود؟”، يجيبه الواقع بابتسامة موظف خبير: “ملفّكم قيد الدِّراسة”؛ والمرشَّح بحَسبِ هذا الخيال مخلوق خارق للطبيعة؛ قبل الانتخابات يعرف الحيّ زنقةً زنقة، ويحفظ أسماء الأسواق، ويصافح الحَلاق والخباز وبائع النعناع، ويعرف ثمن البطاطس أكثر من وزير الفلاحة. ينادي الناسَ بأسمائهم، يسأل عن صحة الجدّة، ويَعِدُ الشَّاب بعَمل، والتّاجر بالإنْصاف، والموظف بالتّرقية، والمدينة بالجَنَّة. وبعدَ الفوز، يُصاب فجأة بمَرض سياسي نادر: “فقدان الذاكرة الانتخابية الحادّ”. لا يعود يتذكّر الحيّ، وتختفي أسماء الناس من ذاكرته، وتتحوَّل البطاطس من قضية وطنية إلى تفصيل اقتصادي معقّد يحتاج إلى ندوة وطنية تليها أخرى دولية. حين يرتدي النِسيان ثوب الدّيمقراطية يشتغل الخيال الديمقراطي أيضاً على صناعة الصّورة. الصورة هنا أهمُّ من الفعل، لأن الفعل يحتاج ميزانية وقراراً ومتابعة، أما الصورة فتحتاج كاميرا وابتسامة وعبارة من ثلاث كلمات. يستطيع المسؤول أن يزور مستشفى مُتعَباً فيصدُرُ الخبر بعُنوان: “زيارة ميدانية ناجحة”. نجاح ماذا؟ لا أحد يعرف. المهم أن الزيارة نجحت في أن تكون زيارة. ويُمكن لمسؤول آخر أن يقفَ أمام حفرة في الطريق، يشير إليها بإصبع صارم، فتبدأ الحفرة نفسها في الشعور بالخجل من وُجُودها. يلتقط المصور الصّورة، ينشرها المكتب الإعلامي، ويتنفّس المواطن الصُّعداء: أخيراً عرفت الدولة مكانَ الحفرة؛ أما ردمها فذلك مشروعٌ للمستقبل، والديمقراطية تحب المستقبل لأنه لا يطالبها بفواتير اليَوم. ومن أجمل اختراعات الخيال الديمقراطي كلمةُ الحوار. الحوار كلمة مَرنة، تتَّسع لكل شيء تقريباً: يمكن أن تعني الإنصات، ويمكن أن تعني تأجيل القرار، ويمكن أن تعني التقاط صورة لطاولة مستديرة. يجلس الجميع حول الطاولة، يشكر بعضهم بعضاً على “روح المسؤولية”، ويؤكدون أهمية “مواصلة التشاور”. يخرج المواطن من الخبر مقتنعاً بأن شيئاً عظيماً وقع، ثم يبحث عن النتيجة فلا يجد إلا موعداً لجولة حوار جديدة. أما الأحزاب، فتدخل الخيال الديمقراطي بثياب البُطولة. كلُّ حزب يحمل مشروعاً “تاريخياً”، وكُلُّ أمين عام يتحدث كما لو أنه اكتشف السياسة صباح اليوم. يسمع المواطن كلمات مثل “العدالة”، و”الكرامة”، و”التنمية”، و”الإصلاح”، و”الإنصاف”، فيشعر أنه داخل متجر ضخم للمبادئ، غير أن المنتجات مُتشابهة إلى حدٍّ مُربك؛ تتغيّر العُبوات، وتبقى طريقة الاستعمال واحدة تقريباً. والأكثر طرافة أن كلَّ أزمة داخل الخيال الديمقراطي تصنع قاموساً جديداً؛ إذا ارتفعت الأسعار، ظهر “السياق الدولي”. إذا تعطلت المشاريع، حضرت “الإكراهات الموضوعية”. إذا فشل التدبير، وصل “الإرث المتراكم”. وإذا سأل المواطن عن المسؤول، اكتشف أن المسؤولية مادَّة غازية: موجودة في كل مكان، ولا يستطيع أحد الإمساك بها. وحده المواطن يحمل مسؤولياتٍ صَلْبة جداً: عليه أن يدفع الضرائب في الوقت، ويحترم القانون، ويقتصد في الماء، ويصبر على الزحام، ويثق في المؤسسات، ويفهم الظرفية، ويظل متفائلاً كي لا يفسد المؤشرات النفسية للبلاد. ما تَبقّى من الوَطن بعد انتهاء الخِطاب لا يكذب الخيال الديمقراطي دائماً؛ ينشر تقريراً ممتازاً، ويعقد ندوة جادة، ويعترف بوجود الخلل، ثم يكلّف لجنة بتشخيص الخلل الذي شخصه التقرير سابقاً. بعد أشهر، تُنجز اللجنة تقريراً يؤكد ما قاله التّقرير الأول. هنا تبلغ الدّيمقراطية مستوى متقدماً من النّضج: تعرف المشكلة بدقة، وتعرف أنها تعرف المشكلة، ثم تواصل معرفتها بها. لا تحتاج الديمقراطية الحقيقية إلى كل هذا المكياج. تبدأ حين يعرِف المسؤول أن المنصب عَقْد مؤقت، ويعرف المواطن أن التصويت ليس موعداً موسمياً؛ تبدأ حين يصبح السّؤال البسيط أقوى من الخُطبة الفَخمة: ماذا أنجزتم؟ كم أنفقتم؟ من استفاد؟ من أخطأ؟ عندها فقط يخرج المواطن من دولة الأمنيات إلى دولة السّياسة. الذاكرة لا تصفّق مرّتين وحين أنهى المسؤول خِطابه، انفضّ الجمع وبقيت العبارة وحدها في القاعة، كأنها همست من وراء كل ذلك البريق بما لم يقله صاحبُها: الخيال الديمقراطي ليس ما يحلم به الناس، إنما ما تراهن السلطة على أن ينساه النّاس. لا تخشى السّلطة غضب المواطن بقدر ما تخشى ذاكرَتهُ؛ الغضبُ يعلو ثم يهْدَأ، والذَّاكرة تحفظ الوَعد، وتُسجّل الكُلفة، وتحصي الغائبين، وتسأل عند كل اسْتحقاق: من استفاد؟ ومن أخطأ؟ لهذا لا تحتاج الديمقراطية إلى مزيد من الخَيال؛ تحتاج إلى ذاكرة لا تنام؛ يوم يستبدل المواطن التصفيق بالتذكّر، ويتعامل مع صوته بوصفه أمانة لا هدية؛ عندها لن يفوز من يُجيدُ وصْف المستقبل، سيَفوزُ من يملكُ جواباً واضحاً عمّا فعله بزمَن النّاس. يستطيع السّياسي أن يهزم خَصماً، ويُروّض شعاراً، ويُجمِّلَ حَصيلَةً… لكنْ أمام شَعْبٍ يتذكّر، تنتهي الحِيلَةُ ويبدأ التّاريخ. لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر. The post الخيال الديمقراطي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
حريق غابوي يستنفر فرق الإطفاء بالعرائش و«كنادير» تدخل على الخط
تواصل فرق الإطفاء والإنقاذ بإقليم العرائش جهودها، منذ منتصف نهار الثلاثاء، لمحاصرة حريق غا…



