الغضب الاجتماعي يوقظ ذاكرة احتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا

عاد اسم “السترات الصفراء” إلى التداول في فرنسا مع ارتفاع أسعار الوقود وتجدد الضغط على القدرة الشرائية، بعدما بدأت دعوات تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي لحث الفرنسيين على العودة إلى الشارع، في مشهد يعيد إلى الأذهان البدايات التي سبقت احتجاجات 2018، بينما تتابع السلطات والأحزاب والنقابات حجم التعبئة بحذر، من دون أن تتوافر حتى الآن مؤشرات تسمح بالجزم بعودة حركة احتجاجية بالزخم نفسه. وتزامن تجدد الحديث عن الحركة مع وصول أسعار المحروقات إلى مستويات مرتفعة، إذ بلغ متوسط سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص “SP95-E10″، الثلاثاء، 2.15 يورو، متجاوزا الذروة المسجلة في يونيو 2022 عند 2.11 يورو، في حين اقترب سعر الديزل من 2.35 يورو للتر، مقابل مستوى قياسي بلغ 2.38 يورو في أبريل الماضي، وفق بيانات حكومية شملت أسعار نحو 7750 محطة وقود في مختلف أنحاء البلاد. ويأتي هذا الارتفاع وسط اضطرابات في أسواق الطاقة وطرق الإمداد، مع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وتعطل جزء من حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب ارتفاع أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب بالنسبة إلى تدفقات الطاقة، وهي تطورات انعكست على الأسواق الدولية وبدأ أثرها يظهر مجددا في محطات الوقود الفرنسية. “أخرج سترتك” يعود إلى الشبكات انتشرت خلال الأيام الأخيرة على شبكات التواصل رسائل تدعو الفرنسيين إلى استعادة السترة الصفراء التي أصبحت رمزا للاحتجاج الاجتماعي قبل ثماني سنوات، وظهرت عبارات من قبيل “أخرج سترتك من جديد” و”الوقود غال والحياة غالية”، فيما حظيت بعض المنشورات بعشرات آلاف المشاركات وحددت مواعيد لتحركات خلال شتنبر وأكتوبر. وفي لاروشيل، شارك نحو خمسين شخصا، الثلاثاء، في تحرك احتجاجي تحت شعار “التعبئة من أجل الوقود”، ورددوا هتافات تندد بارتفاع الأسعار، وقال نيكولا كوستا، وهو مسعف يبلغ 42 سنة، إن مشاركته جاءت للتعبير عن حالة من السأم، مؤكدا أن المواطنين يريدون إظهار وجودهم والضغط من أجل إجراءات تخفف عنهم أعباء المعيشة. وتراقب السلطات الفرنسية تطور هذه الدعوات، وقال مصدر قريب من الملف إن هناك “يقظة خاصة” تجاه قدرتها الفعلية على التعبئة، غير أن المعطيات المتوفرة حتى الآن لا تقدم مؤشرات واضحة أو قابلة للقياس بشأن احتمال تحولها إلى حركة وطنية واسعة. ويزيد من حساسية الوضع تزامن هذه الدعوات مع تحركات اجتماعية متفرقة في قطاعات أخرى، إذ أغلق صيادون في منطقة البحر المتوسط مستودعا نفطيا خلال احتجاج، كما شهد قطاعا الغاز والكهرباء إضرابات، فيما اعتبرت الكونفدرالية العامة للشغل أن هذه التحركات تمنح الدخول الاجتماعي نبرة مطلبية أكثر قوة في ظل تصاعد الإضرابات داخل عدد من الشركات والمرافق العمومية. أسعار الوقود تستحضر غضب 2018 يصعب فصل ارتفاع أسعار المحروقات في فرنسا عن تجربة “السترات الصفراء”، فالحركة التي ظهرت في خريف 2018 بدأت أساسا رفضا لارتفاع أسعار الوقود والضرائب المرتبطة به، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية وشعور سكان المناطق الطرفية بأن السياسات الاقتصادية لا تراعي أوضاعهم اليومية. وشهدت فرنسا آنذاك مظاهرات أسبوعية شارك فيها آلاف الأشخاص، كما تحولت الدوارات الطرقية إلى مواقع