المخطط المغربي للصحة النفسية يخدم الاستشفاء ويقوي الموارد البشرية

دقت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية ناقوس الخطر بشأن واقع الصحة النفسية بالمغرب، بعدما كشفت عن معطيات صادمة تفيد بأن نحو 6,5 ملايين مغربي ومغربية يعانون من اضطرابات في الصحة النفسية، في رقم يعكس حجم التحديات التي بات يواجهها المجتمع في هذا المجال. وتزداد خطورة الوضع مع تسجيل نحو مليوني طفل وشاب ضمن الأشخاص الذين يعانون من هذه الاضطرابات، وهو ما يطرح تساؤلات حول مختلف الفاعلين والمتدخلين في تكوين هذه الفئة وحمايتها، بدءا من الأسرة والمدرسة ووصولا إلى الجامعة. ولا تتوقف المؤشرات المقلقة عند هذا الحد، إذ أفادت المعطيات نفسها بأن 85 بالمائة من المصابين باضطرابات الصحة النفسية لا يستفيدون من العلاجات التي يحتاجون إليها، ما يكشف، إلى جانب حجم الحاجة، عن تحديات مرتبطة بالولوج إلى خدمات الرعاية والعلاج النفسي. وفي مواجهة هذه الوضعية أعلنت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إطلاق “مخطط الصحة النفسية 2030″، الذي يهدف إلى تعزيز القدرات الاستيعابية لخدمات الصحة النفسية بشكل ملحوظ، من خلال رفع عدد الأسرة من 2466 إلى حوالي 4728 سريرا، وعدد مستشفيات الأمراض النفسية من 10 إلى 17 مستشفى، والهياكل الوسيطة من 4 إلى 24 هيكلا، بما يضمن توفير عرض لخدمات الصحة النفسية على مستوى مختلف جهات المملكة. كما يراهن المخطط على تعزيز الموارد البشرية، عبر رفع عدد الأخصائيين النفسيين في القطاع العمومي من 32 إلى 786 أخصائيا، وزيادة طاقة تكوين الأطباء المتخصصين في الطب النفسي من 36 إلى 124 طبيبا سنويا، والممرضين المتخصصين في الصحة النفسية من 490 إلى 750 سنويا، إلى جانب العمل على إرساء إطار قانوني منظم لمهنة الأخصائي النفسي. وبحسب الوزارة سيستفيد المخطط من تمويل يناهز 4 مليارات درهم، بهدف تنزيل مختلف التدابير والإجراءات المبرمجة ضمن هذا الورش الرامي إلى تعزيز منظومة الصحة النفسية بالمغرب. الأرقام والواقع في قراءة لهذه المعطيات أكد إدريس الموسوي، طبيب نفسي ورئيس سابق للجمعية العالمية للطب النفسي الاجتماعي (WASP)، أن الأرقام الأخيرة التي قدمتها الوزارة قد تكون أقل بكثير من الواقع، مرجعا ذلك إلى اختلاف المعايير المعتمدة في تحديد وتشخيص الاضطرابات النفسية. وأوضح الموسوي، في تصريح لهسبريس، أنه أجرى بمعية فريق بحث دراسة نشرت سنة 2007، وشملت عينة من 5600 شخص، مشيرا إلى أن وزير الصحة آنذاك، محمد الشيخ بيد الله، أطلع الملك محمدا السادس على أهم الأرقام التي تضمنها التقرير. وأضاف الطبيب النفسي ذاته أن الدراسة خلصت إلى أن 48 في المائة من سكان المغرب الذين تفوق أعمارهم 15 سنة يعانون من اضطرابات نفسية، مشيرا إلى أن الدراسة جرى نشرها على الصعيدين الوطني والدولي. وتابع المتحدث ذاته بأن باحثين في تونس أجروا، خلال الفترة نفسها، دراسة مشابهة على عينة تمثل شريحة من الساكنة التونسية، خلصت بدورها إلى أن أكثر من 50 بالمائة من أفراد العينة يعانون من اضطرابات نفسية. وزاد الموسوي أن الأطباء النفسيين توجهوا، عقب الدراسة التونسية، إلى رئيس الجمهورية التونسية آنذاك، زين العابدين بن علي، مؤكدا أن الأخير حذر من نشر خلاصات البحث أو التطرق إليها. واعتبر الطبيب ذاته أن هذا التجاهل للدراسة انعكس، وفق روايته، بشكل سلبي على البلاد، مستحضرا في هذا السياق انطلاق شرارة الربيع العربي بعد إقدام شاب تونسي على إحراق نفسه، وما أعقب ذلك من تطورات انتهت بمغادرة بن علي الحكم. وعلى خلاف الحالة التونسية أكد المدير السابق لمركز الطب النفسي بالمستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء أن الأمر في المغرب كان مختلفا، لافتا إلى أن الملك محمدا السادس، بعد اطلاعه على أرقام البحث الذي شمل الساكنة المغربية قدم تعليماته من أجل تنظيم مؤتمر صحفي وطني لتقديم خلاصات الدراسة، مردفا بأن “الملك أعطى توجيهاته السامية من أجل تطوير العرض الصحي في مجال الطب النفسي والعقلي”، ومشيرا إلى أنه أشرف كذلك على “تدشين مراكز ومؤسسات استشفائية متخصصة في هذا المجال”. وفي ما يتعلق بالأعراض التي قد تكون مرتبطة بالاضطرابات النفسية أورد الموسوي مثال ارتفاع الضغط الدموي، مشيرا إلى أن 30 في المائة