اللعبة الكبرى: من هرمز إلى باب المندب… كيف قلبت إيران الطاولة الجيو-استراتيجية

مقدمة لم يعد من الممكن قراءة الحرب الأمريكية ـ الإيرانية الراهنة باعتبارها مواجهة تقليدية بين قوة عظمى ودولة إقليمية. فبعد أشهر من القتال، بدأت تتكشف لعبة استراتيجية أكثر تعقيدًا: الولايات المتحدة ما تزال تملك التفوق الساحق في القوة الجوية والبحرية والتكنولوجيا، لكنها تجد نفسها أمام خصم اختار أن يقاتلها في المكان الذي لا تكفي فيه القوة النارية وحدها، أي في الجغرافيا، والممرات البحرية، والطاقة، وشبكة التحالفات الإقليمية. وفي المقابل، لم تعد إيران تحاول فقط امتصاص الضربات على أراضيها، بل تعمل على رفع كلفة الحرب على خصمها وتحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى عبء استراتيجي. التطورات الأخيرة تكشف هذا التحول بوضوح: اضطراب مضيق هرمز، تقدم الحوثيين نحو باب المندب، توقف خط شرق–غرب السعودي، وتوسع دائرة التهديد إلى العراق والبحر الأحمر. وهو ما وضع السعودية بين اختناق هرمز وضغط باب المندب، فيما تتردد واشنطن في التورط من جديد وفتح جبهة يمنية مباشرة. إيران غيرت تعريف ساحة المعركة أهم ما فعلته إيران هو نقل مركز الثقل من المعركة على الأرض الإيرانية إلى المعركة على البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. في الحرب التقليدية، تحاول الدولة الأضعف حماية أراضيها ومنشآتها وانتظار إنهاك الخصم. أما في الحرب غير المتكافئة، فإن الهدف قد يكون مختلفًا: ليس تدمير القوة العسكرية المتفوقة، وإنما منعها من تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية واستراتيجية. وهذا ما يمكن وصفه بمفهوم المنع والحرمان من الوصول؛ أي جعل استخدام الخصم لقوته مكلفًا أو معقدًا حتى لو لم يكن بالإمكان هزيمته عسكريًا. وهنا تبدو قيمة هرمز. تستطيع الولايات المتحدة أن تمتلك الأسطول الأقوى، لكن إذا أصبح أمن الملاحة والطاقة هو موضوع الحرب، فإن كل ناقلة تمر في الخليج تصبح جزءًا من المعادلة. وبالمثل، فإن قدرة واشنطن على قصف أهداف إيرانية لا تلغي حقيقة أن اضطراب سوق النفط ينتقل فورًا إلى الاقتصاد العالمي. وقد تجاوز سعر النفط 100 دولار في خضم اضطرابات الملاحة، فيما تشير التقديرات إلى أن الحرب ألحقت بالفعل أضرارًا كبيرة بصادرات النفط الإيرانية. هذه ليست فكرة جديدة في تاريخ الصراعات. فقد استخدمت دول أضعف من خصومها مرارًا الجغرافيا ونقاط الاختناق لتعويض فارق القوة. خلال الحرب الباردة، أدرك الاتحاد السوفييتي أن مواجهة الولايات المتحدة مباشرة في البحر والمحيطات ليست الطريق الأكثر كفاءة، فاعتمد على الصواريخ بعيدة المدى والغواصات وقدرات حرمان الخصم من حرية الحركة. وفي حرب فيتنام، أثبتت واشنطن أن التفوق الناري لا يساوي بالضرورة السيطرة السياسية. وفي الحرب العراقية الإيرانية، تحولت ناقلات النفط وممرات الخليج نفسها إلى أدوات ضغط فيما عرف بحرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي. الدرس المشترك أن القوة لا تكون ذات قيمة استراتيجية إلا إذا استطاعت الدولة استخدامها في المكان والزمان المناسبين. من هرمز إلى باب المندب: ميلاد استراتيجية “نقطتي الاختناق” إذا كانت إيران قد امتلكت منذ البداية ورقة هرمز، فإن صعود الحوثيين على ساحل البحر الأحمر أضاف ورقة مختلفة نوعيًا. السيطرة الحوثية على المخا والتقدم إلى جزيرة ميون في باب المندب تعني أن الضغط لم يعد يأتي من الخليج وحده؛ فقد ظهرت نقطة اختناق ثانية في الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية. وفي 11 سبتمبر استولى الحوثيون على ميون، فيما أعلنوا أن الملاحة ستظل مفتوحة باستثناء السفن السعودية. وهنا تظهر قيمة مفهوم “العمق الاستراتيجي غير المباشر”. فإيران لا تحتاج إلى نشر قواتها النظامية في كل مكان حتى تستفيد من موقع استراتيجي بعيد. يكفي وجود حليف مسلح يسيطر على