Home اخبار عاجلة العوفي: النقد الحقيقي يبدأ بالشك .. والثقافة المغربية تعاني أزمة معنى
اخبار عاجلة - August 22, 2026

العوفي: النقد الحقيقي يبدأ بالشك .. والثقافة المغربية تعاني أزمة معنى

العوفي: النقد الحقيقي يبدأ بالشك .. والثقافة المغربية تعاني أزمة معنى

في هذا الحوار مع الكاتب والناقد المغربي بوجمعة العوفي لا نلتقي ناقدًا يستعيد مساره بقدر ما نلتقي تجربة فكرية تعيد مساءلة نفسها أمام مرآة الزمن، فالحوار هنا يتجاوز حدود الاعترافات الشخصية أو استعادة الذاكرة النقدية، ليصبح أشبه بسيرة فكرية مضادة، يكتبها صاحبها وهو يتخلى تدريجيًا عن يقيناته القديمة، ويحتفظ، في المقابل، بما هو أكثر صعوبة وأشد مقاومة للزوال: السؤال. من النقد الأدبي إلى الشعر، ومن التشكيل والفوتوغرافيا إلى السينما، ومن الرواية إلى الصحافة الثقافية، ومن أزمة المؤسسات إلى الذكاء الاصطناعي، يرسم العوفي خريطة واسعة لثقافة مغربية تقف عند مفترق طرق حاسم، حيث تتجاور وفرة الإنتاج مع هشاشة القيمة، واتساع الوسائط مع ضيق المعنى، وتكاثر الخطابات مع تراجع الإصغاء. وتكمن قوة هذا الحوار على صفحات جريدة هسبريس في كون العوفي لا يقدم نفسه بوصفه صاحب أجوبة نهائية، وإنما بوصفه قارئًا تعلم أن يشك في أدواته بقدر ما يشك في النصوص التي يقرؤها؛ لذلك تبدو مراجعة الذات عنده امتدادًا طبيعيًا لفعل النقد، ويغدو الشعر في تجربته ملاذًا من صرامة المفهوم، فيما تتحول السينما إلى فضاء آخر لاختبار العلاقة بين الصورة والفكرة والإنسان؛ ومن هنا تتخذ آراؤه معنى يتجاوز حدود الاختصاص، لتطرح سؤالًا أعمق: ماذا يبقى من الثقافة حين تفقد قدرتها على إنتاج المعنى؟. إننا أمام حوار يكشف مسار مثقف متعدد الحساسيات، شاعرًا وناقدًا ومترجمًا، يرى في الكتابة فعل مقاومة للابتذال والنسيان، ويرى في النقد أخلاقًا للإصغاء قبل أن يكون سلطة للحكم. ولعل أجمل ما يخرج به القارئ من هذه الصفحات أن العوفي لا يحتفي بما راكمه بقدر ما يحتفي بما بقي مفتوحًا داخله من أسئلة؛ لأن المثقف، في نهاية المطاف، لا يقاس بما أغلقه من أبواب المعرفة، وإنما بما أبقاه مفتوحًا أمام الدهشة. في ما يلي نص الحوار: بعد سنوات طويلة من الاشتغال بالنقد الفني والأدبي هل تشعر أن الناقد مازال يسكنك، أم أن الزمن هدم كثيرًا من يقينياته، وجعل من مراجعة الذات فعلًا نقديًا لا يقل أهمية عن نقد النصوص؟. أعتقد أن الناقد الحقيقي لا يسكن شخصا بقدر ما تسكنه الأسئلة، فالناقد الذي يتوقف عن مساءلة نفسه قبل مساءلة النصوص يتحول، من حيث لا يشعر، إلى موظف لدى اليقين، بينما النقد في جوهره هو انحياز دائم إلى الشك الخلاق. وحين أنظر اليوم إلى المسافة التي قطعتها منذ بداياتي الأولى لا أرى مجرد سنوات من القراءة والكتابة، بل أرى سلسلة طويلة من المراجعات والهزائم الجميلة والانتصارات المؤقتة. لقد اكتشفت مع الزمن أن كل كتاب كتبته كان في الحقيقة مراجعة لكتاب سابق، وأن كل فكرة دافعت عنها في مرحلة معينة كانت تحتاج، بعد سنوات، إلى أن تُقرأ من جديد في ضوء تحولات المعرفة وتحولات الذات معا. في البدايات كنت أؤمن بأن المناهج النقدية الحديثة تمتلك قدرة شبه مطلقة على تفكيك