Home الصحافة المغربية المعرض الدولي للكتاب قرائن التحدي والتحكم وعوائق الاستجابة والتظلم

المعرض الدولي للكتاب قرائن التحدي والتحكم وعوائق الاستجابة والتظلم

المعرض الدولي للكتاب قرائن التحدي والتحكم وعوائق الاستجابة والتظلم

المعرض الدولي للكتاب قرائن التحدي والتحكم وعوائق الاستجابة والتظلم هوية بريس – الدكتور الحسن الباز / أستاذ التعليم العالي سابقا بجامعتي ابن زهر والقرويين قبل سنوات، أو عقدين من الزمن تقريبا، لم يخف رجل دولة ووزير ثقافة أسبق، قادم من زمن صولة اليسار في ظروف الحرب الباردة، التعبير عن امتعاضه واستفزازه من قبل مظاهر فئة من رواد المعرض المتدينين المتأثرين برياح الاتجاه الديني الشرقي القادم من الخليج، وهم يقبلون في أروقة معرض الكتاب الدولي بالدار البيضاء على اقتناء حمولات من الكتب التي صنفها في تصوره وظنه ووهمه ضمن هذا الاتجاه الفكري الذي عرف صولانا وجولانا بعد إتاحة الفرصة له قصد مواجهة الاتجاه الإصلاحي الحركي الذي يشكل الوجه السياسي جانبا بارزا من اهتمامه وطموحه واستراتيجيته. ولم يفت معالي الوزير الأسبق التعبير، في جرأة بالغة، بوصم المعنيين أنهم يتلقون مبالغ من الأموال مقابل ترويج ذاك النوع من الكتب التي لم تكن كلها من النوع الذي ظنه وتوهمه. وعبر بعبارة (تحت الطبلة)، أي ما يقابل تقريبا مصطلح (السوق السوداء) وتلقي أموال أو مصالح غير مشروعة لتحقيق أغراض معينة أو أرباح مادية بغير وجه حق. والخاصة والعامة يعلمون متى يستعمل مثل هذا المصطلح. ولا داعي للحفر كثيرا في تحليل وتأويل هذا الخطاب، فلعل الوزير لا يتصور نشر فكرة أو إيديولوجية دون تمويل ودعم مادي. وخطابه يذكر بما كان لبلدان المعسكر الشيوعي سابقا من احتضان ودعم وتمويل للاتجاهات الماركسية والقومية في بلدان العالم العربي، فضلا عن استراتيجيات إجرائية مصاحبة لذلك قصد تيسير التواصل وتعبئة الحماس، مثل اختيار الحجم الصغير في نشر الكتب، واختيار الكلمات والأناشيد والأنغام المناسبة للهتافات والشعارات. ولا نستطيع أن نتجاهل تلك المظاهر التي كانت مصاحبة لما استفز الوزير وأثار امتعاضه والتفكير في محاربة الظاهرة أو الالتفاف حولها. ذلك أن بعض دور النشر كانت تروج على الخصوص بالإضافة إلى الكتاب العلمي الديني من تراث العلماء المسلمين في العلوم الإسلامية الأساسية، نوعا آخر من الكتب وإن كانت تتضمن جوانب علمية لا غبار عليها، ولكن تداول هذا النوع في بيئة مثل بيئة الغرب الإسلامي التي لها ملامح مذهبية معينة في الدرس العقدي والتداول السياسي والاجتهاد الفقهي والسلوك الأخلاقي التربوي يحتاج إلى نوع من سعة العلم بمناطات الاختلاف وسياقاته التاريخية، والرسوخ في هذه المجالات وتاريخ تجلياتها في بلدان الغرب الإسلامي، ومآلات عدم فقه الوعي بظهورها وتطوراتها، وفقه تنزيل ما يخالفها أو يصححها في الواقع المعاصر. ذلك الموقف الذي تشكل لدى الوزير المذكور لا شك أنه صاحبته بشكل مواز استراتيجيات أخرى على مستوى تغيير مناهج المكون الديني في التعليم، أو التحكم فيه من بعيد على الأقل عند الاقتضاء. وكذلك على مستوى تجديد الخطاب الديني ومتابعة تغيراته بأسماء متنوعة. كل ذلك في إطار استراتيجية وطنية ذات خيوط وأبعاد دولية، لها