Home اخبار عاجلة المشاعر الوطنية لا تحتاج إلى مختبرات
اخبار عاجلة - 4 weeks ago

المشاعر الوطنية لا تحتاج إلى مختبرات

المشاعر الوطنية لا تحتاج إلى مختبرات

كي لا يتحول التنافس الانتخابي إلى منصة للتخوين والتشهير كلما اقترب المغرب من استحقاق انتخابي، ارتفعت حرارة اللغة السياسية، واتسعت مساحة الشعارات، واستُدعي إلى واجهة النقاش قاموس كامل من المفاهيم الكبرى: الديمقراطية، دولة الحق والقانون، النزاهة، المواطنة، العدالة الاجتماعية والمجالية، الحكامة، تخليق الحياة العامة، الدفاع عن المؤسسات والثوابت والمصلحة العليا للوطن. وهي، في جوهرها، قيم لا يمكن الاختلاف حول أهميتها. بل إنها تشكل جزءًا من الرأسمال الرمزي والسياسي الذي راكمه المغرب خلال عقود من التحولات والإصلاحات والصراعات والتضحيات. لكن السؤال الحقيقي لم يعد هو: ماذا نقول؟ بل: كيف نترجم ما نقول على أرض الواقع؟ وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا اليوم، ونحن في قلب الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري. فالحقل السياسي لا يعيش مجرد تنافس عادي بين برامج وأحزاب ومرشحين؛ بل يشهد، في بعض مستويات النقاش، انحدارًا مقلقًا في اللغة والممارسة السياسية والتواصلية، حتى أصبح من المشروع التساؤل عما إذا كنا أمام منافسة ديمقراطية على ثقة المواطنين، أم أمام حرب مفتوحة لاختيار من يستطيع إلحاق أكبر قدر من الضرر بخصومه. قانونيًا، الحملة الانتخابية الرسمية انطلقت يوم 10 شتنبر، وستمتد إلى منتصف ليلة 22 شتنبر، قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر. وقد جرى تنظيم ولوج الأحزاب إلى وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية، وفق قواعد محددة، في محاولة لضمان شروط التعددية والتنافس المنظم. لكن السياسة لم تعد تُصنع داخل التجمعات الحزبية والاستوديوهات التلفزيونية وحدها. هناك اليوم حملة أخرى موازية، أكثر شراسة وأقل خضوعًا للقواعد، تدور رحاها على منصات التواصل الاجتماعي، وفي بعض المواقع الإلكترونية والمنابر الإعلامية، وتشتغل بمنطق مختلف: سرعة الاتهام، الإثارة، اجتزاء الكلام، تسريب المعطيات، التشهير، السب والقذف، صناعة الإشاعة، تلطيخ السمعة، وتوزيع صكوك الوطنية والخيانة. وليس من قبيل المصادفة أن تولي الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، في تأطيرها لانتخابات 2026، اهتمامًا خاصًا لمكافحة التضليل الإعلامي وللمضامين الانتخابية المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، في اعتراف مؤسساتي بحجم التحول الذي أصاب فضاء الاتصال السياسي. لقد أصبح اغتيال السمعة، في بعض الحالات، أسهل من مناقشة الفكرة. وأصبح البحث في الحياة الخاصة للأشخاص، واجتزاء تصريحاتهم، وتحريف مواقفهم، وإخراج كلامهم من سياقه، أكثر إغراءً من مواجهة آرائهم بالحجة. والأخطر أن هذه الممارسات لا تستهدف الخصوم الحزبيين وحدهم، بل تطال أحيانًا أصواتًا مستقلة، ليست منخرطة أصلًا في سباق انتخابي، لكنها تملك رأيًا، وذاكرة، وتجربة، وقدرًا من المصداقية والاستقلالية يجعلها عصية على الاصطفاف. وهنا تكمن المفارقة. فالمجتمع الديمقراطي يحتاج، أكثر ما يحتاج، إلى هذه المساحات المستقلة بين السلطة والمعارضة، وبين الأحزاب والمجتمع، وبين المؤسسات والرأي