النصوص وإضاءة مناطقها المعتمة. كنت مأخوذا بما أحدثته البنيوية والسيميائيات والتفكيكية والتأويلية ونظرية التلقي من ثورات معرفية داخل الفكر النقدي العالمي، وكنت أرى فيها مفاتيح جديدة لفهم الأدب والفن. غير أن التجربة علمتني شيئا بالغ الأهمية؛ وهو أن المنهج، مهما بلغت دقته، لا يستطيع أن يعوض حساسية الناقد ولا حدسه الجمالي ولا خبرته الإنسانية؛ فالنصوص العظيمة كثيرا ما تتمرد على الأدوات التي نحاول إخضاعها لها، وتظل تحتفظ بسرها الخاص، وكأنها تقول لنا إن الجمال لا يُختزل في شبكة من المفاهيم، وإن الإبداع أكبر من أي جهاز اصطلاحي. لقد هدمت التجربة مع الزمن الكثير من يقينياتي، لكنها لم تهدم إيماني بالنقد، وإنما أعادت تعريفه في داخلي. فأنا اليوم أقل ثقة في الأحكام النهائية، وأكثر إيمانا بالأسئلة المفتوحة، وأقل ميلا إلى إصدار الأحكام القطعية، وأكثر رغبة في الإصغاء إلى اختلاف النصوص واختلاف القراءات. وربما لهذا السبب أصبحت أعتقد أن مراجعة الذات هي أعلى درجات النقد، لأن الناقد الذي لا يراجع أدواته يتحول تدريجيا إلى نسخة مكررة من نفسه، بينما المعرفة لا تزدهر إلا حين تمتلك شجاعة الاعتراف بأن ما كنا نعتقده حقيقة بالأمس قد يصبح اليوم مجرد احتمال بين احتمالات كثيرة. لقد علمتني الكتابة أن أخطر أشكال الجمود ليس أن يتوقف الإنسان عن القراءة، وإنما أن يعتقد أنه انتهى من التعلم؛ لذلك مازلت أشعر بأن الناقد الذي يسكنني (رغم أنني شاعر ومترجم أيضا) لم يعد ذلك الشاب الذي كان يبحث عن اليقين داخل الكتب، بل أصبح قارئا أكثر تواضعا أمام الحياة، وأكثر اقتناعا بأن النصوص الكبرى لا تمنحنا أجوبة، وإنما تعلمنا كيف نصوغ أسئلة أجمل. وربما لهذا السبب أيضا أصبحت أنظر إلى النقد بوصفه أخلاقا قبل أن يكون معرفة؛ أخلاق الإصغاء، وأخلاق الاختلاف، وأخلاق الاعتراف بأن الحقيقة الأدبية لا تُمتلك، وإنما يُقترب منها باستمرار. ـ طالما أوليتَ علاقة الشعر بالتشكيل عناية استثنائية، هل تعتقد أن هذه العلاقة مازالت قادرة على إنتاج الدهشة الجمالية، أم أن الشعر أصبح يعيش في ظل هيمنة الرواية، حتى بات حضوره أقرب إلى مقاومة صامتة منه إلى مشروع أدبي متجدد؟. كنت دائما مؤمنا بأن الشعر والرسم لم يكونا يوما فنين متجاورين فحسب، بل كانا لغتين تحاولان، كل بطريقتهما، أن تقولا ما تعجز اللغة اليومية عن قوله؛ فحين يرسم الفنان لوحة عظيمة فإنه يكتب قصيدة بالألوان، وحين ينجح الشاعر في القبض على استعارة جميلة أو لحظة إنسانية نادرة فإنه يرسم لوحة بالكلمات. ولهذا لم أكن أنظر إلى العلاقة بين الشعر والتشكيل باعتبارها علاقة تأثير وتأثر، وإنما باعتبارها حوارا عميقا بين حساسيتين جماليتين تبحثان عن المعنى في عالم يتآكل فيه المعنى كل يوم. لقد وجدت في الفن التشكيلي المغربي، منذ سنوات طويلة، مختبرا بصريا بالغ الثراء، وكانت قراءتي لتجارب عدد من الفنانين التشكيليين (سواء في التصوير الصباغي أو في الفوتوغرافيا) محاولة لفهم الكيفية التي تتحول بها الألوان إلى أفكار، والخطوط إلى رؤى، والفراغ إلى خطاب جمالي. وكنت أشعر، كلما اقتربت من لوحة صادقة أو صورة فوتوغرافية عميقة الدلالة، أنني أقترب في الوقت