جغرافيا حساسة، ويمتلك القدرة على جعل خصوم إيران يدفعون ثمنًا مقابل استخدام تلك الجغرافيا. ولذلك لا ينبغي النظر إلى أنصار الله الحوثيين باعتبارهم مجرد “أداة إيرانية” بالمعنى الميكانيكي؛ فلديهم حساباتهم المحلية ومصالحهم الخاصة، لكن مصالحهم الاستراتيجية يمكن أن تتقاطع مع الاستراتيجية الإيرانية على نحو شديد الفاعلية. وتشير العديد من التقارير الإخبارية إلى استمرار الدعم الإيراني للحوثيين، لكن مع بقاء مسألة إصدار أوامر أو تعليمات مباشرة لكل عملية غير مثبتة حتى الآن. وهنا تحديدًا تبدو اللعبة أكثر ذكاءً من مجرد إغلاق مضيق. فالإغلاق الكامل لباب المندب سيستدعي ردًا دوليًا واسعًا، وربما يؤدي إلى تشكيل تحالف عسكري مباشر ضد الحوثيين. أما جعل الملاحة انتقائية، بحيث تكون السفن السعودية وحدها المستهدفة بينما تبقى الملاحة الدولية نظريًا مفتوحة، فيمنح الحوثيين مساحة سياسية للمناورة. إنه تطبيق عملي لمبدأ معروف في الاستراتيجية: لا تستخدم أقصى قدر من القوة عندما تستطيع تحقيق الهدف باستخدام قدر أقل منها. وبذلك يصبح هرمز وباب المندب أشبه بذراعين لاستراتيجية واحدة: الأول يضغط على الخليج والطاقة، والثاني يضغط على البدائل البحرية. وهذا ما يجعل التطور الأخير أكثر أهمية من مجرد تقدم عسكري حوثي في اليمن. ضرب البديل: عندما تتحول “مرونة الخصم” إلى نقطة ضعف كانت السعودية تراهن على أن امتلاكها بنية تحتية بديلة سيمنحها القدرة على تجاوز هرمز. وهنا يأتي خط شرق–غرب بوصفه أحد أهم عناصر المرونة الاستراتيجية السعودية: نقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، ومن ثم تجاوز الاختناق الخليجي. وقد رفعت الرياض بالفعل استخدام هذا المسار خلال الحرب، ووصلت صادرات النفط عبر ينبع إلى أكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا في وقت سابق من الأزمة. لكن الهجمات الأخيرة على الخط ثم تعليق تشغيله كشفت جانبًا آخر من مفهوم المرونة: البديل لا قيمة له إذا أصبح هو نفسه عرضة للهجوم. وهذا جوهر ما يمكن تسميته في معجم الاستراتيجيا بـ”هجوم الشبكة”؛ أي عدم مهاجمة مركز القوة مباشرة، وإنما استهداف الروابط التي تجعل مراكز القوة تعمل معًا. هنا تصبح الصورة أكثر وضوحًا: هرمز يضغط على الطريق الشرقي، شرق–غرب يفترض أن يكون المخرج، وباب المندب يفترض أن يكون البوابة البحرية لذلك المخرج. فإذا تعطلت الحلقة الوسطى، أو أصبح باب المندب غير آمن، فإن قيمة البديل تنخفض بشدة. وأمس فقط أعلنت السعودية بالفعل تعليق خط شرق–غرب بعد هجمات بطائرات مسيرة قالت الرياض وبغداد إنها انطلقت من العراق، في وقت كان الحوثيون يرسخون وجودهم عند باب المندب. هذه هي النقطة التي تكشف معنى الحرب على النظام لا على المنشأة. ذلك أن استهداف الممرات والبنية التحتية وشبكات الوكلاء يهدف إلى جعل الاقتصاد والحركة العسكرية والسياسية للخصم أكثر صعوبة. ومن هنا يمكن فهم سبب القلق السعودي المتزايد، فالمشكلة ليست في خسارة خط أنابيب أو ميناء بعينه، وإنما في احتمال أن تتحول كل البدائل إلى أهداف. المعضلة الأمريكية: كيف تنتصر عسكريًا من دون أن تصبح الحرب عبئًا استراتيجيًا؟ هنا تصل اللعبة إلى قلبها الحقيقي. الولايات المتحدة لم تفقد تفوقها العسكري التقليدي، بل لا تزال الطرف الأقوى بفارق هائل. وقد حققت تقدمًا نسبيًا في الضغط الاقتصادي على إيران وإضعاف صادراتها النفطية، لكنها لم تجد حتى الآن مخرجًا سياسيًا واضحًا للحرب. وفي الوقت نفسه، أدى اتساع الجبهة إلى زيادة العبء على القوات الأمريكية، فيما ارتفعت الكلفة الاقتصادية والسياسية للصراع. وهذا يعيد إلى الواجهة مفهومًا استراتيجيًا كلاسيكيًا وهو المتمثل في “معضلة الانتشار.” فالقوة العظمى قد تستطيع حماية نقطة، لكنها تجد صعوبة في حماية عشر نقاط في وقت واحد. تستطيع الولايات المتحدة الدفاع عن هرمز، لكنها إذا اضطرت في الوقت نفسه إلى حماية باب