“الفيلودروم” و”الكازابلانكيز”: حين تتحول ذاكرة البيضاويين إلى حانات مفتوحة وكازينوهات للقمار!

“الفيلودروم” و”الكازابلانكيز”: حين تتحول ذاكرة البيضاويين إلى حانات مفتوحة وكازينوهات للقمار! هوية بريس – نبيل بكاني* تتغنى كبريات العواصم العالمية بمرافقها التاريخية، وتحولها إلى أيقونات للرياضة والثقافة تتوارثها الأجيال. وفي الدار البيضاء، استبشرت الساكنة خيراً حين تفضل عاهل البلاد بإعطاء انطلاقة إعادة تأهيل منتزه “الفيلودروم” بغلاف مالي قارب 30 مليون درهم، وكذا تأهيل مركب “الكازابلانكيز” التاريخي، المكون من ملاعب وفضاءات رياضية، ليكونا متنفساً عائلياً ورياضياً وبيئياً مجانياً للبيضاويين. لكن يبدو أن للجهات المدبرة للشأن المحلي بالمدينة، وشركات التنمية المحلية التابعة لها، رأياً آخر؛ رأياً يرى في هذه الفضاءات مجرد “عقارات للاستثمار السريع”، ومن ثَمَّ تحقيق الربح السريع، حتى ولو كان الثمن هو الدوس على القانون، وخدش الحياء العام، وتحويل مساحات الرياضة إلى بؤر لمختلف أشكال الإدمان والانحراف. ما شهدته هذه الفضاءات مؤخراً خلال احتضانها لفعاليات فنية مثل مهرجاني Nostalgia Lovers و Casablanca Music Week لا يمكن تصنيفه في خانة “التنشيط الثقافي”، بل هو “تحريف خطير لغايات المرفق العام”. فكيف يعقل أن يتحول فضاء جماعي عمومي، يرتاده الأطفال والعائلات وتؤطره قوانين صارمة تمنع بيع الكحول والتبغ داخله، إلى حانة في الهواء الطلق تروج لمشروبات روحية مقطرة تتجاوز نسبة الكحول فيها 40% (كالفودكا والجين)، معروضة تحت أشعة الشمس في تحدٍ سافر لأبسط شروط السلامة الصحية؟ لم يقف العبث عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى نصب أكشاك عملاقة للقمار وألعاب الحظ في مسار العائلات والقاصرين، مع تخصيص جوائز قيمة، وإقامة أروقة رسمية لإشهار علامات التبغ والتشجيع على استهلاكه، تتويجاً ببرمجة عروض فنية تطفح بالإيحاءات الجنسية الصريحة وتشييء المرأة، والتي أبدع فيها المغني “جيسون ديرولو” (Jason Derulo)، الذي تصفه صحيفة “The Shorthorn” الأمريكية بكونه فناناً “يتحدث لغتين فقط: الإنجليزية والجنس”. كل هذا يحدث في فضاءات صرّح المنظمون أنفسهم بأنها تستقبل أطفالاً في سن الثالثة والرابعة! في وقت أطلقت فيه الوزارة المكلفة بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة البرنامج الوطني الأول لمحاربة الصور النمطية المبنية على النوع الاجتماعي. إننا أمام حالة من “السطو الناعم” على الفضاء العام. استغلال هذه المرافق لجني ثروات طائلة عبر فرض تذاكر باهظة، وتحقيق أرباح من بيع السموم، واقامة أوكار للقمار، يضرب في مقتل مقتضيات المادة 2 من القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية.كما أنه ينسف روح القانون 09-30 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، الذي يعتبر الرياضة عاملاً أساسياً في الصحة العمومية. فهل من الصحة العمومية أن يتدرب الشباب والأطفال في ملاعب تحيط بها لوحات “المارلبورو” وحانات “الفودكا” وأوكار القمار؟ السؤال الجوهري هنا موجه إلى مجلس جماعة الدار البيضاء، وعلى رأسه السيدة العمدة: كيف تم الترخيص باحتلال هذا الملك العمومي؟ قانونياً، المادة 100 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية، تمنح رئيس المجلس حصرياً صلاحية “منح رخص احتلال الملك العمومي دون إقامة بناء” وتلزمه باتخاذ التدابير الخاصة لضمان السكينة العمومية. كما أن المادة 94 تلزمه بـ “القيام بجميع الأعمال التحفظية المتعلقة بحقوق الجماعة”. إذن، نحن أمام معادلة من شقين لا ثالث لهما: إما أن الجماعة رخصت وعلمت بما يقع، فتلك مصادقة رسمية على خرق القانون الجنائي وقانون حماية المستهلك؛ وإما أنها فوضت تدبير هذه الفضاءات لشركة “الدار البيضاء للتنشيط والتظاهرات” وأغمضت عينيها عن التفاصيل، وهذا تقاعس إداري جسيم وتنازل عن ممارسة الشرطة الإدارية. وفي كلتا الحالتين، المسؤولية السياسية والقانونية ثابتة. لا يمكن للمجتمع المدني الجاد أن يقف موقف المتفرج أمام هذا الزحف التجاري المتوحش الذي يغتال الطابع التربوي والأخلاقي والرياضي لمرافقنا العامة. لقد دقت ساعة المحاسبة، وعلى مؤسسات الرقابة — بدءاً من المفتشية العامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية، مروراً بالمجلس الجهوي للحسابات، وصولاً إلى النيابة العامة — أن تفتح هذا الصندوق الأسود. يجب تدقيق دفاتر التحملات، وافتحاص مالية الشركات المنظمة، ومساءلة كل من وقّع أو تغاضى عن تحويل مرافقنا الرياضية إلى حانات وكازينوهات، وسوقٍ لترويج التبغ والعروض المنحطة التي تطفح بالإيحاءات الجنسية الفجة أمام المرتفقين والقاصرين، عبر استيراد فنانين أجانب لا يمتون لرسالة الفن النبيلة بصلة. الدار البيضاء تستحق تنشيطاً فنياً وثقافياً ينسجم مع هويتها وتطلعات شبابها، لا تنشيطاً يقتات على إفساد الذوق العام وتطبيع الأجيال الصاعدة مع الإدمان تحت يافطة “المهرجانات”. وختاماً، وأبعد من المساءلة السياسية والإدارية، نقف أمام مفارقة صارخة تضع السيدة العمدة، نبيلة الرميلي، وجهاً لوجه أمام مرجعيتها الأصلية كطبيبة. فكيف لمن تحملت أمانة “الطبيب الرئيسي المكلف بصحة الشباب” بعمالة مقاطعات الدار البيضاء-أنفا، وتقلّدت منصب “المديرة الجهوية لوزارة الصحة بجهة الدار البيضاء-سطات” (2017-2021)، وأشرفت كمسؤولة جهوية سابقة على تنزيل استراتيجية وقاية الشباب من الإدمان (2022-2030)؛ كيف تستسيغ اليوم، وهي الخبيرة الطبية التي تدرك تصنيف الوزارة للكحول كـ”مواد ذات تأثير نفسي وعقلي”، أن تتحول مرافقنا الرياضية والعائلية الموضوعة أمانة بين يديها، وفي عهدها إلى بؤر لترويج هذه السموم وتسهيل وصول القاصرين إليها؟ إن المسؤولية اليوم تُسقط معها كل الذرائع الإدارية، لتضع “طبيبة الأمس” و”عمدة اليوم” أمام امتحان تاريخي حقيقي: فإما الانتصار لصحة شباب الدار البيضاء وأمنهم القيمي، أو تركهم فريسة لغول الإدمان والاستغلال التجاري البشع. ـــــــــــــــــــــــــــــــــ * نبيل بكاني فاعل في مجال الحكامة وتحديث الإدارة، وله عدة كتب في السياسة العمومية والديمقراطية. The post “الفيلودروم” و”الكازابلانكيز”: حين تتحول ذاكرة البيضاويين إلى حانات مفتوحة وكازينوهات للقمار! appeared first on هوية بريس.
إيران: اتفاقية مكة تحول كبير واتفقنا مع عُمان على خريطة عبور بهرمز
هوية بريس- متابعات وصفت إيران، اليوم الاثنين، الاتفاقية الدفاعية التي وقّعتها السعودية وتر…