نفسه من قصيدة لم تُكتب بعد. وربما لهذا السبب كتبت كثيرا عن التشكيل والفوتوغرافيا، وزاوجتُ في الكثير من تجاربي الشعرية بين الشعري والتشكيلي، لأنني كنت أبحث، من خلاله، عن الامتداد البصري للشعر. أما الحديث عن هيمنة الرواية فأعتقد أنه يحتاج إلى شيء من الحذر. صحيح أن الرواية أصبحت الجنس الأدبي الأكثر حضورا في السوق الثقافية، والأكثر استقطابا للجوائز والترجمات والإعلام، لكن هذا لا يعني أن الشعر مات أو فقد ضرورته. فالشعر لا يقاس بعدد النسخ المباعة، ولا بعدد الجوائز التي يحصل عليها، وإنما يقاس بقدرته على حماية اللغة من الابتذال، وحماية الإنسان من التحول إلى رقم داخل آلة العالم. الرواية ابنة الزمن الاجتماعي، أما الشعر فهو ابن الزمن الوجودي. الرواية تحكي العالم، بينما الشعر يعيد اختراع الإحساس بهذا العالم. الرواية تسرد الوقائع، أما الشعر فينصت إلى الصمت الذي يسبق الوقائع ويليها. ولذلك لا أعتقد أن الرواية ألغت الشعر، كما لا أعتقد أن السينما ألغت الرواية، إنما أعادت توزيع الوظائف الجمالية بين الفنون. قد يبدو الشعر اليوم أقل حضورا في المشهد الإعلامي، لكنه مازال الفن الأكثر قدرة على مقاومة الاستهلاك السريع؛ إنه يشبه الينابيع الخفية التي لا يراها أحد، لكنها تظل تمد النهر بالحياة. ولعل أجمل ما في الشعر أنه لا يحتاج إلى الضجيج كي يبرر وجوده؛ يكفي أن يظل قادرا على إنقاذ اللغة والروح معا من الصدأ، والإنسان من العالَم واليومي. ـ شهدت الرواية المغربية تحولات كبرى خلال العقود الأخيرة. برأيك هل رافق هذا الاتساع الكمي ارتقاء حقيقي في الرؤية الفنية والجمالية، أم أن سوق النشر والجوائز خلقا وهمًا روائيًا أكثر مما صنعا مشروعًا روائيًا متماسكًا؟. لا يمكن لأي متابع منصِف أن ينكر أن الرواية المغربية عرفت خلال العقود الأخيرة طفرة لافتة، سواء على مستوى عدد الإصدارات أو تنوع التجارب أو اتساع دائرة القراء. وهذا في حد ذاته مؤشر صحي، لأن ازدهار الكتابة يظل أفضل من ندرتها. لكن السؤال الحقيقي ليس: كم رواية نُشرت؟ وإنما: أية صورة للإنسان والعالم استطاعت هذه الروايات أن تبنيها؟. أخشى أحيانا أن تكون الوفرة أخفت عنا سؤال الجودة. فالسوق الثقافية، مثل أي سوق أخرى، قادرة على صناعة الظواهر بسرعة، لكنها ليست قادرة دائما على صناعة القيمة. وقد ساهمت الجوائز، من حيث لا تقصد أحيانا، في تحويل الرواية إلى مشروع قابل للتسويق أكثر من كونها مشروعا جماليا وفكريا. وأصبح بعض الكُتّاب يكتبون وهم يستحضرون لجان التحكيم أكثر مما يستحضرون قلق الكتابة نفسها. لا تُكتب الرواية الحقيقية لإرضاء موسم ثقافي، ولا لتلبية شروط جائزة، وإنما تُكتب لأن الكاتب يشعر بأن العالم ينقصه كتاب لو لم يكتبه لما استطاع أن يتصالح مع نفسه. ولذلك فإنني أميز دائما بين الرواية التي تُنتجها الضرورة الداخلية، والرواية التي تُنتجها الضرورة السوقية. تعيش الأولى طويلا لأنها تنبع من سؤال وجودي، أما الثانية فغالبا ما تنطفئ بانتهاء موسم الاحتفاء بها. ومع ذلك لا يجوز أن نعمم هذا الحكم، فقد استطاعت الرواية المغربية أن تقدم أسماء وتجارب رفيعة، وأن تقتحم أسئلة الهوية والذاكرة والتاريخ والهامش والسلطة والجسد والمنفى بلغة فنية متجددة، وأن تخرج من المحلية الضيقة إلى أفق إنساني أرحب. غير أن هذا المشروع مازال يحتاج إلى نقد روائي أكثر صرامة واستقلالية، لأن ازدهار الإبداع لا يكتمل إلا بازدهار النقد القادر على التمييز بين القيمة والضجيج، بين المغامرة الفنية الحقيقية والنجاح الإعلامي العابر. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو أن تختلط الشهرة بالقيمة، وأن يصبح التداول الإعلامي معيارا للحكم الجمالي. فالأدب لا يعيش بما يُقال عنه في لحظة معينة، وإنما بما يبقى منه بعد أن يهدأ ضجيج اللحظة. والزمن، في النهاية، يكون الناقد الأكثر نزاهة؛ هو وحده الذي يعرف كيف يحتفظ بالنصوص التي أضافت شيئا إلى الوعي الإنساني، وكيف يترك النصوص الأخرى تذوب في ذاكرة المناسبات. ــ يُقال إن الشعر هو أول ضحايا العصر الرقمي. من موقعك شاعرا وقارئا وناقدا، هل فقد الشعر سلطته الرمزية داخل الثقافة المغربية والعربية، أم أنه مازال الفن الأكثر قدرة على إعادة اكتشاف الإنسان وسط ضجيج العالم؟. لا أعتقد أن الشعر هو ضحية العصر الرقمي، بقدر ما أعتقد أن الإنسان نفسه أصبح ضحية السرعة التي ابتلعته؛ فالتكنولوجيا لم تقتل الشعر، وإنما غيرت شروط تلقيه، كما غيرت من قبل علاقة الإنسان بالكتاب، وبالصورة، وبالذاكرة، وبالزمن. إن ما يواجهه الشعر اليوم ليس منافسة وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما ذلك الإيقاع المحموم الذي جعل الإنسان يستهلك كل شيء بسرعة، حتى أحزانه لم تعد تجد الوقت الكافي كي تنضج. الشعر، في جوهره، فن الزمن البطيء. إنه لا يكتب تحت ضغط الساعة، وإنما تحت ضغط الوجود. والقصيدة الحقيقية لا تنشأ من رغبة في قول شيء، بل من عجز اللغة عن احتواء ما نشعر به. ولهذا السبب ظل الشعر، عبر التاريخ، هو الفن الأكثر اقترابا من جوهر الإنسان، لأنه لا يصف العالم كما هو، بل يكشف طبقاته الخفية، ويمنح الأشياء أسماء جديدة كلما ظننا أننا نعرفها. حين أقرأ المشهد الثقافي اليوم لا أشعر بأن الشعر قد اختفى، بل أشعر بأنه عاد إلى موقعه الطبيعي؛ بعيدا عن الأضواء، قريبا من الأسئلة الكبرى. ربما فقد الشعر جمهوره الواسع، لكنه لم يفقد قراءه الحقيقيين. وهناك فرق كبير بين الجمهور والقارئ. الجمهور يبحث غالبا عما يسلّيه، أما قارئ الشعر فيبحث عما يوقظه من سباته، وما يعيد إليه دهشته الأولى بالعالم. ولعل المفارقة أن العصر الرقمي، الذي يتهمه كثيرون بإضعاف الشعر، أعاد في الوقت نفسه الاعتبار إلى بعض خصائصه. فالصورة الكثيفة، والاختزال، والإيحاء، والانزياح، كلها عناصر أصبحت جزءًا من لغة التواصل الجديدة، وإن كانت تُستخدم في سياقات مختلفة. غير أن الشعر وحده يمنحها عمقها الوجودي، ويحررها من الاستهلاك اليومي. لقد ظل الشعر، منذ المعلقات إلى قصيدة النثر، يحرس اللغة من الابتذال، ويحرس الذاكرة من النسيان. وكل حضارة تضعُف فيها القصيدة تضعُف فيها القدرة على الحلم أيضا، لأن الشعر ليس ترفا ثقافيا، بل هو أحد أشكال المقاومة الرمزية ضد كل ما يحاول تحويل الإنسان إلى كائن وظيفي لا يعيش إلا ليستهلك وينتج. وأنا على يقين بأن القصيدة ستظل موجودة ما دام الإنسان يشعر بالحب، ويخاف من