يعانون منه، وفق المعطيات التي قدمها، في حين لا تتجاوز نسبة المصابين الذين يتعاطون العلاج 5 في المائة، ومبينا أن الأمر نفسه ينطبق على مرض السكري، الذي قال إن 15 في المائة من الراشدين يعانون منه، موضحا أنه قبل 35 سنة لم تكن هذه النسبة تتجاوز 2 في المائة. وبخصوص العوامل المرتبطة بالاضطرابات النفسية لفت المتحدث نفسه إلى تراكم درجات القلق، فضلا عن العامل الوراثي، مستحضرا أن إصابة الوالدين معا أو أحدهما بمرض نفسي تضاعف احتمالية إصابة الابن كذلك. غير أن الطبيب عينه أشار إلى أن هناك أشخاصا يمتلكون صلابة داخلية تمكنهم من تجاوز هذا العامل، مؤكدا أن لهذه الصلابة مصدرين، أولهما مرتبط بما هو وراثي، فيما يتمثل الثاني في الحصول على حافز معنوي من المحيط الذي ينتمي إليه الشخص. وفي معرض حديثه عن انتشار الاضطرابات النفسية في صفوف الشباب قال الموسوي إن هذا المعطى كان موجودا منذ وقت طويل، غير أن ما تغير اليوم هو تطور طرق التشخيص، بخلاف ما كان عليه الأمر في الماضي. وأوضح المتخصص في الطب النفسي، في هذا السياق، أن التواجد بين أحضان العائلة يعد من أهم طرق تكوين الدماغ، بما يمكن أن يساهم في الحماية من الاضطرابات النفسية، مشيرا كذلك إلى الدور البارز الذي تلعبه ممارسة الرياضة في الوقاية من الأمراض النفسية، وكذلك في المساعدة على علاجها. تحدي النمو ذكر عادل الحساني، خبير في علم النفس الاجتماعي، أن عامل النمو يشكل تحديا في حد ذاته بالنسبة إلى الإنسان، مبرزا أن الاستقرار النفسي يمر عبر مراحل من الاضطراب، وأن القلق أو الاكتئاب أو صعوبة موازنة العلاقات العاطفية والإنسانية والمهنية قد تستمر، حسب قوله، ما بين ثلاثة وستة أسابيع في كل نوبة، قبل أن تتحول إلى اضطرابات مستمرة في حال عدم القدرة على تجاوزها. وأضاف الحساني، في حديث مع هسبريس، أن من بين العوامل الأخرى غياب التوعية والتأطير الصحي، ونقص المسعفين والمعالجين النفسيين، الذين يفترض، حسب رأيه، توفيرهم على المستويين الجهوي والمحلي. ولفت المتحدث ذاته إلى البعد الثقافي، موضحا أن المشكلة لا تكمن في وجود عقدة لدى المغاربة من العلاج النفسي، ومذكرا بأشكال العلاج الشعبي التي عرفها المجتمع المغربي. وشدد المتحدث في السياق ذاته على أن إشكال المجتمع المغربي يتمثل في سوء فهم طبيعة الاضطرابات النفسية وطرق علاجها، مبينا أن كثيرا من المغاربة لا يميزون بين الطبيب النفسي والأخصائي النفسي والمرشد النفسي والمساعد الاجتماعي، وهي مهن مختلفة يفترض أن تتكامل لتخفيف العبء عن بعضها البعض. وانتقد المتخصص في علم النفس الاجتماعي في هذا السياق ما وصفها بـ”الفوضى” القائمة، مشيرا إلى أن الطبيب النفسي قد يستقبل حالة تحتاج إلى أخصائي نفسي، فيما قد يتولى الأخصائي حالة تستوجب تدخلا طبيا، بينما قد يحتفظ “الكوتش” بأشخاص يحتاجون في الأصل إلى علاج نفسي متخصص. وفي ما يتعلق بالتشخيص شدد الخبير نفسه على ضرورة التمييز بين المرض العقلي والاضطراب النفسي، لافتا إلى أن بعض الأمراض العقلية قد ترتبط بعوامل وراثية أو بتعاطي المخدرات أو التعرض لصدمة جسدية على مستوى الرأس، وتستوجب تدخلا طبيا متخصصا. وانتقد المتحدث في المقابل استمرار الوصم الاجتماعي للمرضى النفسيين، معتبرا أن تطور العلاجات الدوائية يجعل من غير المقبول وصفهم بعبارات قدحية، كما دعا وزارة الصحة إلى تأطير القطاعين العام والخاص في مجال التشخيص، رافضا أن يتم الحسم في حالة نفسية خلال حصة أو حصتين فقط. وختم عادل الحساني بدعوة الأحزاب السياسية إلى إدراج الصحة النفسية ضمن أولوياتها وتقديم كفاءات صحية قادرة على معالجة هذا الملف، موردا أن الجانب النفسي “يمر بآفة في المغرب”، وأن استمرار الوضع قد يقود إلى “كوارث”، ومشددا على أن رغبة بعض الشباب في الهجرة ترتبط أساسا بعوامل نفسية إلى جانب العوامل المادية. The post المخطط المغربي للصحة النفسية يخدم الاستشفاء ويقوي الموارد البشرية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
السيدة فاطمة الزهراء المنصوري: الحكومة ستعمل على بلورة برنامج طموح يستجيب لانتظارات المواطنين انسجاما مع التوجهات الملكية السامية
أكدت رئيسة الحكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري أن الحكومة ستعمل على بلورة وتفعيل برنامج …





