القاصرون بين براءة الطفولة وقسوة الشارع.. مقابل عجز الحكومة وإفلاس النخب

بقلم: أحمد علي المرس
لم تعد أخبار انخراط القاصرين في أعمال الشغب والعنف مسألة عابرة يمكن المرور عليها بسطحية أو مجرد استغراب، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تثير الانتباه وتدق ناقوس الخطر بقوة، لتكشف هشاشة البنى الاجتماعية والتربوية في المغرب، وتفضح عجز الحكومة الحالية بقيادة احزاب الأغلبية عن صياغة رؤية سوسيولوجية إنسانية قادرة على استيعاب الطفولة وحمايتها من الانزلاق إلى مهاوي الضياع.
فقد أكدت جمعيات تعنى بالدفاع عن حقوق الطفل أنّ نسبة القاصرين المشاركين في الاحتجاجات العنيفة الأخيرة تجاوزت سبعين في المائة، وهو رقم صادم يعكس حجم الخلل العميق في السياسات العمومية الموجهة للطفولة، ويطرح أسئلة محرجة حول مسؤولية هذه الأغلبية الحكومية و المعارضة، والأسر، والمجتمع المدني، على حد سواء.
الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية صرّح بأن بعض الاحتجاجات تحولت إلى مشاهد عنف غير مسبوقة، رشق بالحجارة، تفجير قنينات الغاز، إحراق العجلات المطاطية، واستعمال أسلحة بيضاء، وكل ذلك تم بأيدٍ صغيرة كان يُفترض أن تمسك بالأقلام في مقاعد الدراسة، لا أن تتدرب على العنف في شوارع مدننا وأحيائنا.
من زاوية سوسيولوجية، فإن انخراط الأطفال في العنف يعكس أزمة البنية الاجتماعية المغربية، حيث فقدت الأسرة قدرتها على التربية والتأطير بفعل عوامل متعددة التفكك الأسري، ضغوطات اقتصادية خانقة، غياب القدوة، البطالة، الفساد الإداري، وانسداد الأفق أمام الشباب. أما المدرسة، التي كان يُنتظر أن تكون الحصن الحصين، فقد انهارت بدورها أمام ضعف التجهيزات، اكتظاظ الأقسام، وتراجع القيم التربوية، ليجد الطفل نفسه مشرّدًا بين شوارع لا ترحم ومؤسسات رسمية غائبة.
أما من زاوية أنثروبولوجية، فإن الظاهرة تكشف خللًا عميقًا في التحولات الثقافية والقيمية داخل المجتمع المغربي. فجيل كامل من الأطفال نشأ بعيدًا عن الكتاتيب القرآنية، عن فضاءات التنشئة التربوية، وعن خطاب المساجد والدروس العلمية، لينغمس في ثقافة استهلاكية سطحية تستورد أنماطًا غريبة عن نسيجنا القيمي، حيث ينام الطفل على إيقاع “الهيب هوب” ويستيقظ على موسيقى “الروك”، وهو ما يحوله، بتعبير بعض المختصين، إلى “قنبلة موقوتة” قابلة للانفجار في أي لحظة.
فشل الحكومة والنخبة السياسية، إن الحكومة الحالية، بقيادة عزيز أخنوش وأصحاب المال والأعمال، أثبتت أنها ليست حكومة اجتماعية ولا إنسانية. هي حكومة أرقام وصفقات ومشاريع استثمارية كبرى، لكنها غابت عن أبسط مقومات بناء الإنسان. لم تفكر هذه الحكومة في إحداث مراكز سوسيو-ثقافية للأطفال، ولا في إنشاء فضاءات للشباب ليفرغوا فيها طاقاتهم الحيوية.
فرياضة المدارس تكاد تنقرض، ودور الشباب تحولت إلى بنايات مهجورة أو مغلقة، والمعاهد التكوينية للأطفال تكاد تكون غائبة، لتظل الطفولة المغربية مشرّدة بين الشارع ومواقع التواصل، بلا سند، ولا توجيه، ولا أفق.
لقد تحولت الطفولة إلى الحلقة الأضعف في سلسلة فشل السياسات العمومية، في حين انشغلت النخب السياسية بجدالات انتخابية فارغة ومصالح ضيقة. أما المجتمع المدني، الذي كان من المفترض أن يلعب دور صمام الأمان، فقد غرق في كثرة الجمعيات بلا جدوى، وغياب مشاريع فعلية على الأرض، واكتفى كثير منها بالشعارات والتقارير الممولة بدل التواجد الحقيقي في الأحياء الشعبية وبين الأطفال المعرضين للخطر.
وجب مقاربة إنسانية شمولية، إن الظاهرة التي نراها اليوم ليست مجرد انفلات ظرفي، بل هي صرخة وجودية من جيل كامل فقد الثقة في الدولة وفي المدرسة وفي المستقبل. وهي دعوة لإعادة النظر جذريًا في السياسات العمومية، عبر إرساء مقاربة إنسانية شمولية تعترف بالطفل ككائن كامل الحقوق، يحتاج إلى التعليم الجيد، التكوين، الثقافة، الفضاءات الرياضية والفنية، قبل أن يحتاج إلى القبضة الأمنية التي لا تزيد الطفولة إلا عنفًا على عنف.
المسألة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والدولة، ولا يمكن أن يتحقق فيها التوازن إلا بتضافر الجهود. غير أن ما نراه اليوم، مع حكومة أخنوش، هو غياب الإرادة الحقيقية لتبني هذه الرؤية، لتظل الطفولة المغربية رهينة الشارع ومختبرًا للفشل السياسي والاجتماعي.
The post القاصرون بين براءة الطفولة وقسوة الشارع.. مقابل عجز الحكومة وإفلاس النخب appeared first on RifDia.Com.