جذور في تاريخ التدافع بين تطلعات العالم الإسلامي إلى التحرر والاستقلال وبين مخططات التربص الاستعماري الغربي منذ القرن التاسع عشر، وامتدادات ذلك في مطلع الألفية الثالثة على شكل حركة استردادية ليبرالية تشبه ما وقع في شبه الجزيرة الإيبيرية في عصر محاكم التفتيش والاسترداد المسيحي. وقد تنامت حركة الاسترداد الجديدة نتيجة استفزاز قوى الاستكبار العالمي والتحكم الدولي بفعل تنامي ظاهرة العنف الديني في موازاة أيضا مع الامتداد التدريجي الذي حققته ظاهرة الإسلام السياسي رغم الالتفاف عليها في أكثر من بلاد إما بالدهاء الناعم أو بالعنف الحاسم. وبالنسبة لبلادنا هناك هاجس لا ينبغي تغييبه من أجل فهم كثير من المتغيرات التي نحس بها نحن الجيل الذي ولد قبل الاستقلال أو بعده بقليل. ذلكم الهاجس هو ما يشغل أصحاب القرار في المستويات المصيرية الكبرى، وهو محاولة الموازنة بين المرجعية الدينية الراسخة والعميقة للدولة والمجتمع والمرجعية الكونية الحداثية لصياغته واندماجه في قيم العالم المعاصر حسب ما ينص عليه دستور المملكة، ويجد محاولات تطبيقه في كثير من المواثيق والمدونات والنصوص المحتكم إليها في حياتنا العامة والخاصة. بل كانت بعض الجهات العليا تطلب من ذوي الاختصاص من بعض العلماء وأهل الفكر تقديم أبحاث تكون مرجعا في كيفية الموازنة والتوافق بين المرجعيتين الدينية والوضعية، حسب ما فهمته من بعض الفاعلين في تدبير الشأن الديني، خاصة في عهد وزير الأوقاف السابق. واستحضارا لندرة التأهيل المتكامل الذي يجمع بين التكوين العلمي الديني المتين والإلمام المطلوب بعلوم فقه الواقع من كونية واجتماعية واقتصادية وسياسية وقانونية، فضلا عن حد أدنى من الوعي بالسياقات التاريخية لأمهات القضايا الكبرى التي ما زالت تؤثر في واقعنا المعاصر، فإن ما يمكن أن يتاح من تحقيق ذلك المطلب من الجهات ذات الشأن يبقى نسبيا إلى حد كبير لندرة هذا النوع من التكوين المطلوب والإلمام المرجو، وعدم إعطاء الأولوية في إعداد هذا النموذج المرتجى من الكفاءات في مناهج المعاهد المنخصصة ومسالك وبنيات الدراسات العليا بالجامعات الوطنية، وبقية الفرص المتاحة لسد هذا الفراغ، فضلا عن الإجراءات المسطرية التي تسبب إكراهات تنعكس آثارها على جودة المنجزات وجدة المخرجات. مثل ضغط الروتين الإداري، والتراتبية في المسؤولية، وضيق الوقت، والاستعجال في الوفاء بالمطلوب، واللجوء أحيانا إلى اختيار الأقل سوءا من الأسوإ. ستقول: ما علاقة هذا كله بالتحولات التي وقعت على معرض الكتاب في السنوات الأخيرة؟ فأقول: إن قرائن التحكم لا تكاد تحتاج إلى كثير من التأمل والمقارنة والمتابعة لأسماء دور النشر وقوائم الكتب المعروضة ودور النشر الغائبة أو المقصية، وحتى في البرامج العلمية والأنشطة الثقافية الموازية في المعرض. وبهذا الصدد يمكن القول: إن من حق الدولة ممثلة في الجهات والهيئات والمؤسسات الموكل إليها تدبير الشأن الثقافي واستراتيجياته أن تمنع أو تشجع أو تحفز أو تبيح أو تغض الطرف وفق ما تراه منسجما مع ثوابتها وتطلعاتها وآفاقها الواعدة في المجالات العامة للتنمية وحصانة قيمها وسيادتها واستقرارها وسلاسة ممارسة مواطنيها لحقوقهم الاساسية. ومن حقها أن تشرع في ذلك ما تراه