العام. يحتاج إلى المثقف والصحافي والجامعي والخبير والفاعل المدني الذي يستطيع أن يقول «نعم» حين يقتنع، و«لا» حين يختلف، من دون أن يتحول اختلافه إلى ملف اتهام. فالوطنية ليست بطاقة انخراط حزبي، ولا شهادة حسن سلوك تمنحها جماعة سياسية لمن يوافقها وتسحبها ممن ينتقدها. والاختلاف مع حكومة لا يعني الاختلاف مع الدولة. وانتقاد حزب ليس عداءً للوطن. ومساءلة سياسة عمومية ليست تشكيكًا في المؤسسات. والتحفظ على قرار أو برنامج أو مرشح لا يجعل صاحبه عدميًا أو خائنًا أو متآمرًا. هذه الحدود البسيطة هي التي تصنع الفرق بين دولة المؤسسات ومنطق القبيلة السياسية. والمغرب، بتاريخه الغني ودولته العريقة وتنوع مجتمعه وتعدد مكوناته وتراكم مؤسساته، أكبر من أن تهدده مقالة رأي أو تدوينة أو سؤال مزعج. وما يحمي المجتمعات ليس الصمت، وإنما قدرتها على إدارة الاختلاف في إطار القانون. لهذا يبدو مستغربًا أن يعود، كلما اشتدت المنافسة السياسية، ذلك التصنيف الكسول للمغاربة إلى معسكرين: وطنيون وخونة، إيجابيون وعدميون، أبناء «محور الخير» وأبناء «محور الشر». من منح أي طرف الحق في إقامة مختبر لقياس نسبة الوطنية في دم المواطنين؟ ومن قرر أن الدفاع عن الوطن يقتضي التصفيق الدائم؟ بل إن النقد، عندما يكون مسؤولًا ومؤسسًا على الوقائع، قد يكون أحد أرقى أشكال الانتماء. فالذي ينبه إلى خلل في المدرسة أو المستشفى أو الإدارة أو الإعلام أو تدبير الشأن العام لا يهدم الوطن؛ إنه، في الأصل، يطالب بأن يكون الوطن أفضل. وإذا تحول السؤال إلى جريمة، والنقد إلى خيانة، والاستقلالية إلى تهمة، فإن أول الخاسرين لن يكون أصحاب الأصوات المنتقدة، بل السياسة نفسها. الانتخابات ليست ترخيصًا للاغتيال المعنوي. والمشكل في كون جزء من الصراع الدائر اليوم، انتقل من مواجهة البرامج إلى مواجهة الأشخاص، ومن نقد المواقف إلى التشكيك في النيات، ومن السياسة إلى الحياة الخاصة. وهذا تحول بالغ الخطورة. لأن الانتخابات تنتهي، بينما الجروح التي يتركها التشهير في حياة الناس وعائلاتهم وسمعتهم قد تستمر سنوات. ولأن الحزب الذي يربح مقعدًا بتدمير سمعة خصمه، قد يكون خسر شيئًا أكبر: ثقة المجتمع في السياسة. المغرب لا يحتاج عشية انتخابات 23 شتنبر إلى مزيد من الكراهية والتجييش. بل يحتاج إلى نقاش حول المدرسة والصحة والشغل والسكن والقدرة الشرائية والماء والتفاوتات المجالية والمساواة ومستقبل الشباب والتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي وإصلاح الإدارة والعدالة الاجتماعية. يحتاج إلى أن تشرح الأحزاب للمغاربة ماذا ستفعل، وكيف ستفعله، وبأي إمكانات، وضمن أي آجال. أما أن تختزل المنافسة في سؤال: «من نشهّر به اليوم؟»، فذلك إعلان إفلاس للسياسة قبل فتح صناديق الاقتراع. الإعلام أمام امتحان المهنة: وهنا تبرز مسؤولية الإعلام. فالصحافة ليست ملحقًا إعلاميًا مكلفًا بالحملات الانتخابية، ولا غرفة خلفية لتصفية الحسابات، ولا منصة لتدوير الإشاعات التي تنتجها الجيوش الإلكترونية. وظيفة الإعلام في اللحظات الانتخابية أكثر حساسية: التحقق، والمساءلة، والمقارنة، ووضع البرامج تحت مجهر الأرقام، ومنح الرأي والرأي المخالف حقهما في التعبير. ولا معنى لأن نتحدث عن انتخابات تنافسية إذا تحول جزء من الإعلام إلى امتداد للآلة الدعائية