الموت، ويقف مندهشا أمام غروب الشمس، ويبكي سرا على خساراته. قد تتغير الأشكال الشعرية، وقد تتبدل لغاتها، لكنها ستظل الفن الذي يعيد إلينا إنسانيتنا كلما حاول العالم أن يصادرها مِنَّا في آخر المطاف. ــ كنتَ من أوائل الشعراء والنقاد المغاربة الذين انفتحوا على المناهج النقدية الحديثة دون التفريط في خصوصية النص المغربي. اليوم هل ترى أن النقد المغربي والعربي أصبح يُنتج مفاهيمه الخاصة، أم أنه مازال يستهلك النظريات الوافدة أكثر مما يحاورها ويعيد إنتاجها؟. هذا سؤال رافقني منذ بدأت أكتب الشعر والنقد، وربما كان أحد الأسئلة المؤسسة لمشروعي كله. فقد كنت مقتنعا منذ البداية أن المعرفة لا وطن لها، لكن المفاهيم لا تصبح حية إلا حين تعبر جغرافية جديدة وتدخل في حوار مع نصوص مختلفة. ولذلك لم أكن يوما من دعاة الانغلاق على التراث، كما لم أكن من أنصار الاستسلام الكامل للمناهج الغربية. كنت أرى أن الطريق الأصعب، لكنه الأكثر خصوبة، هو أن نجعل هذه المناهج تشتغل داخل أسئلتنا نحن، لا أن نشتغل نحن داخل أسئلتها هي. لقد أفادتنا البنيوية والسيميائيات، والتداوليات، والتفكيكية، والدراسات الثقافية، ونظرية التلقي، ووسعت أفق القراءة والكتابة، لكن المشكلة بدأت حين تحولت هذه المناهج، في بعض التجارب، إلى قوالب جاهزة. صار بعض النقاد يدخلون إلى النص وهم يحملون أجوبة مسبقة، بدل أن يسمحوا للنص بأن يفرض عليهم أسئلته الخاصة. وهنا يفقد النقد روحه، لأن المنهج لا ينبغي أن يكون سيد النص، بل خادمه، المهم هو أن يكون الناقد قريبا من النص. وأعتقد أن النقد العربي مازال، في جزء كبير منه، يعيش هذه الإشكالية. نحن نترجم المفاهيم بسرعة أكبر مما ننتجها، ونستورد الأسئلة أكثر مما نصوغ أسئلتنا. وليس العيب في الاستفادة من الفكر العالمي، فالحضارة الإنسانية قامت دائما على التبادل، وإنما العيب أن نكتفي بالاستهلاك، وأن نظل أسرى المركزية المعرفية الغربية دون أن نضيف إليها شيئا من خصوصياتنا الثقافية والحضارية المحلية. إن إنتاج المفاهيم لا يتم بقرار، ولا يتحقق برغبة ذاتية، وإنما يولد حين تتراكم التجارب النقدية، ويتحول النص المحلي إلى مختبر معرفي قادر على مساءلة النظرية نفسها. فالمفاهيم الكبرى في تاريخ الفكر لم تولد في الفراغ، بل خرجت من احتكاك طويل بالنصوص، وبالواقع، وباللغة. وأعتقد أن المغرب يمتلك اليوم من الغنى الثقافي والتعدد اللغوي والجمالي ما يؤهله للمساهمة في إنتاج معرفة نقدية جديدة؛ فلدينا أدب متعدد الروافد، وفنون تشكيلية ذات خصوصية واضحة، وتجارب سينمائية لافتة، وتراث شفهي غني، وكلها مجالات قادرة على أن تدفع النقد إلى تجاوز دور المستهلك نحو دور المنتج. لقد كنتُ، في معظم ما كتبتُه من كتُب ودراسات ومقالات، أحاول أن أجعل النص المغربي هو الذي يقود القراءة، لا أن أقوده أنا نحو نتائج جاهزة. وربما لهذا السبب كنت دائما منحازا إلى النقد الذي ينصت أكثر مما يتكلم، ويكتشف أكثر مما يصنف، لأن النصوص العظيمة لا تحتاج إلى من يفرض عليها المعنى، بل إلى من يساعدها على كشف إمكاناتها المضمرة. ــ رغم أن اهتمامك انصب أساسًا على الأدب، كتابة القصيدة والنقد التشكيلي، فإن السينما أصبحت اليوم