الدفاع عن الملك يكون باحترام القانون لا بأخذ الحق باليد

درس حسني قديم للمرحوم الحسن الثاني يجيب عن واقعة الصافع والمصفوع بطنجة أثار مقطع فيديو متداول، يظهر فيه شخص يصفع شخصا آخر عقب صدور عبارات قبيحة عنه تضمنت سبا وقذفا في حق جلالة الملك، نقاشا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد تراوحت المواقف بين من اعتبر ما وقع تعبيرا تلقائيا من الصافع عن الغيرة على جلالة الملك، وبين من رأى فيه سلوكا لا يمكن تبريره، مهما كانت طبيعة الأقوال التي صدرت عن المصفوع. وبعيدا عن الانفعال الذي قد تثيره الواقعة، فإنها تطرح مسألة أعمق تتعلق بعلاقة المواطن بالقانون، وبالحدود الفاصلة بين حق الفرد في استنكار سلوك يراه مخالفا للقانون، وبين اختصاص الدولة في البحث عن الجرائم ومتابعة مرتكبيها وتوقيع الجزاء عليهم. ودعونا نتفق بداية أن شخص الملك يحظى بحماية خاصة في التشريع الجنائي المغربي. فقد جرم الفصل 179 من القانون الجنائي، القذف أو السب أو المس بالحياة الخاصة لشخص الملك أو شخص ولي العهد، وكذا الإخلال بواجب التوقير والاحترام لشخص الملك. ومن ثم، فإن المشرع لم يترك مثل هذه الأفعال خارج دائرة التجريم، وإنما حدد لها جزاء قانونيا وأسند تطبيقه إلى المؤسسات المختصة. وفي المقابل، فإن القانون لا يجيز للأفراد معاقبة من يعتقدون أنه ارتكب جريمة. فالضرب والجرح والعنف العمدي أفعال جرمها المشرع بدورها. وينص الفصل 400 من القانون الجنائي على معاقبة من يرتكب عمدا ضد غيره جرحا أو ضربا أو أي نوع آخر من العنف أو الإيذاء إذا لم ينتج عنه مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية، أو نتج عنه عجز لا تتجاوز مدته عشرين يوما، بينما يشدد الفصل 401 العقوبة متى تجاوزت مدة العجز عشرين يوما، مع مراعاة باقي الظروف التي يمكن أن تؤثر في التكييف القانوني والعقوبة. وعليه، فإن القراءة القانونية لواقعة الصافع والمصفوع صاحب عبارات السب بطنجة لا ينبغي أن تقوم على المفاضلة بين الفعلين أو البحث عن أيهما أكثر استفزازا للرأي العام، وإنما على استقلال كل فعل عن الآخر. فصدور قول يجرمه القانون، على فرض ثبوته وتوافر عناصره القانونية، لا ينشئ لفرد آخر حقا في استعمال العنف ضد صاحبه. كما أن رفض الاعتداء الجسدي لا يعني، تبرير الأقوال التي سبقته. لكل فعل تكييفه القانوني المستقل، ولكل شخص ضماناته، وللقضاء وحده سلطة تحديد المسؤولية وترتيب الجزاء. واللافت أن هذه المسألة ليست جديدة تماما على النقاش المغربي. فقد تناول المغفور له الملك الحسن الثاني موضوع تغيير المنكر وحدود تدخل الأفراد في درس ألقاه في ختام سلسلة الدروس الدينية لشهر رمضان، بتاريخ 25 دجنبر 1966، ونحن هنا نتحدث عن أعلى سلطة في البلاد، وانطلق فيه من الحديث النبوي “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه…”. ومما يستفاد من الشروح التي قدمها المغفور له الحسن الثاني في ذلكم الدرس أنه لم يفهم “التغيير باليد” باعتباره حقا مفتوحا لكل فرد لاستعمال القوة متى رأى فعلا يعتبره منكرا، وإنما ربطه بفكرة السلطة الشرعية وبالاختصاص الذي تملكه الدولة ومن يمثلها في التدخل. فالتغيير المادي للمنكر، وفق هذا التصور، يرتبط بمن يملك سلطة قانونية تخوله التدخل، لا بمجرد موقف الفرد من الفعل الذي يشاهده. وفي المقابل، أكد المغفور له أن دور المواطن الذي لا يملك تلك السلطة يبقى في دائرة الإخبار والتبليغ فقط، موضحا في سياق شرحه أن من يعاين منكرا يجب عليه أن ينقل خبره إلى الجهات التي تملك صلاحية التدخل، كالمسؤولين