رمزية للاحتجاج، خصوصا في المناطق التي يعتمد سكانها على السيارات للوصول إلى مقرات العمل والمدارس والخدمات، واستمرت التعبئة أشهرا تخللتها مواجهات مع قوات الأمن قبل أن تتراجع تدريجيا، ثم جاءت قيود جائحة كورونا لتضع حدا لما تبقى من حضورها في الشارع. ويرى جان ماري بيرنو، الباحث في العلوم السياسية بمعهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية، أن ارتفاع أسعار البنزين والتضخم يعيدان عددا من عناصر المرحلة التي سبقت حركة 2018، إلا أنه يشدد على أن توقع مسار الحركات الاجتماعية يظل صعبا، خاصة أن السياق السياسي تغير واقتربت فرنسا من استحقاق رئاسي جديد. ويشارك سياسيون فرنسيون هذا الحذر، إذ اعتبر رئيس الوزراء الأسبق فرانسوا بايرو أن عودة “السترات الصفراء” أمر “ممكن”، بينما وصف الرئيس السابق فرانسوا هولاند الأمر بأنه “خطر قائم”، غير أن وجود استحقاق انتخابي قريب قد يدفع جزءا من الفرنسيين إلى انتظار صناديق الاقتراع، كما قد يثير لدى المحتجين مخاوف من استغلال غضبهم من القوى الحزبية. الغلاء والسياسة والمناخ دخلت أحزاب المعارضة على خط النقاش، وأبدت “فرنسا الأبية” والحزب الاشتراكي استعدادا لمساندة التحركات المناهضة لغلاء المعيشة، بينما دعا الأمين العام للحزب الشيوعي فابيان روسيل الفرنسيين إلى التعبئة على غرار ما حدث سنة 2018، وهي مواقف تؤكد أن القدرة الشرائية ستكون من الملفات المركزية في الصراع السياسي خلال المرحلة المقبلة. ولا تقتصر مؤشرات التوتر الاجتماعي على المحروقات، إذ تستعد النقابات لتحرك في 29 شتنبر دفاعا عن الوظيفة العمومية والقدرة الشرائية، كما يمكن لمناقشات الميزانية أن توفر سببا إضافيا للاحتجاج خلال الأسابيع المقبلة، ما يجعل قضية الوقود جزءا من سياق اجتماعي أوسع تتقاطع داخله الأجور والخدمات العمومية والضرائب وكلفة الحياة اليومية. ويدخل العامل المناخي بدوره إلى هذا النقاش بعد صيف اتسم بموجات حر قوية، وهو ما يضع السلطات أمام معادلة حساسة تجمع بين ضرورة الانتقال الطاقي وحماية القدرة الشرائية، خاصة أن تجربة “السترات الصفراء” أظهرت سابقا أن أي سياسة بيئية ترفع كلفة التنقل على الفئات التي تعتمد على السيارات يمكن أن تتحول بسرعة إلى قضية اجتماعية. وفي هذا السياق، أطلقت دعوة إلى مسيرة يوم 26 شتنبر في مختلف أنحاء فرنسا تحت شعارات الدفاع عن المناخ والحياة والسلام والعدالة الاجتماعية، وقد جمعت حتى الثلاثاء نحو 36 ألف توقيع، بما يكشف أن مسارات الاحتجاج المقبلة قد تجمع بين المطالب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ومع تجاوز سعر البنزين ذروة 2022 واقتراب الديزل من مستواه القياسي، يعود إلى المشهد الفرنسي مزيج من الغلاء والتوتر الاجتماعي سبق أن صنع واحدة من أبرز حركات الاحتجاج خلال السنوات الأخيرة، غير أن السؤال يبقى مرتبطا بقدرة الدعوات المنتشرة على الشبكات على الانتقال إلى الشارع، وتحويل الغضب المتفرق إلى موجة قادرة على إعادة السترات الصفراء من الذاكرة إلى المشهد السياسي الفرنسي. The post الغضب الاجتماعي يوقظ ذاكرة احتجاجات “السترات الصفراء” في فرنسا appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
الصحراء المغربية.. الغابون تجدد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي من نيويورك
هوية بريس- متابعة جددت جمهورية الغابون تأكيد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغ…