تكتب سردًا بصريًا ينافس الرواية ويستعير من الشعر لغته الداخلية. هل تعتقد أن النقد السينمائي المغربي تأخر في إقامة حوار معرفي حقيقي مع الفن السينمائي؟. حين اقتربت من السينما لم أشعر أنني أغادر الأدب، بل كنت أشعر أنني أدخل إليه من باب آخر. فالفنون الكبرى ليست جزرًا معزولة، وإنما أنهار تصب جميعها في بحر واحد اسمه الإنسان. ولذلك لم تكن علاقتي بالسينما علاقة متفرج يبحث عن المتعة، وإنما علاقة قارئ يبحث عن المعنى داخل الصورة. ليست السينما اليوم مجرد فن للحكاية، بل أصبحت واحدة من أكثر اللغات قدرة على إنتاج المعرفة؛ إنها تكتب بالفكرة كما تكتب بالضوء، وتفكر بالمونتاج كما تفكر بالفلسفة، وتعيد بناء الزمن بطرائق لم يكن الأدب نفسه قادرا عليها. ولهذا فإن أي نقد سينمائي يكتفي بسرد أحداث الفيلم أو إصدار أحكام انطباعية يفقد أهم وظائفه. أعتقد أن النقد السينمائي المغربي، رغم الجهود المهمة التي بذلها عدد من النقاد والباحثين، مازال في حاجة إلى تعميق حواره مع الفلسفة، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والدراسات البصرية، لأن الفيلم ليس مجرد قصة مصورة، بل وثيقة ثقافية تكشف تحولات المجتمع، وتعيد تشكيل وعيه بذاته. لقد لفت انتباهي، خلال السنوات الأخيرة، أن السينما المغربية أصبحت أكثر جرأة في مساءلة التاريخ والهوية والذاكرة والهامش والأسئلة الوجودية، بينما ظل جزء من النقد يتعامل معها بأدوات قديمة، وكأن الفيلم مجرد نص أدبي تم تحويله إلى صور. والحال أن الصورة تمتلك نحوها الخاص، وشعريتها الخاصة، ومنطقها الخاص في إنتاج الدلالة. وربما لهذا السبب ازداد اهتمامي في السنوات الأخيرة بالكتابة عن السينما، لأنني شعرت أن المشهد السينمائي المغربي يعيش لحظة نضج تستحق مواكبة نقدية مختلفة، لا تكتفي بالتقييم، بل تدخل في حوار عميق مع الرؤية الجمالية والفكرية التي تقترحها الأفلام. فالناقد السينمائي، في تقديري، ليس شاهدا على الفيلم، بل شريك في إنتاج معناه. إنني أحلم بنقد سينمائي مغربي يقرأ الفيلم كما يقرأ القصيدة؛ يصغي إلى صمت الصورة، وإيقاع اللقطة، وبلاغة الضوء، ورمزية المكان، وتحولات الجسد، ويجعل من الكتابة عن السينما كتابة إبداعية موازية، لا مجرد تقرير تقني أو انطباع صحفي. لأن الفيلم العظيم، مثل القصيدة العظيمة، لا ينتهي عند الشاشة، وإنما يبدأ فيها، ثم يواصل حياته داخل ذاكرة المتلقي، وهناك فقط تبدأ مهمة النقد الحقيقية. ــ عاصرت أجيالًا متعاقبة من الكتاب والنقاد. إذا طُلب منك تشخيص الأزمة الأعمق التي يعيشها المشهد الثقافي المغربي اليوم، والصحافة الثقافية في المغرب، فهل ستتحدث عن أزمة كتابة، أم أزمة قراءة، أم أزمة نقد، أم أزمة مؤسسات ثقافية فقدت قدرتها على صناعة المعنى؟. كلما طُرح عليّ هذا السؤال أتردد في الحديث عن أزمة واحدة، لأن ما يعيشه المشهد الثقافي المغربي ليس أزمة معزولة، بل أزمة مركبة على شكل شبكة من الأزمات المتداخلة التي يغذي بعضها بعضا. إن الثقافة، مثل الكائن الحي، لا يمرض منها عضو واحد، وإنما يختل فيها التوازن كله. لذلك فإن الحديث عن أزمة كتابة دون الحديث عن أزمة القراءة، أو عن أزمة النقد بمعزل عن أزمة المؤسسات، يشبه