المغرب والاتحاد الأوروبي.. شراكة الهجرة بين الاختلالات وآفاق الإنصاف

لم يكن تأكيد الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، يوم 9 أكتوبر 2026، ضرورة تجاوز النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة، مجرد ملاحظة مرتبطة بصعوبات ظرفية في العلاقات مع الشركاء الأوروبيين، بل يعكس توجها استراتيجيا نحو إعادة النظر في فلسفة هذه الشراكة وأسسها. فالمطلوب لم يعد يقتصر على تحسين آليات تدبير الحدود والحد من الهجرة غير النظامية، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء إطار جديد للتعاون، يضمن توازنا أكبر بين مسؤوليات الأطراف ومصالحها، ويجعل الهجرة موضوعا للشراكة والتنمية المشتركة، لا مجرد ملف أمني تتحمل دول الجنوب قسطا متزايدا من أعبائه. لقد تغير موقع المغرب في معادلة الهجرة الدولية. فبعدما ظل لعقود بلدا مصدرا للهجرة نحو أوروبا، أصبح اليوم بلدا للاستقبال والإقامة والعبور، خصوصا بالنسبة إلى المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء. وقد عكس اعتماد الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء إرادة واضحة في التعامل مع هذه الظاهرة من منظور يتجاوز المقاربة الأمنية، من خلال تسوية الأوضاع الإدارية للمهاجرين، وتيسير اندماجهم، واحترام حقوقهم الأساسية. وبذلك، لم يعد المغرب يتعامل مع الهجرة باعتبارها مجرد تدفقات يتعين منعها، بل باعتبارها ظاهرة إنسانية واجتماعية واقتصادية تتطلب سياسات عمومية متكاملة. غير أن تطور المقاربة المغربية لم يقابله تحول مماثل في طبيعة التعاون مع الاتحاد الأوروبي. فما تزال مراقبة الحدود ومنع العبور غير النظامي ومكافحة شبكات التهريب تحتل موقعا مركزيا في هذا التعاون، بينما لا تزال مسارات الهجرة القانونية، وتقاسم الأعباء، ودعم التنمية، وتوسيع فرص التنقل المهني، دون مستوى التحديات المطروحة. ولا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية التعاون الأمني، أو من ضرورة مكافحة الاتجار بالبشر وحماية الأرواح، وإنما بالتنبيه إلى أن اختزال الشراكة في هذه الوظائف يجعلها غير متوازنة، ويضع المغرب أمام مسؤوليات متزايدة لا يقابلها دائما التزام مماثل من الطرف الأوروبي. لقد كشفت الأزمات المتكررة عن حدود هذا النموذج. فأحداث سبتة في ماي 2021، التي شهدت عبور آلاف الأشخاص، بينهم أطفال وقاصرون، أبرزت مدى ارتباط الهجرة بالسياقات السياسية والاجتماعية والدبلوماسية. كما أعادت مأساة مليلية في يونيو 2022، وما خلفته من ضحايا، طرح أسئلة صعبة حول حدود المقاربة الأمنية وضرورة حماية الأرواح والحقوق. وتؤكد هذه الوقائع أن تدبير الحدود، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلا عن سياسة شاملة تعالج أسباب الهجرة وتوفر مسارات قانونية للتنقل، وتوزع المسؤوليات بين الدول بصورة أكثر عدلا. إن استحضار هذه الأحداث لا يعني توظيف المآسي الإنسانية في الخلافات السياسية، بل استخلاص درس استراتيجي منها: لا يمكن بناء تعاون مستدام إذا ظل المغرب مطالبا بالاضطلاع بدور الحاجز الجنوبي لأوروبا، بينما لا تحظى بقية أبعاد الشراكة بالاهتمام نفسه. فالمغرب لا يرفض التعاون مع شركائه الأوروبيين، ولا يتنصل من مسؤولياته في حماية حدوده ومكافحة شبكات التهريب، لكنه يرفض أن يتحول هذا التعاون إلى علاقة غير متكافئة، تختزل دوره في منع المهاجرين من الوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط. والحقيقة أن أوروبا نفسها تحتاج إلى الهجرة. فشيخوخة السكان ونقص اليد العاملة في عدد من القطاعات الحيوية، من الصحة والرعاية إلى الصناعة والهندسة والتكنولوجيا، يدفعان دولا أوروبية إلى البحث عن الكفاءات والعمالة المؤهلة. وقد أصبح استقطاب الأطباء والمهندسين والتقنيين وغيرهم جزءا من السياسات الرامية إلى الحفاظ على تنافسية الاقتصادات الأوروبية. وهنا يبرز تناقض ينبغي تجاوزه: كيف يمكن لدول أن تسعى إلى استقطاب الكفاءات من خارج حدودها، بينما تظل مقاربتها للهجرة محكومة أساسا بمنطق الحد من التدفقات، من دون تصور متكامل يضمن التنقل القانوني ويحفظ مصالح بلدان المنشأ؟ لا يتعلق الأمر بمنع الكفاءات المغربية من الهجرة، أو بالتضييق على حق المواطنين في التنقل والبحث عن فرص أفضل. فهذا الحق ينبغي احترامه، كما أن حركة الكفاءات يمكن أن تكون مصدر إثراء متبادل إذا نُظمت في إطار شراكات واضحة. لكن من حق المغرب أن يطالب بتعاون يتجاوز الاستقطاب الانتقائي للموارد البشرية، ليشمل التكوين المشترك، وتبادل الخبرات، ونقل المعرفة، والاستثمار في القطاعات التي تحتاج إلى كفاءات مؤهلة. فليس من الإنصاف أن تستفيد الاقتصادات المستقبلة من استثمارات بلدان المنشأ في تعليم أبنائها وتكوينهم، بينما تتحمل هذه البلدان وحدها تداعيات الخصاص الذي قد ينجم عن هجرتهم، خصوصا في القطاعات الحيوية. من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من الصيغ التقليدية للهجرة «الآمنة والمنظمة والمنتظمة» إلى ميثاق جديد أكثر إنصافا وتوازنا. فهذه المبادئ تظل ضرورية، لكنها لا تحقق أهدافها إذا اختُزل الأمن في مراقبة الحدود، والانتظام في ضبط المغادرة والعودة، والتنظيم في تقييد المسارات القانونية. إن الهجرة الآمنة تبدأ أيضا بتوفير بدائل قانونية، واحترام حقوق المهاجرين، ومحاربة استغلالهم، وتيسير التنقل المهني، وإقرار آليات واضحة لتقاسم المسؤولية. ولا يمكن أن تكون هذه الالتزامات فعالة إذا ظلت مسؤولية تنفيذها موزعة بصورة غير متكافئة بين الشركاء. وينبغي أن يقوم الميثاق الجديد على جملة من المرتكزات العملية، في مقدمتها توسيع قنوات الهجرة القانونية والعمل الموسمي، وتطوير برامج للتكوين المهني والاستجابة لحاجات سوق الشغل، وتيسير تنقل الطلبة والباحثين والكفاءات، وتعزيز التعاون في مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وضمان حماية المهاجرين وحقوقهم الأساسية. كما يتعين ربط التعاون الأمني والمالي بأهداف تنموية واضحة، وإرساء آليات مشتركة لتقييم النتائج، حتى لا تبقى الشراكة محكومة بالظرفية السياسية أو بتغير الأولويات الانتخابية في الدول الأوروبية. إن المغرب مؤهل لاقتراح هذا التحول، بالنظر إلى تجربته في تدبير الهجرة، وإلى موقعه الجغرافي وصلاته الاقتصادية والإنسانية بأوروبا، فضلا عن رصيد التعاون الذي راكمه مع شركائه. وتتيح الرؤية الاستراتيجية التي دعا الخطاب الملكي إلى بلورتها فرصة لتقديم مبادرة مغربية واضحة، تحدد المبادئ التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة، وتضع تصورا عمليا لشراكة أكثر توازنا. ولا ينبغي أن تظل هذه المبادرة في حدود المطالبة بتحسين شروط التعاون القائم، بل يتعين أن تستهدف إعادة تعريف أهدافه وآلياته، بما يجعل المصالح المغربية جزءا أصيلا من صياغة السياسات المشتركة، لا مجرد اعتبار يأتي بعد تحديد الأولويات الأوروبية. فالرهان اليوم ليس أن يصبح المغرب أكثر كفاءة في منع العبور نحو أوروبا، وإنما أن يصبح أكثر قدرة على التفاوض بشأن شروط التنقل والتعاون والتنمية. والشراكة الحقيقية لا تقاس بعدد المهاجرين الذين جرى منعهم من العبور، بل بمدى قدرتها على توفير بدائل قانونية، وحماية الأرواح، وتلبية حاجات سوق الشغل، وصون حقوق المهاجرين، وتحقيق مصالح الأطراف جميعها. لقد آن الأوان للانتقال من تدبير الحدود إلى تدبير المصالح المشتركة، ومن التعاون الذي تهيمن عليه الاعتبارات الأمنية إلى شراكة استراتيجية متوازنة. وهذا هو جوهر مبدأ الرابح-الرابح: أن تجد أوروبا في المغرب شريكا موثوقا، وأن يجد المغرب في علاقته بأوروبا إطارا يحترم سيادته ويستجيب لأولوياته التنموية والاقتصادية والإنسانية. أما استمرار النموذج الحالي، بما ينطوي عليه من اختلالات وأزمات متكررة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المشكلات نفسها. ومن ثم، فإن المبادرة المغربية نحو ميثاق جديد للهجرة ليست دعوة إلى الانكفاء أو إلى التخلي عن التعاون، بل خطوة نحو شراكة أكثر نضجا وإنصافا واستدامة، تليق بطبيعة العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي وبالتحديات التي تواجههما معا. The post المغرب والاتحاد الأوروبي.. شراكة الهجرة بين الاختلالات وآفاق الإنصاف appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
شهود يؤكدون إصابة عدد كبير من المدنيين في انفجار مطار الرياض
قال شاهدان ومصدران مطلعان إن كثيرين أصيبوا اليوم السبت في انفجار وقع بمطار الرياض الدولي …





