Home اخبار عاجلة انتخاب رئيس مجلس النواب: معارضة على سكتين، الخضوع الطوعي للقرارية أو دمقرطتها. هل تلتقيان؟
اخبار عاجلة - 44 minutes ago

انتخاب رئيس مجلس النواب: معارضة على سكتين، الخضوع الطوعي للقرارية أو دمقرطتها. هل تلتقيان؟

انتخاب رئيس مجلس النواب: معارضة على سكتين، الخضوع الطوعي للقرارية أو دمقرطتها. هل تلتقيان؟

يوم الثلاثاء 13 أكتوبر وقع حدثان في يوم واحد: انتُخب أحمد التويزي رئيسا لمجلس النواب، ووصل العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة. القراءة الحسابية للحدث الأول تقف عند الأرقام: 220 صوتا للتويزي، و59 لمرشح العدالة والتنمية إدريس الأزمي، وامتناع الأحرار، وأوراق بيضاء لنواب تحالف اليسار. والقراءة الدبلوماسية للحدث الثاني تقف عند الصمت الرسمي. أما القراءة القرارية فتطرح على الحدثين سؤالا واحدا: أين يُتخذ القرار، ومن يقبل أن يحمله؟ وبهذا السؤال يظهر في البرلمان الجديد ما لا تظهره الأرقام: معارضتان تسيران على سكتين. أولا: صوت لمرشح أم لتصور؟ منذ مساء التصويت والسؤال يتردد في الفضاء العام: لماذا لم يصوت اليسار لمرشح المعارضة؟ وقد عاتب بنكيران، في تدوينة يوم 14 أكتوبر، أحزاب اليسار التي «اختارت الامتناع عن التصويت، بدل دعم مرشح ينتمي إلى صف المعارضة»، وكتب أن «الشعارات شيء، والمواقف الفعلية شيء آخر». وحجته أن التصويت للأزمي كان سيوحد المعارضة. غير أن الحزب نفسه حذر قبل أسبوع من دعوات الملكية البرلمانية، وهي مشروع اليسار. والجلوس في الجهة نفسها من القاعة لا يصنع مشروعا مشتركا. التصويت لرئاسة المؤسسة تفويض، ومن الصعب أن تفوض من تختلف معه في تصور المؤسسة نفسها. ثم إن الأزمي حصل على 59 صوتا، أي خمسة أصوات فوق مقاعد حزبه الأربعة والخمسين. فما كان ينقصه لم يكن صوت اليسار، ولو صوت له اليسار لكان ذلك تزكية أكثر منه إضافة عددية. والورقة البيضاء لا أثر قانونيا لها في الفرز، لكن رسالتها رمزية لا عددية. القراءة الحسابية تسأل كم صوتا أضيف أو نقص، والقراءة الرمزية تسأل ماذا قيل بهذا الصوت. ونقطة النظام التي طلبها عمر محمود بنجلون للتمييز بين الورقة البيضاء والورقة الملغاة كانت محاولة لتسجيل هذا المعنى في محضر الجلسة، قبل أن ينسحب نواب التحالف احتجاجا على احتساب أوراقهم ملغاة. وقد أوضح بنجلون أن الامتناع جاء «لأسباب سياسية»، وأن التعبير عنه يتم قانونيا عبر الأوراق البيضاء. وذهب بنجلون في تدوينة له أبعد من ذلك، فكتب أن الأمر «سياسي بامتياز» لا «مناقشة قانونجية»، منبها إلى أغلبية عددية تتحول إلى «دكتاتورية عددية». وهو نقد قديم في علم السياسة: في «أزمة الديمقراطية البرلمانية» (1923) رأى كارل شميت أن البرلمان يفقد مبرر وجوده حين تُحسم القرارات خارجه، في كواليس الأحزاب وتحالفاتها، فلا يبقى من النقاش العمومي إلا عد الأصوات، وتصير الأغلبية حسابا لا إقناعا. حين ينتخب النواب رئيسا لمجلسهم، لا يختارون شخصا فحسب، وإنما يختارون موقع البرلمان من القرار: هل هو موضع يُصنع فيه القرار، أم موضع يواكب قرارا صُنع في مكان آخر؟ ووراء هذا السؤال سؤالان. الأول عن مكان القرار في الدولة (القرارية الأصلية): ملكية تنفيذية تحكم، أم ملكية برلمانية يحكم فيها من يُنتخب؟ والثاني عن حمله (القرارية المشتقة): هل تقبل حكومة منتخبة أن تتحمل كلفة قرار لم تصنعه، أم ترفض ذلك ما دام القرار بعيدا عن المحاسبة؟ والجواب عن الأول يرسم الجواب عن الثاني. وانتخاب رئيس المجلس، ومعه الصمت عن زيارة سبتة، امتحانان لهذا الجواب. ووراء صوت للأزمي وورقة بيضاء سكتان تسير عليهما المعارضة. أ. السكة الأولى: خضوع طوعي للقرارية مع ممانعة خطابية قاد العدالة والتنمية الحكومة عشر سنوات، وهي مدة كافية لمعرفة كيف يرى موقع القرار. دافع عن الملكية التنفيذية، ولم يطالب بنقل القرار التنفيذي، واكتفى بالقرب منه، وتعامل مع صلاحيات الحكومة كما وجدها. وقد جدد بنكيران هذا الموقف قبل انتخاب رئيس المجلس بأيام، في لقاء بإقليم النواصر يوم 5 أكتوبر، حين حذر من دعوات «الملكية البرلمانية»، ووصف الملك بأنه «حاكم وماشي غير حاكم»، داعيا إلى التدرج. وصاغ سعد الدين العثماني موقف حزبه في عنوان كتابه «الدين والسياسة: تمييز لا فصل»، وهي صيغة وسطى تقبل المؤسسات القائمة. أما معادلة «الإصلاح في ظل الاستقرار»، التي يلخص بها الحزب اختياره وينسبها قياديوه إلى بنكيران، فربما كانت أدق تعبير ذاتي عن هذه السكة: الإصلاح مشروط بعدم المساس بموقع القرار. قرأها بنكيران وحزبه شعارا، وقرأها اليسار سقفا. ويمكن وصف سلوكه في مرحلة الحكومة بالقبول، أو الخضوع، الطوعي للقرارية. فالحزب لم يُرغم على شيء، وإنما اختار. كان بنكيران يشتكي من «التحكم»، أي من قرار يُتخذ خارج الحكومة، دون أن يجعل إخضاع هذا القرار للمحاسبة شرطا لبقائه فيها. ثم تحمل الحزب، وهو يقود الحكومة، توقيع قرارات كبرى لم ترد في برنامجه، من بلاغ الأغلبية حول حراك الريف سنة 2017 إلى الإعلان الثلاثي في دجنبر 2020. حكومة منتخبة تتحمل كلفة قرارات لم تصنعها، وتعد ذلك من قواعد اللعبة. ولا يلغي هذا الحكم ما عُرف به كثير من منتخبيه من نظافة اليد، ولا قدرته على الحفاظ على تنظيم متماسك طوال عشر سنوات على رأس الحكومة. غير أن صورة الحزب في المعارضة ليست صورته في الحكومة. فبنكيران، بعد عودته إلى الأمانة العامة، أعلن أن حزبه «لم يكن يوما مع التطبيع، ولن يكون معه»، وطالب العثماني بالاعتذار عن التوقيع، ثم قال له مطلع أكتوبر 2026: «الزم بيتك وشد تيقارك»، قبل أن يتراجع ويقول إنه لم يقصد الإساءة. وانتقد في الصويرة صيف 2026 مستشارين للملك بأسمائهم، قبل أن يسحب كلمة «قندوح» التي ختم بها حديثه عنهم، ويعتذر عنها، ويتمسك بالباقي. والمفارقة أن التوقيع الذي رفض بنكيران في 2020 أن يُقال صاحبه بسببه، صار مع اقتراب انتخابات 2026 موضوع «الزم بيتك». ويكشف ذلك موقفا غير محسوم من القرارية: دفاع عن قرار لم يصنعه الحزب حين يكون في الحكومة، ونقد له حين يطلب أصوات الناخبين. لكن النقد ظل موجها إلى أشخاص في محيط القرار وإلى توقيع، ولم يصل إلى البنية التي جعلت التوقيع ممكنا. فالخضوع الطوعي خف في النبرة، وبقي في التصور. ب. السكة الثانية: دمقرطة القرارية وأفق الملكية البرلمانية ينطلق مشروع تحالف اليسار من سؤالين: أين يُتخذ القرار، ومن يُحاسَب عليه؟ ويجيب بالملكية البرلمانية، أي ربط القرار التنفيذي بمن يُنتخب ويُحاسَب. فلا بد لكل دولة ممن يقرر، غير أن حدة القرار تخف حين ينتقل مركزه إلى مؤسسة منتخبة، وهذا معنى دمقرطة القرارية. ويقترح المشروع لذلك طريقين: ديمقراطية تمثيلية أوسع يملك فيها البرلمان ما يقرره بدل أن يواكبه، وديمقراطية تشاركية وشعبية يسهم فيها المواطنون بالملتمسات والعرائض التي فتحها دستور 2011 في الفصلين 14 و15، وعبر الجهات التي دعا خطاب الافتتاح نفسه إلى «تمكينها من اتخاذ القرار». المعارضتان تنطلقان إذن من واقع واحد هو القرارية، ولا توجد أي منهما خارجها. وكلتاهما تقبل الملكية مؤسسة، وتختلفان في مداها القراري: الأولى تقبل ملكية تنفيذية، وتحمل ما يصدر عنها من قرارات؛ والثانية تريد ملكية برلمانية ينتقل فيها القرار التنفيذي إلى من يُنتخب ويُحاسَب، وترفض قبل ذلك أن تحمل قرارات لم تصنعها. فالفرق بين المعارضتين فرق في وضوح السقف. العدالة والتنمية يرفع سقفه في المعارضة ويخفضه في الحكومة، فيتغير السقف بتغير الموقع؛ وتحالف اليسار يثبت سقفه، الملكية البرلمانية، ويقبل أن يدفع ثمن ثباته بالبقاء خارج الحكومة. ويصعب على من قبل القرار كما هو أن يتحالف تحالفا استراتيجيا مع من يريد دمقرطته. لكن الملكية البرلمانية تبقى في الخطاب العام أفقا أكثر منها برنامجا مرحليا، وبهذا المعنى تقترب مما سماه كارل مانهايم يوتوبيا: تصور يتجاوز الواقع ويحرك الفعل، لكنه يفقد أثره إن لم يجد طريقا إلى المؤسسات. غير أن وضوح السقف لا يصنع وحده أثرا. ويبقى على هذا المشروع أن يحول ثباته إلى قوة اقتراح داخل البرلمان بمقاعده المعدودة، وأن يقنع ناخبين لم يقتنعوا بعد بأن الملكية البرلمانية جواب عن أسئلتهم اليومية في الصحة والتعليم والشغل. دمقرطة واضحة في الهدف، غائمة في الطريق. ثانيا: أين تفترق السكتان وأين تلتقيان؟ تفترق السكتان في أكثر من محطة، وتلتقيان في نقطة واحدة هي عتبة العدد. أ. أربع محطات للافتراق: لماذا يصعب الالتقاء؟ صعوبة الالتقاء لها تاريخ. فللحذر المتبادل بين اليسار والإسلاميين جذور تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وهي ذاكرة ما زالت تثقل كل حديث عن الالتقاء. ولا يُفهم موقفا 13 أكتوبر إلا في ضوء أربع محطات، اختبرت فيها المعارضتان علاقتهما بالقرار. في 20 فبراير 2011 خرج الشباب تحت شعار إسقاط الفساد والاستبداد، ورفعت الحركة مطلب الملكية البرلمانية. بقيت مكونات اليسار التي تشكل اليوم تحالف اليسار في الحركة، ورفض العدالة والتنمية الخروج فيها، وهدد بنكيران بالاستقالة إن فعل الحزب، رغم أن قياديين منه، منهم مصطفى الرميد، شاركوا فيها. وقال بنكيران لاحقا إن حزبه لم يخرج خوفا على الملكية. وفي دجنبر 2020 وقع سعد الدين العثماني، بصفته رئيسا للحكومة، الإعلان الثلاثي المرتبط باستئناف العلاقات مع إسرائيل. رفض بنكيران يومها مطالب إقالته، وقال إن الحزب «لا يمكن أن يخذل بلده». أما اليسار فظل على رفضه للتطبيع قبل التوقيع وبعده. وفي خريف 2025 خرج شباب «جيل زد» يطالبون بالصحة والتعليم ومحاربة الفساد. أدانت فيدرالية اليسار الديمقراطي في 30 شتنبر ما وصفته بقمع «احتجاجات الشباب المعبرة عن مطالب اجتماعية مشروعة»، وأعلنت تضامنها مع المعتقلين. وأيد بنكيران في 7 أكتوبر مطالب الشباب، ورأى أنه «يمكن التفاعل معها دستوريا»، لكنه دعاهم إلى مراجعة الاحتجاج عشية خطاب افتتاح البرلمان، لأن «الضغط على خطاب الملك عمل غير موفق». والمحطة الرابعة يوم انتخاب رئيس المجلس نفسه، حين حل العاهل الإسباني بسبتة، ثم بمليلية في اليوم التالي. وفي 14 أكتوبر أصدر تحالف