تشخيص المرض من خلال واحد من الأعراض فقط. ومع ذلك إذا كان عليّ أن أحدد الجذر العميق لهذه الوضعية فسأقول إننا نعيش، قبل كل شيء، أزمة معنى. فقد أصبح إنتاج الثقافة في كثير من الأحيان خاضعا لمنطق التدبير الإداري أكثر مما هو خاضع لمنطق الرؤية الحضارية. تحولت الثقافة، في عدد من المؤسسات، إلى سلسلة من الأنشطة والمهرجانات والملتقيات التي تنتهي بانتهاء صورها في وسائل التواصل الاجتماعي، بينما ظل السؤال الجوهري غائبا: ماذا نريد أن نبني ثقافيًا؟ وأي إنسان نريد أن نصنع من خلال الثقافة؟ ناهيك عن أشكال الفساد التي أصبحت ظاهرة متفشية في المشهد الثقافي المغربي. ذلك أنّ أخطر ما يمكن أن يصيب أي حقل ثقافي ليس نقص التمويل، بل فقدان الثقة؛ فحين يبدأ المثقف الاعتقاد أن قيمة الكتاب لم تعد هي المعيار الحاسم، وأن جودة العمل الفني لم تعد العامل الأساسي في الحصول على الدعم أو الجائزة، يدخل المجال الثقافي برمته في أزمة شرعية. عندها تتحول المؤسسات الثقافية من فضاءات لتكريس التميز إلى فضاءات لإعادة إنتاج شبكات النفوذ نفسها، وتتراجع قيمة الإبداع لصالح قيمة العلاقات والولاءات والوصاية الثقافية وتبادُل المنافع والمصالح الشخصية. كان المغرب عرف عبر تاريخه الثقافي الحديث أسماء أدبية وفكرية كبيرة فرضت حضورها بقوة أعمالها لا بقوة مواقعها. كانت القصيدة أو الرواية أو الدراسة النقدية هي بطاقة العبور الوحيدة إلى الاعتراف. أما اليوم فإن كثيرا من الأصوات الثقافية باتت تتحدث عن تشكل ما يشبه “الأوليغارشية الثقافية”، أي نخبة ضيقة تحتكر مواقع القرار الرمزي داخل عدد من المؤسسات والهيئات واللجان، وتعيد توزيع الامتيازات والغنائم داخل دائرة مغلقة من العلاقات المتبادلة. لقد عشتُ مراحل مختلفة من الحياة الثقافية المغربية، منذ زمن كانت فيه المجلات الثقافية تصنع تيارات فكرية، وكانت الندوات تتحول إلى مختبرات حقيقية لإنتاج الأفكار، وكان الكتاب ينتظر سنوات حتى ينضج قبل أن يرى النور. أما اليوم فقد تغير الإيقاع. أصبح كل شيء سريعًا؛ الكتابة، والنشر، والاحتفاء، والنسيان أيضًا. وكأن الثقافة دخلت هي الأخرى في اقتصاد الاستهلاك السريع، حيث لم يعد الزمن يُمنح للفكرة حتى تنضج، ولا للنص حتى يختبر قدرته على البقاء. ولا أخفيك أنني أشعر بقلق خاص تجاه الصحافة الثقافية المغربية، لأنها كانت، في فترات مضت، إحدى أهم وسائل الغربلة والمنابر التي تصنع الذائقة، وواكبت التجارب الجديدة، وخلقت الحوار بين المبدعين والقراء. كانت الصفحة الثقافية فضاءً للنقاش، لا مجرد مساحة للإخبار. وكانت الملاحق الثقافية تؤدي دورا لا يقل أهمية عن دور الجامعات، لأنها كانت تنقل الفكر إلى الفضاء العمومي. أما اليوم فقد تقلص حضورها بشكل مؤلم، وأصبحت الثقافة في كثير

حاوره: عبد الله الساورةمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

four × one =

Check Also

السيدة فاطمة الزهراء المنصوري: الحكومة ستعمل على بلورة برنامج طموح يستجيب لانتظارات المواطنين انسجاما مع التوجهات الملكية السامية

أكدت رئيسة الحكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري أن الحكومة ستعمل على بلورة وتفعيل برنامج …