بلاغة القيم في الخطاب السياسي

تحضر القيم في الخطاب السياسي حين يتجاوز الكلام وصف القضايا العامة إلى تحديد الموقف منها. فالسياسة تتصل بما يراه الفاعل السياسي صالحًا للحياة العامة، وما يعتبره عادلًا أو منصفًا أو حاميًا لحقوق الناس وحرياتهم. ومن هذا الباب تكتسب مفاهيم مثل العدالة والحرية والكرامة والمساواة والمواطنة حضورها في الخطاب، فتدخل في بناء الرؤية السياسية وتوجيه الحجاج. وقد أدرك أرسطو هذا البعد في تصوره للخطابة، حين ربط الخطاب التداولي بما ينفع المدينة أو يضرها، والخطاب القضائي بما هو عادل أو جائر، والخطاب الاحتفالي بما هو نبيل أو مشين. ويكشف هذا التصنيف أن الخطاب البلاغي يتصل بالأفعال والاختيارات التي تكون موضع حكم، وأن هذا الحكم يستند إلى تصورات حول ما ينبغي فعله وما ينبغي تجنبه، وما يستحق القبول أو الرفض. ومن هنا تتصل القيم بالخطاب السياسي، إذ تسهم في الحكم على القضايا العامة وتحديد كيفية تقديمها إلى الجمهور. وفي نظرية الحجاج الحديثة، يمنح شاييم بيرلمان (Chaïm Perelman) ولوسي أولبرختس تتيكا- Lucie) (Olbrechts-Tyteca القيم مكانة أساسية ضمن المنطلقات التي يستند إليها المتكلم في بناء حجته. فالمتكلم لا يخاطب جمهورًا يستقبل الوقائع مجردة، وإنما جمهورًا يحمل تصورات عن العدل والحرية والمساواة وغيرها من القيم. وحين يستدعي الخطاب قيمة معينة، فإنه يصل القضية المطروحة بما يراه الجمهور جديرًا بالقبول، فتغدو القيمة أحد المرتكزات التي يقوم عليها الإقناع. ويظهر ذلك في الخطاب السياسي المعاصر، حيث تتحدد دلالة القيمة من خلال السياق الذي تستعمل فيه والقضية التي ترتبط بها. فالكرامة، مثلًا، تتخذ معناها السياسي حين ترتبط بالصحة أو التعليم أو الحماية الاجتماعية أو العمل، بينما تتصل العدالة بتوزيع الفرص والإنصاف الاجتماعي والمجالي، وتحضر المواطنة في صلة بالمشاركة والحقوق والعلاقة بين المواطن والمؤسسات. وهكذا لا تُفهم القيمة في الخطاب السياسي بمعزل عن العلاقات التي تنشئها مع الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تستدعي فيه. وتكشف الخطابات الحزبية المغربية المعاصرة عن تنوع هذه الوظيفة. ففي خطاب حزب التجمع الوطني للأحرار، تحضر الكرامة والفرص للجميع في ارتباط بمجالات اجتماعية واقتصادية يطرحها الحزب ضمن برنامجه، فتتصل القيمة بقضايا تمس حياة المواطن. وفي خطاب حزب الأصالة والمعاصرة، ترتبط المواطنة والعدالة الاجتماعية بقضايا المشاركة والخدمات والقدرة الشرائية، فتدخل القيم في تصور للعلاقة بين المواطن والسياسات العمومية. أما خطاب حزب الاستقلال، فتظهر العدالة الاجتماعية في صلة بالإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص والتضامن، بما يربط القيمة بتصور اجتماعي أوسع. وفي خطاب المعارضة، تدخل القيم في قراءة السياسات العمومية ومناقشة آثارها وطرح البدائل. ففي خطاب حزب الاتحاد الاشتراكي، ترتبط العدالة والإنصاف والعيش الكريم بقضايا التنمية والسياسات الاجتماعية، بينما يحضر في خطاب حزب العدالة والتنمية مفهوم كرامة المواطن في صلة بالحرية والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية. ويكشف اختلاف السياقات أن القيمة الواحدة قد تؤدي وظائف مختلفة داخل الخطاب، بحسب موقع المتكلم والقضية التي يعالجها والغاية التي يتجه إليها. وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى بلاغة القيم في الخطاب السياسي من خلال طريقة اشتغالها داخله. فالقيمة، في المجال السياسي، ترتبط بقضية وتعبّر عن موقف وتستند إلى تصور للشأن العام. ولهذا فإن قراءة الخطاب السياسي من زاوية القيم لا تقف عند حدود الكلمات التي يستعملها الفاعل السياسي، بل تتجاوزها إلى ما تمنحه هذه الكلمات للخطاب من دلالة واتجاه. باحثة في البلاغة وتحليل الخطاب والتواصل السياسي
زخات رعدية قوية مصحوبة بتساقط البرد وهبات رياح اليوم الأحد بعدد من مناطق المملكة
تتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية تسجيل زخات رعدية قوية، مصحوبة بتساقط البرد وهبات رياح…