اليسار، المكون من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، بيانا يدين الزيارة، ويرى فيها خطوة تهدف إلى «تكريس شرعية زائفة للاحتلال»، كما «يستغرب الصمت الرسمي للحكومة المغربية». لم يصدر عن المغرب، حتى مساء الثلاثاء، أي رد فعل رسمي على الزيارة، وكانت الخارجية قد امتنعت مطلع أكتوبر عن التعليق على تقارير صحفية إسبانية بشأن موقف الرباط منها. وحين زار خوان كارلوس المدينتين سنة 2007 صدر بيان شديد اللهجة. من الناحية القانونية، لا تُلزَم الدبلوماسية بإصدار بيان عن كل واقعة. ومن زاوية القرار، فالانتقال من بيان 2007 إلى صمت 2026 قرار في حد ذاته. ويبدو هذا الصمت منسجما مع ما قاله خطاب الافتتاح عن الشراكة مع إسبانيا بوصفها «اختيارا سياديا، والتزاما إراديا»، ومع ملفات أكبر تناولتها الحلقات السابقة كالحكم الذاتي والهجرة والمونديال. للقرار منطقه، والحكم عليه خارج موضوع هذا المقال. لكن القرار المتخذ في صمت يبقى بعيدا عن النقاش العام، وهنا يأتي دور المعارضة. والفصل 10 من الدستور يذكر من حقوقها «المساهمة في الدبلوماسية البرلمانية، للدفاع عن القضايا العادلة للوطن ومصالحه الحيوية». فالدستور نفسه يتيح إدخال القضايا الوطنية إلى النقاش العام. السياسة الخارجية أوضح المجالات التي يبقى فيها القرار بعيدا عن الحكومة والبرلمان، فالموقف من الصمت فيها امتحان مباشر للموقف من مكان القرار. ولم يصدر، إلى حدود كتابة هذه السطور، بيان للعدالة والتنمية بشأن الزيارة. فإن تأكد ذلك، فهو منسجم مع ما سبق وصفه بالقبول أو الخضوع الطوعي، حيث تُعامَل السياسة الخارجية مجالا محفوظا، وتواكب المعارضة صمته كما كانت الحكومة تواكب قراره. وفي الجهة الأخرى معارضة بمقاعد معدودة ترفض التطبيع وتصدر بيانا عن سبتة ومليلية. قد يختلف القارئ مع مضمون البيان أو مع لهجته، لكن ما يعني الديمقراطية هنا هو من أدخل القرار إلى النقاش العام، أكثر من صواب الموقف. أربع محطات، ونمط واحد: يلتقي الطرفان أحيانا في المطلب الاجتماعي وفي محاربة الفساد، ويفترقان كلما اقترب السؤال من مكان القرار. ب. نقطة الالتقاء: من مأزق العدد إلى خفض العتبات تلتقي السكتان في مأزق واحد هو العتبة. يشترط الدستور توقيع خُمس أعضاء مجلس النواب، أي 79 نائبا، لإيداع ملتمس الرقابة، والأغلبية المطلقة للموافقة عليه وإسقاط الحكومة (الفصل 105). ويشترط الخُمس أيضا لإحالة قانون على المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذه (الفصل 132)، والثلث، أي 132 نائبا، لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق (الفصل 67). والعدالة والتنمية وتحالف اليسار معا لا يبلغان 79 نائبا، فتبقى أهم أدوات المراقبة خارج متناول المعارضة ولو اجتمعت. هذه عتبات ورثها الدستور من نموذج «البرلمانية المعقلنة» الذي أرساه الدستور الفرنسي لسنة 1958، وقد صُمم لحماية استقرار الحكومة من تقلب الأغلبيات. وفي القراءة القرارية، تجعل هذه العتبات أدوات المعارضة رهينة بقدرتها على العد، فيبقى تصريف القرار في يد من يملك الأغلبية، وتصير المراقبة نفسها امتيازا عدديا. وقد عالجت تجارب مقارنة هذا المأزق: فرنسا خفضت سنة 1974 عتبة الإحالة على المجلس الدستوري إلى 60 نائبا من 577، أي نحو العُشر، ومنحت منذ مراجعة 2008 كل فريق معارض أو أقلية حق تشكيل لجنة تقص واحدة في كل دورة عادية مهما كان عدده. وألمانيا تكتفي بربع أعضاء البوندستاغ لتشكيل لجنة تحقيق، وبريطانيا تخصص للمعارضة عشرين يوما في كل دورة تحدد فيها جدول أعمال مجلس العموم. وهنا موضع لقاء ممكن بين السكتين: خفض العتبات مطلب مشترك لا يتطلب اتفاقا على من يقرر. خلاصة: أي معارضة تنفع الديمقراطية؟ لمعارضة العدالة والتنمية منافع لا ينبغي إغفالها. فالحزب الذي قاد الحكومة عشر سنوات يعرف من الداخل كيف يُصرَّف القرار في قوالب قانونية: أي قرار يصير مرسوما وما يمر منه عبر قانون، وكيف تتنقل النصوص بين الأمانة العامة للحكومة والمجلس الحكومي والمجلس الوزاري قبل أن تصل إلى البرلمان. ومعارضة بهذه المعرفة قادرة على كشف مسارات القرار ومسالك تصريفه، بدل أن تكتفي بمراقبة نتائجه. وقد بدأ شيء من ذلك في نقد بنكيران الأخير. ولو بلغ هذا النقد البنية، لكانت شهادة الحزب على عشر سنوات على رأس الحكومة أقوى حجة لمشروع الدمقرطة نفسه. فأي المعارضتين أنفع للديمقراطية المغربية؟ تلك التي تقبل بقاء القرار في موضعه وتتنافس على مواكبته، أم تلك التي تطرح السؤال علنا ولو دفعت ثمنه في الصندوق؟ وفي طرح فيدرالية اليسار الديمقراطي، تتقدم الديمقراطية كلما صار القرار موضوعا للتعليل والمساءلة، وهو معيار تطرحه على الأغلبية والمعارضة معا.وفي المؤسسات ما يسمح بذلك: دستور 2011 فتح للمعارضة حقوقا في الفصل 10، وللمواطنين الملتمسات والعرائض، وخطاب الافتتاح نفسه دعا إلى تمكين الجهات من القرار. أبواب موجودة، تنتظر من يطرقها. في هندسة إقليدس لا يلتقي المستقيمان المتوازيان مهما امتدا. وفي القرن التاسع عشر بنى ريمان هندسة على سطح الكرة، تلتقي فيها الخطوط التي تبدو متوازية، كما تلتقي خطوط الطول عند القطبين وهي متوازية عند خط الاستواء. لم يخطئ إقليدس، لكن المكان تغير. وخفض العتبات تغيير صغير في المكان: لا يحسم من يقرر، لكنه يوسع ما تستطيع المعارضة أن تسائل عنه. هناك تلتقي السكتان. وتلتقيان أيضا على هوامش سكك القرارية، حيث يفرغ القرار في قوالب قانونية يملك البرلمان كلمته فيها: النظام الداخلي لمجلس النواب، والقوانين العادية وفي مقدمتها قانون المالية، والقوانين الموافقة على الاتفاقيات الدولية. وقد التقتا هناك سنة 2022، حين صوتت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية ونائبتا اليسار، نبيلة منيب وفاطمة التامني، ضد مشروعي القانونين الموافقين على اتفاقي التعاون الاقتصادي والتجاري والخدمات الجوية مع إسرائيل. وقد تلتقيان من جديد حين تعرض على المجلس اتفاقية منع الازدواج الضريبي، التي أُعلن في شتنبر 2026 عن استكمالها قبل نهاية السنة، وهي من الاتفاقيات التي لا يصادق عليها إلا بعد الموافقة عليها بقانون، بمقتضى الفصل 55 من الدستور. فالعدالة والتنمية يعرف هذه القوالب من الداخل بعد عشر سنوات من إعداد مشاريع القوانين، والفيدرالية تحمل أفقا يجعل كل قالب منها موضوعا للتعليل والمساءلة.

رشيد كديرةمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

eleven − 9 =

Check Also

وعكة صحية تصيب الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي عقب انتصار قضائي

تعرض الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، فيكيلي مبالولا، لوعكة صحية مفاجئة خلال الم…