المندب، والمنشآت السعودية، والقواعد في العراق والخليج، والسفن التجارية، والأردن وإسرائيل وباقي الحلفاء الإقليميين، فإن جزءًا من تفوقها يتحول إلى التزام دائم مكلف. وقد عرف التاريخ حالات مشابهة. نابليون امتلك قوة برية هائلة، لكنه اكتشف في إسبانيا وروسيا أن الجغرافيا واللوجستيات والاستنزاف تستطيع تحويل التفوق إلى عبء. والاتحاد السوفييتي امتلك قوة عسكرية ضخمة، لكنه لم يستطع تحويلها إلى نصر سياسي في أفغانستان، ونفس المعضلة واجهتها روسيا في أوكرانيا. والولايات المتحدة نفسها واجهت في فيتنام المفارقة ذاتها، أي أن القدرة على تدمير أهداف أكثر بكثير من قدرة الخصم، لكن العجز عن إجباره على قبول النتيجة السياسية. هذا لا يعني أن إيران تكرر فيتنام أو أن أمريكا ستكرر أخطاء الاتحاد السوفييتي؛ التاريخ لا يعيد نفسه بهذه البساطة. لكنه يقدم مبدأً استراتيجيًا مهمًا وهو أنه عندما يكون الهدف السياسي للحرب غامضًا، وتحقيقه مشروطًا بالسيطرة على مساحة جغرافية واسعة، يمكن أن تتحول القوة العسكرية من وسيلة للحسم إلى وسيلة لإدارة أزمة لا تنتهي. ولهذا تبدو واشنطن حذرة من فتح جبهة يمنية مباشرة. فالتقارير الحالية تشير إلى أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا استخباراتيًا للسعودية لكنها لم تنتقل، حتى الآن، إلى حملة مباشرة ضد أنصار الله الحوثيين، رغم طلب الرياض ذلك. وفي الوقت نفسه قال ترامب إن الموقف قد يتغير إذا اتسع تهديد الملاحة. إنها لحظة اختبار حقيقية للاستراتيجية الأمريكية: هل تستخدم واشنطن تفوقها العسكري لتوسيع الحرب، أم تستخدمه لفرض تسوية قبل أن تصبح الجغرافيا نفسها خصمًا لها؟ إيران انتصرت في حرب اختارت هي قواعدها إذا كان معيار الحكم هو الحرب التقليدية، فإن التفوق العسكري الأمريكي لا يحتاج إلى برهان. لكن الحرب التي اختارت إيران قواعدها ليست حربًا تقليدية، ولذلك فإن قياس نتائجها بعدد الطائرات والمنشآت والصواريخ التي دُمرت يقود إلى استنتاج مضلل. فقد نجحت إيران في نقل الصراع من ساحة تستطيع الولايات المتحدة فيها استثمار تفوقها الكامل، إلى فضاء إقليمي واسع تتحول فيه الجغرافيا ونقاط الاختناق وشبكات الحلفاء والوقت إلى أسلحة استراتيجية. هرمز، وباب المندب، والعراق، والسعودية، وأمن الطاقة والملاحة، لم تعد جبهات منفصلة، بل أجزاء من معادلة واحدة أجبرت واشنطن على الدفاع عن منظومة كاملة بدل إخضاع خصم واحد. وفي المقابل، تتراجع الخيارات الأمريكية تدريجيًا، فالتصعيد يعني فتح جبهات جديدة وتوسيع دائرة الاستنزاف، والتراجع يعني الإقرار بأن القوة العسكرية الهائلة لم تنتج الحسم السياسي المنشود. ومع استمرار الحرب، يتزايد الضغط على إدارة ترامب داخليًا وخارجيًا اقتصاديًا وسياسيًا واستراتيجيًا، لأن السؤال الذي يصبح أكثر إلحاحًا ليس عن حجم القوة التي ما زالت بحوزة واشنطن استخدامها، بل عن النتيجة التي تستطيع تحقيقها بهذه القوة. وهنا تحديدًا تنقلب معادلة القوة، فإيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا؛ يكفيها أن تجعل الولايات المتحدة غير قادرة على تحقيق أهدافها بالشروط التي دخلت الحرب من أجلها. وإذا استمرت هذه الدينامية، فإن الزمن نفسه يتحول إلى سلاح إيراني، بينما يصبح كل يوم إضافي من الحرب عبئًا سياسيًا واستراتيجيًا جديدًا على واشنطن. الخلاصة إيران نجحت في إدارة الحرب غير المتكافئة، فقد فرضت على القوة الأعظم حربًا لا تستطيع حسمها بالقوة العسكرية التقليدية وحدها. ولذلك، وبمقياس الحرب التي اختارت قواعدها، فإن طهران هي الطرف الذي يتقدم نحو النصر، بينما تضيق أمام واشنطن الخيارات ويزداد ثمن الاستمرار. خبير دولي في الحكامة وباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية
نحن وإسبانيا..لامجال للإبتزاز.. !
مدريد : عبد العلي جدوبي : اهتمت مختلف وسائل الاعلام الاسبانيه بخطاب جلاله الملك محمد الساد…