لهذا الطرف أو ذاك. كما لا معنى للحديث عن حرية التعبير، إذا أصبحت الحرية ذريعة للسب والقذف والتشهير. فالحرية والمسؤولية ليستا نقيضين؛ إحداهما شرط للأخرى. لا أحد يحتكر الوطن: في اللحظات السياسية الدقيقة، تحتاج البلدان إلى جبهة داخلية قوية، لكن قوة الجبهة الداخلية لا تصنع بالتخوين. إنها تصنع بالثقة. والثقة لا تبنى بإسكات الأصوات المختلفة، بل بجعلها تشعر بأنها جزء من الوطن حتى وهي تنتقد سياساته. خصوصًا أن المغرب يواجه تحديات استراتيجية كبرى، وفي مقدمتها الدفاع عن وحدته الترابية ومصالحه العليا، في محيط إقليمي ودولي سريع التحول. وهذه القضايا تحتاج إلى تعبئة وطنية واعية ومستدامة، وإلى عمل دبلوماسي وسياسي وإعلامي وثقافي ومجتمعي طويل النفس، لا إلى مزايدات ظرفية في الوطنية. لقد تجاوز المغرب مرحلة يكون فيها مطلوبًا إقناع المغاربة كل صباح بأن الصحراء مغربية. المطلوب اليوم هو تحويل هذا الإجماع الوطني إلى قوة استراتيجية في الخارج، وإلى تماسك وثقة وعدالة في الداخل. لأن أقوى دفاع عن الوطن، يبدأ من مواطن يشعر بأن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأن القانون يحميه، وأن اختلافه لا يجعله مواطنًا من درجة ثانية. السياسة تحتاج إلى أخلاق: الانتخابات ستمر، وستعلن النتائج، وستشكل الحكومة وسيجلس بعض المتنافسين في البرلمان، وسيعود آخرون إلى مواقعهم السابقة. لكن السؤال الذي سيبقى بعد 23 شتنبر هو: أي مجتمع سياسي سنكون قد صنعنا خلال الطريق إلى صناديق الاقتراع؟ مجتمعًا يتعايش فيه المختلفون؟ أم فضاءً عامًا ملوثًا بالضغينة والتشهير والتخوين؟ الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع. إنها، قبل ذلك وبعده، ثقافة للاختلاف، واحترام للكرامة، وقبول بحق الآخر في أن يفكر خارج السرب من دون أن يدفع ثمن استقلاله من سمعته وأمنه الرمزي. ومن حق الأحزاب أن تتنافس بشراسة. ومن حق المرشحين أن ينتقد بعضهم بعضًا. ومن حق الصحافة أن تحقق وتكشف وتسائل. ومن حق المواطنين أن يحاسبوا الجميع. لكن لا أحد يملك الحق في اغتيال إنسان معنويًا لأنه يختلف معه. ولا أحد يملك مفاتيح الوطنية، حتى يوزع شهاداتها على الناس. فالمشاعر الوطنية لا تحتاج إلى مختبرات، والوطنية لا تقاس بدرجة الولاء للأشخاص والأحزاب، وإنما بمدى الإخلاص للوطن ومؤسساته ومستقبله، وبالقدرة على الدفاع عنه من دون قتل الاختلاف داخله. ولعل الرسالة الأهم، ونحن على بعد أيام من اقتراع 23 شتنبر، هي أن المغرب يحتاج إلى انتخابات تنتج أغلبية منسجمة ومعارضة قوية. لكنه يحتاج أكثر إلى شيء لا تصنعه صناديق الاقتراع وحدها: فضاء سياسي نظيف، وإعلام مهني، ونخب تحترم العقل، ومواطن لا يخشى أن يقول رأيه. لأن الديمقراطية التي تخاف من السؤال ليست ديمقراطية واثقة من نفسها، والسياسة التي تحتاج إلى التشهير كي تنتصر، هي سياسة فقدت حجتها. والوطن الذي نريده قويًا، لا يحتاج إلى مواطنين متشابهين، بل إلى مواطنين مختلفين يجمعهم وطن واحد.

لكممصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

11 − seven =

Check Also

السعودية ومصر وباكستان وتركيا تدين الهجمات العدائية المستمرة التي تشنها ميليشيا الحوثي ضد السعودية

أدانت دول المجموعة الرباعية (السعودية، ومصر، وباكستان، وتركيا)، اليوم الأحد، بأشد العبارات…