من قوانين ونصوص تنظيمية، لأن كل ذلك مما يدخل في السياسة الشرعية المتعلقة بجوانب أساسية في حياة المواطنين وسيادة الدولة، لتعلق تلك السياسة بشؤون أهم من المعاملات المدنية التي تقتصر على تنظيم إشباع الحاجات المادية للمواطن وحماية أمواله وضرورياته. تلك هي الشؤون المتعلقة بأهم ما يميز الانسان وهو عقله وروحه ووجدانه. ولكن كل ذلك يجب أن ينضبط باختيارات وآراء النخب الفكرية ذات الكفاءة والخبرة والاختصاص في الأمة، سواء تمت بلورة هذه النخب واختيارها بالنظم التمثيلية الديمقراطية النسبية والقاصرة، أو بواسطة العقل الجمعي العام الذي لا يكاد يختلف العقلاء في نطاقه حول معرفة الأصلح واختيار الأمثل فالأمثل. ولا ينتظر أن يصدر عن تداول الآراء بين هؤلاء العقلاء، بشكل علمي وموضوعي وشفاف، إلا ما يحقق المقاصد العظمى من المهام التربوية والعلمية والثقافية لأمة (اقرأ). أما أن يكون اتجاه واحد من هذه النخب هو الذي يتحكم في الاستراتيجية الثقافية للدولة والمجتمع، باعتبار ذلك محافظة على حصون وقواعد قديمة تربع على عروشها هذا الاتجاه بعد مرور عقدين أو أقل من الحصول على الاستقلال في ظل ظروف يعلمها الكثير ممن عاصر تلك المرحلة، أو توجسا من تمكن اتجاه ديني يقرأ الاتجاه المتشوف إلى التحكم تفاعل المجتمع مع بعض اختياراته قراءة متحيزة غير موضوعية. فلا هي منسجمة مع قيم الهوية الثابتة لهذا البلد، ولا هي مستجيبة لما تنص عليه الدساتير والمدونات والمواثيق من احترام حرية الرأي والتعبير والتعدد الثقافي وتدبير التنوع والاختلاف. وبذلك لا يخفى ما في ذلك التحكم من استبداد فكري وإقصاء غير عادل لما فيه من مخالفة ذلك الاتجاه المتحكم الواهم المتوجس من الخطاب الديني ما جاء هذا الخطاب نفسه لتصحيحه وإنقاد الناس من براثينه. ورغم ذلك فإن ما يجتاح سوق عرض المقروء الورقي من عناوين يشكل تحديا من المنتظر وفق قانون التحدي والاستجابة أن يشعر اتجاه عريض ممن يحترم ثوابت الأمة وقانون الكونية الشرعية، على اختلاف ألوانه وتشكلاته في عالم الفكر والسياسة والمجتمع، بمسؤولية الاستجابة لهذا التحدي، وإعادة التوازن بما ينسجم مع مبادئ العدل والإنصاف، وتناغم صحيح المنقول الديني مع صريح المعقول العلمي. ولكن المؤسف أن كتائب جامعية وثقافية ممن ينتظر منها القيام بهذه المهمة مستغرقون في انشغالات تراثية، يتم التوقف أحيانا فيها عند مجرد تحقيق التراث القديم وإعادة إخراجه في أشكال مادية معاصرة، أو الاقتصار على دراسة هذا التراث بمناهج وأولويات لها سياقاتها التاريخية، ولا تشكل بالضرورة أولويات وتفاعلات مع مستجدات متغيرة متسارعة لا ترحم الهاربين من المدافعة والمرافعة والممانعة من أجل الاستمداد من الدين وحسن تنزيل ما جاء لأجله من عمران واستخلاف وتمكين وإسعاد للانسان وإرواء فراغه الروحي وقلقه الوجداني المعاصر. The post المعرض الدولي للكتاب قرائن التحدي والتحكم وعوائق الاستجابة والتظلم appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

4 × 3 =

Check Also

الحكومة تكشف تفاصيل “ترقيات التعليم الاستثنائية” ودعم النقل الطرقي

أكد مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة الوزير المنتدب المكلف بالعلاقات مع البرلمان، …