الإداريين أو القضائيين، حتى تتولى السلطة المختصة القيام بما يدخل في اختصاصها لتغيير المنكر. وبصرف النظر عن السياق التاريخي والفقهي الذي قدم فيه هذا التفسير قبل نحو ستين سنة، فإن فكرته الأساسية تبدو شديدة الصلة بواقعة طنجة اليوم، باعتبار ان هناك فرق كبير بين أن يستنكر المواطن فعلا يراه منكرا أو مخالفا للقانون، وبين أن يمنح نفسه سلطة استعمال القوة لمعاقبة صاحبه. ففعل الاستنكار حق مشروع، أما استعمال القوة فيبقى خاضعا للقانون ولا يمكن للفرد أن يتحول إلى بديل عن سلطة الدولة. وإذا كانت هذه القراءة التي قدمها المغفور له الحسن الثاني تنطلق من تفسير ديني ومؤسساتي لمفهوم تغيير المنكر، فإنها تلتقي، من زاوية مختلفة، مع إحدى الأفكار الأساسية التي قام عليها الفكر الجنائي الحديث، وهي انتقال سلطة العقاب من الأفراد إلى الدولة. فقد أسس المفكر الإيطالي “سيزار بيكاريا”، في كتابه الشهير “في الجرائم والعقوبات” الصادر سنة 1764، حق العقاب على فكرة العقد الاجتماعي، معتبرا، في جوهر تصوره، أن انتقال الإنسان إلى المجتمع المنظم اقتضى تنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم لفائدة سلطة عامة تتولى ضمان أمن الجميع. ومن مجموع هذه التنازلات يستمد السلطة العامة باعتبارها صاحبة السيادة والسلطان، مشروعية سلطة العقاب وفق تصوره. وتكمن أهمية هذه الفكرة بالنسبة إلى واقعة طنجة في أن العقوبة، داخل المجتمع المنظم، لم تعد شأنا فرديا يباشره الشخص بحسب تقديره لما هو صواب أو خطأ، وإنما أصبحت وظيفة عامة تمارسها الدولة بواسطة المؤسسات التي أنشأها القانون لهذا الغرض. فالانتقال من الانتقام الفردي إلى العقوبة القانونية يمثل، في حد ذاته، أحد مظاهر الانتقال من المجتمع الذي يأخذ فيه كل شخص حقه بيده إلى دولة تحتكر سلطة الإكراه وتخضع ممارستها للقانون. ورغم اختلاف المرجعيتين والسياقين التاريخيين، نجد تقاطعا بين هذه الفكرة في فلسفة العقاب وبين ما يستفاد من درس المغفور له الحسن الثاني، فبيكاريا ينطلق من فلسفة القانون والعقد الاجتماعي ليجعل العقاب من اختصاص السلطة العامة، بينما ينطلق المرحوم الحسن الثاني من تفسير مفهوم تغيير المنكر في الحديث النبوي ليربط “التغيير باليد” بمن يملك سلطة شرعية، ويجعل دور الفرد الذي لا يملكها في دائرة الإخبار والتبليغ. ويمكن قراءة هذا التصور اليوم في ضوء التنظيم القانوني للدعوى العمومية. فقانون المسطرة الجنائية أسند إلى النيابة العامة مهمة إقامة الدعوى العمومية وممارستها ومراقبتها والمطالبة بتطبيق القانون، كما منحها، وفق الشروط التي يحددها القانون، إمكانية التحرك تلقائيا متى بلغ إلى علمها ارتكاب أفعال ذات طبيعة جرمية. كما أن الشرطة القضائية ليست جهازا ينتظر بالضرورة أن يتقدم المتضرر بشكايته حتى تتحرك في جميع الحالات، وإنما أناط بها القانون مهمة البحث عن الجرائم ومعاينتها وجمع الأدلة والبحث عن مرتكبيها، في نطاق الاختصاصات المقررة لها تحت إشراف النيابة العامة. وهنا يظهر، في تقديري، وجه من أوجه راهنية تفسير المغفور له الحسن الثاني لمفهوم “التغيير باليد”. فاليد التي تملك استعمال وسائل الإكراه في الدولة الحديثة ليست يد الفرد، وإنما يد السلطة العامة التي منحها القانون صلاحية التدخل وقيد ممارستها لهذه الصلاحية بشروط وضمانات. أما المواطن فله أن يستنكر، وأن يبلغ، وأن يقدم الشكاية، وأن يضع ما يتوفر عليه من معلومات أو أدلة رهن إشارة السلطات المختصة، ثم يترك للمؤسسات القيام بوظيفتها. غير أن الحديث عن صلاحية النيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية يقتضي استحضار مبدأ أساسي آخر، وهو مبدأ ملاءمة المتابعة المنصوص عليه في المادتين 40 و 49 من قانون المسطرة الجنائية حسب الاحوال. فمجرد اكتساب فعل ما وصفا جرميا لا يعني بالضرورة أن المتابعة القضائية تصبح آلية في جميع الأحوال. إذ تتمتع النيابة العامة، في الحدود التي يرسمها القانون، بسلطة تقدير مدى ملاءمة تحريك الدعوى العمومية في ضوء ظروف النازلة ومعطياتها والمصلحة العامة والسياسة الجنائية، كما يمكنها اتخاذ قرار آخر يسمح به القانون، وهو الحفظ متى توافرت شروطه. ولا يعني مبدأ الملاءمة أن النيابة العامة تستطيع إباحة ما جرمه القانون، كما لا يعني منحها سلطة تحكمية في اختيار من يتابع ومن لا يتابع، وإنما يتعلق بسلطة تقديرية قانونية في تقرير مدى مناسبة تحريك الدعوى العمومية في كل قضية على حدة. وهنا تحديدا تظهر أهمية المؤسسات، فحتى الدولة، وهي صاحبة سلطة المتابعة والعقاب، لا يفترض أن تتحرك بمنطق الغضب أو الانتقام، وإنما بمنطق القانون والتقدير المؤسساتي للوقائع. وتكتسب هذه الفكرة دلالة إضافية عند استحضار تصريح لوزير العدل الأسبق مصطفى الرميد سنة 2015، بصفته حينئذ رئيسا للنيابة العامة، تحدث فيه عن موقف نبيل لجلالة الملك محمد السادس بشأن المتابعات المرتبطة بالإساءة إلى شخصه. فقد نقل الرميد أن جلالة الملك وجه إلى تجنب متابعة المواطنين حتى عندما يتحدثون عنه بسوء، موضحا أن الملك لا يريد أن يقمع المغاربة، ولكنه يريد أن يحترمه المغاربة. وبطبيعة الحال، فإن مثل هذا التوجيه، كما نقله وزير العدل آنذاك، لا يلغي مقتضيات الفصل 179 من القانون الجنائي ولا يعطلها، لأن النص التشريعي لا يلغى إلا وفق القواعد القانونية المقررة لذلك. لكنه يظل معطى ذا دلالة بالنسبة إلى موضوعنا، وقد يساعد، على فهم عدم تحريك المتابعة، إلى حدود ما هو معلوم، في حق الشخص الذي صدرت عنه عبارات السب في حق جلالة الملك. كما أنه يكشف، في الوقت نفسه، عن الفرق بين وجود حماية جنائية قررها المشرع لشخص الملك، وبين تحويل تلك الحماية إلى مبرر يبيح للأفراد استعمال العنف باسم الدفاع عنه. وفي الأخير، فإن رفض صفعة طنجة لا يعني الدفاع عن الإساءة إلى جلالة الملك أو التقليل من خطورتها، كما أن استنكار الإساءة إلى جلالة الملك لا يمكن أن يكون مبررا للعنف. المسألة في جوهرها يا سادة يا كرام تتعلق بمبدأ بسيط: لدينا قانون، ولدينا مؤسسات مختصة بتطبيقه، ولا ينبغي أن يحل الفرد محلها. فجلالة الملك لا يحتاج إلى من يدافع عنه بالعنف غير المشروع، ليس فقط لأن القانون أفرد لشخصه الكريم الحماية الجنائية اللازمة، وإنما لأن الدفاع عن جلالة الملك وعن مؤسسة ترمز إلى الدولة لا يستقيم من خلال سلوك يناقض أحد أهم أسس هذه الدولة، وهو خضوع الجميع للقانون. فالمواطن يبلغ، والشرطة القضائية تبحث تحت اشراف النيابة العامة، وهذه الاخيرة تقدر ملاءمة المتابعة في إطار القانون، والقضاء يحكم. أما أخذ الحق باليد، مهما كانت الدوافع التي تقف وراءه، فلا ينبغي أن يصبح بديلا عن العدالة، ولا يمكن أن يكون وسيلة للدفاع عن دولة القانون. والله ولي التوفيق الدكتور اكونتر سعيد محام بهيئة المحامين بمراكش و ورزازات ظهرت المقالة الدفاع عن الملك يكون باحترام القانون لا بأخذ الحق باليد أولاً على مدار21.
المديرية العامة للضرائب تحدد فاتح شتنبر آخر أجل لأداء عدة التزامات ضريبية
حددت المديرية العامة للضرائب فاتح شتنبر 2026 كآخر أجل أمام عدد من الملزمين لإيداع التصريحا…





